وجهة نظر

تضخم النصوص وانكماش الحقوق.. الإعاقة مرآة اختلال السياسات العمومية بقلم: حميد قاسمي

الإعاقة في المغرب: حين تتضخم النصوص وتضمر الحقوق.. أي إنصاف تعد به رئيسة الحكومة الجديدة السيدة فاطمة الزهرة المنصوري ابنة الصالحين؟

ليس أكثر إيلاما في تدبير الشأن العام من أن تتحول الحقوق الدستورية إلى وعود مؤجلة، وأن تستحيل القوانين، مهما اتسعت مقتضياتها وتعددت مرجعياتها، إلى واجهات تشريعية تستعرض في الصالونات وفي المحافل الرسمية الوطنية والدولية، بينما يظل أصحابها يصارعون يوميا من أجل انتزاع أبسط شروط العيش الكريم.

تلك هي المفارقة الصارخة التي تختزل مأزق الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب؛ مأزق لا تصنعه الإعاقة في حد ذاتها بقدر ما تنتجه اختلالات السياسات العمومية، وضيق أفق الاستجابة المؤسساتية، واستمرار التعاطي مع هذه الفئة بمنطق الرعاية الظرفية والإحسانية في نفس الوقت، عوض مقاربة حقوقية دامجة تجعل المواطنة أساسا للإنصاف، وتكافؤ الفرص مدخلا إلى العدالة الاجتماعية، والمساءلة شرطا لازما لقياس جدية الالتزامات الحكومية.

إننا، والحالة هذه، لسنا أمام نقص في النصوص بقدر ما نحن أمام أزمة في فلسفة التنزيل، ولسنا بصدد مساءلة الاعتراف القانوني بالحقوق، وإنما بصدد مساءلة قدرتها على مغادرة الأوراق نحو الواقع، والتحول من مقتضيات تشريعية معلنة إلى مكتسبات ملموسة في حياة المواطنين.

فمنذ دستور 2011، الذي نص في فصله الرابع والثلاثين على وضع وتفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص والفئات ذوي الاحتياجات الخاصة، مرورا بالقانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، وصولا إلى التشريعات المرتبطة بالولوجيات والإدماج الاجتماعي، راكم المغرب رصيدا قانونيا لا يمكن إنكار أهميته من حيث المبدأ؛ غير أن هذا التراكم يظل ناقص الأثر ما لم تسنده إرادة سياسية واضحة، وآليات تنفيذ ملزمة، واعتمادات مالية كافية، ومنظومة للمراقبة والتقييم والمحاسبة.

فماذا يعني أن يقر الدستور حقا، ثم يظل المواطن عاجزا عن ممارسته؟ وما الجدوى من قانون إطار لا تستكمل نصوصه التطبيقية، أو من تشريع للولوجيات لا يزيل الحواجز التي تحول دون الوصول إلى المرافق والخدمات؟ وأي قيمة للاعتراف الرسمي بالمواطنة إذا كان الشخص في وضعية إعاقة يجد نفسه في مواجهة إدارة لا تيسر له الولوج، ومدرسة لا توفر له شروط التعلم، ووسائل نقل لا تستجيب لاحتياجاته، وسوق شغل لا تمنحه الفرص التي يكفلها مبدأ تكافؤ الفرص؟ إن المفارقة هنا ليست عابرة، بل تكشف خللا بنيويا في ترتيب الأولويات، وفي العلاقة بين التشريع والسياسة العمومية، وفي قدرة المؤسسات على تحويل الالتزامات المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس.

والأشد إثارة للقلق أن هذا الاختلال يتجاوز حدود الخدمات الاجتماعية ليطال صميم العلاقة بين الدولة والمواطن؛ إذ يصبح الشخص في وضعية إعاقة مطالبا، مرة بعد أخرى، بإثبات حاجته إلى حقوق سبق أن اعترف بها القانون، وكأن الاعتراف التشريعي لا يكتمل إلا بعد رحلة طويلة من الانتظار والمراسلات والتظلمات.

ومن هنا، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بما إذا كان المغرب يتوفر على ترسانة قانونية في مجال الإعاقة، وإنما بما إذا كانت هذه الترسانة قد تحولت إلى سياسة عمومية مندمجة، واضحة الأهداف، محددة الآجال، مرصودة الموارد، وخاضعة للمحاسبة على أساس النتائج.

غير أن الامتحان السياسي الأكثر إلحاحا اليوم يتصل بالحكومة الجديدة، وبالبرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الذي ينبغي أن يوضع تحت مجهر المساءلة بشأن الموقع الذي تحتله حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن أولوياته. فالبرامج الحكومية ليست وثائق تقنية لتعداد النوايا، ولا نصوصا إنشائية لاستعراض العناوين الكبرى، وإنما هي تعاقد سياسي ومؤسساتي يحدد أولويات المرحلة، ويرسم اتجاهات الإنفاق العمومي، ويكشف الفئات التي تحظى بمكانة فعلية في هندسة السياسات، وتلك التي يظل حضورها محدودا أو ملتبسا في سلم الاهتمامات.

ومن هذا المنطلق، فإن رئيسة الحكومة مطالبة بتقديم جواب سياسي واضح عن التدابير التنفيذية والاعتمادات المالية والآجال الزمنية التي ستخصص للنهوض بأوضاع هذه الفئة. فلا يكفي أن تتحدث الحكومة عن الدولة الاجتماعية، ثم تترك المواطنين في وضعية إعاقة يواجهون العوائق التي تحول دون استفادتهم الفعلية من خدمات الصحة والتعليم والتشغيل والنقل والحماية الاجتماعية، ولا يكفي أن ترفع شعار العدالة الاجتماعية، بينما تظل شروط الإدماج والمشاركة المستقلة موضع مطالب متكررة من الفاعلين الحقوقيين والجمعويين.

إن الدولة الاجتماعية التي لا تجعل الأشخاص في وضعية إعاقة في صلب هندستها للسياسات العمومية، ولا تضع احتياجاتهم ضمن حساباتها المالية والتنموية، تخاطر بتحويل هذا الشعار إلى مفهوم واسع في الخطاب، محدود في الممارسة. وهنا لا يتعلق الأمر بمطالبة رئيسة الحكومة بمنح هذه الفئة امتيازا خارج مقتضيات القانون، وإنما بمساءلتها عن مدى الوفاء بالتزامات الدولة الدستورية، وعن قدرة برنامجها على تصحيح الاختلالات المتراكمة، بدل إعادة تدويرها داخل ولاية حكومية جديدة.

وإذا كانت قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة لا تحظى بما يكفي من الحضور التفصيلي في البرامج الحكومية والسياسية، فإن ذلك يطرح سؤالا جوهريا عن مدى استيعاب الفاعلين السياسيين لمعنى المواطنة الشاملة، وعن قدرتهم على تحويل مطالب هذه الفئة إلى التزامات قابلة للقياس والمحاسبة.

إن مسؤولية رئيسة الحكومة لا تختزل في الإعلان عن الأولويات العامة، بل تمتد إلى ضمان انسجام العمل الحكومي، وتنسيق القطاعات المعنية، وتحديد المسؤوليات، وربط الالتزامات بالموارد والآجال، وإخضاع النتائج للتقييم والمساءلة. أما أن يظل ملف الإعاقة موزعا بين قطاعات متعددة، تتقاذفه الاختصاصات وتتنازعه المقاربات، من دون قيادة حكومية واضحة تضمن التقائية السياسات، فذلك مدخل لإدامة التشتت المؤسساتي الذي أضعف، لسنوات، القدرة على إحداث التحول المنشود.

إن النقد الموجه إلى الحكومة في هذا الباب لا يستقيم أن يكون خطابا عاطفيا أو مجرد تعبير عن الاستياء، بل ينبغي أن ينفذ إلى بنية القرار العمومي، وأن يسائل ترتيب الأولويات ومآلات البرامج وفعالية الإنفاق. فحين نتحدث عن الأشخاص في وضعية إعاقة، فإننا نتحدث عن مواطنين تتقاطع في حياتهم اليومية اختلالات قطاعات متعددة: الصحة التي لا تكتمل عدالتها ما لم تضمن خدمات قابلة للولوج ومراعية للاحتياجات المختلفة؛ والتعليم الذي لا يحقق رسالته الدامجة بمجرد تسجيل الأطفال في المؤسسات، بل بتوفير الأطر المؤهلة والوسائل البيداغوجية والبيئات الملائمة؛ والنقل الذي لا يمثل خدمة ثانوية، وإنما شرطا سابقا للحق في الدراسة والعمل والعلاج والمشاركة المدنية؛ والتشغيل الذي لا يمكن اختزاله في تصريحات عن الإدماج، ما لم تقترن تلك التصريحات بآليات تضمن تكافؤ الفرص وتراقب احترام الالتزامات القانونية.

أما الحماية الاجتماعية، فلا ينبغي أن تظل مظلة عامة لا تستحضر خصوصية الكلفة التي قد تفرضها الإعاقة على الفرد والأسرة، ولا التفاوت في فرص الوصول إلى الخدمات. إن المطلوب، إذن، ليس برامج متناثرة تشتغل كل واحدة بمنطقها الخاص، بل سياسة عمومية مندمجة، تنطلق من تصور شامل للحقوق، وتربط بين القطاعات، وتحدد مؤشرات دقيقة لقياس أثر التدخلات على حياة المستفيدين.

فهل تتوفر الحكومة الجديدة على تصور تنفيذي يضمن هذه الالتقائية؟ وهل يتضمن برنامجها التزامات محددة بشأن استكمال النصوص التطبيقية للقانون الإطار رقم 97.13، وتفعيل القانون رقم 10.03 المتعلق بالولوجيات، وضمان النفاذ إلى الخدمات الرقمية، وإرساء آليات فعالة لمراقبة تشغيل الأشخاص في وضعية إعاقة؟ وهل ستتحول هذه الملفات إلى التزامات حكومية قابلة للتتبع، أم ستظل عناوين تتردد في البلاغات والمناسبات الحقوقية؟ إن قيمة البرنامج الحكومي لا تقاس بعدد الصفحات التي يتضمنها، ولا بكثافة المفردات التي يستهلكها، وإنما بما يتيحه من أجوبة عملية عن أسئلة المواطنين، وبما يترجمه من حقوق إلى خدمات، ومن تعهدات إلى نتائج، ومن أولويات معلنة إلى اعتمادات مالية وإجراءات قابلة للمحاسبة.

وفي هذا السياق، تبرز قضية بطاقة الشخص في وضعية إعاقة باعتبارها أحد الاختبارات العملية لمدى جدية التدبير العمومي لهذا الملف. فقد طال انتظار هذا الإجراء، وظل تنزيله محط اهتمام ومطالب متكررة، فيما لا يزال السؤال عن تعميم الاستفادة منه ومسارات تفعيله قائما. ولا ينبغي أن تختزل المسألة في إصدار وثيقة إدارية أو استكمال مسطرة تقنية؛ فالبطاقة، متى جرى تفعيلها ضمن منظومة واضحة وفعالة، يفترض أن تسهم في تسهيل ولوج المستفيدين إلى الحقوق والخدمات المرتبطة بها.

لكن ما قيمة هذه الآلية إذا ظل مسار الحصول عليها ملتبسا، أو تأخر تعميمها، أو لم تتحدد بوضوح المنافع العملية التي تتيحها؟ وأين وصلت الإجراءات التنفيذية المرتبطة بها؟ وما الجدول الزمني الذي تلتزم به الحكومة لاستكمال تنزيلها؟ ومن هي الجهة المسؤولة عن التنسيق والتتبع، حتى لا يتوه الملف بين الاختصاصات الإدارية؟ إن المواطن لا يحتاج إلى مزيد من الوعود حول قرب الانفراج، وإنما إلى معلومات دقيقة، ومساطر معلنة، وآجال محددة، ومسؤوليات واضحة. والأمر نفسه ينطبق على البحث الوطني الثالث حول الإعاقة؛ إذ لا يمكن أن تنحصر قيمة هذا البحث في إنتاج معطيات إحصائية جديدة، مهما بلغت أهميتها، بل ينبغي أن يتحول إلى قاعدة مرجعية لتوجيه السياسات العمومية وتحديد الفوارق المجالية والاجتماعية، وتقدير الاحتياجات، ورصد الموارد اللازمة للاستجابة لها. فما جدوى تشخيص الاختلالات إذا لم تتبعه قرارات تصحيحية؟ وما قيمة المعطيات إذا لم توظف في صياغة برامج قطاعية محددة؟ وكيف يمكن تقييم الأداء الحكومي إذا لم توضع مؤشرات معلنة تسمح بقياس التقدم، وتحديد مواطن التعثر، ومساءلة الجهات المسؤولة؟ إن الانتقال من منطق الدراسة إلى منطق الأثر يقتضي نشر خلاصات البحث، وتحديد الأولويات بناء عليها، وإدماج نتائجه في التخطيط المالي والقطاعي، وإخضاع ما ينبثق عنه من إجراءات لمتابعة دورية شفافة. أما أن تتراكم الدراسات والتقارير دون أن يلمس المواطن تغيرا في شروط حياته، فذلك لا يخدم الثقة في المؤسسات، ولا يعزز مصداقية السياسات العمومية. ولعل الوجه الأكثر إيلاما في هذه المفارقة هو أن الأشخاص في وضعية إعاقة لا يواجهون الحواجز المادية والإدارية وحدها، بل يصطدمون أيضا بثقافة مؤسساتية لا تزال، في بعض تجلياتها، تنظر إلى الإعاقة من زاوية الإحسان والرعاية، عوض اعتبارها قضية حقوق ومشاركة ومساواة.

فليس المطلوب أن يظل الشخص في وضعية إعاقة موضوعا للشفقة، أو مادة موسمية في الحملات التضامنية، أو رقما يستدعى عند الحديث عن الفئات الهشة، وإنما أن يكون فاعلا في المجتمع، مستقلا في اختياراته بقدر ما تسمح به الظروف، وقادرا على الوصول إلى الخدمات والفرص دون حواجز تمييزية. إن المقاربة الحقوقية الحقيقية تقتضي تغيير زاوية النظر: من التركيز على ما يفترض أن الشخص لا يستطيع القيام به، إلى مساءلة البيئة الاجتماعية والمؤسساتية عن الحواجز التي تحول دون مشاركته؛ ومن تقديم المساعدة بوصفها منّة، إلى ضمان الخدمة باعتبارها حقا؛ ومن اتخاذ القرارات نيابة عن المعنيين، إلى إشراكهم في صياغة السياسات التي تمس حياتهم.

وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية كذلك، لأن البرامج الانتخابية ليست مجرد واجهة للتنافس على الأصوات، بل تعبير عن تصور الفاعلين السياسيين للعدالة الاجتماعية وحدودها. وإذا كانت قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة لا تحظى بما يكفي من الحضور التفصيلي في التعاقدات السياسية، فإن ذلك يطرح سؤالا عن مدى استيعاب الأحزاب لمعنى المواطنة الشاملة، وعن قدرتها على تحويل مطالب هذه الفئة إلى التزامات قابلة للقياس والمحاسبة. ولا يكفي أن ترد الإعاقة ضمن عبارات عامة عن الإدماج والتضامن، بل ينبغي أن تقترن بتدابير واضحة في التعليم والصحة والتشغيل والنقل والسكن والولوجيات والمشاركة السياسية. فالمواطن لا يصوت على الكلمات وحدها، وإنما من حقه أن يحاسب الفاعل السياسي على ما يقدمه من التزامات، وما ينجزه منها، وما يتخلف عنه دون تفسير مقنع. ولا يستقيم، في المقابل، أن يتحول نقد الاختلالات الحكومية إلى إعفاء للمجتمع المدني من واجب النقد الذاتي. فالجمعيات العاملة في مجال الإعاقة راكمت خبرات وتجارب مهمة في الترافع والمواكبة والدفاع عن الحقوق، لكن هذا الدور لا يمنح أي هيئة حصانة من المساءلة. ومن المشروع أن تطرح أسئلة بشأن الحكامة الداخلية، وشفافية التمويل، وطرق تدبير المشاريع، ومدى إشراك الأشخاص في وضعية إعاقة في تحديد الأولويات وصنع القرار.

فكل ممارسة تختزل العمل الجمعوي في تدبير الموارد دون أثر ملموس على المستفيدين تستوجب التقييم والمراجعة، وكل هيئة تتحدث باسم الفئة ينبغي أن تكون مستعدة لتبرير اختياراتها ونتائج تدخلاتها. غير أن هذا النقد يجب أن يظل دقيقا ومسؤولا، فلا يعمم الاتهام على الجمعيات كافة، ولا يتخذ من الاختلالات المحتملة ذريعة لتبخيس العمل المدني. كما لا يجوز أن يتحول إلى ستار تتوارى خلفه الدولة للتنصل من واجباتها؛ فالجمعيات، مهما كانت فعاليتها، لا تستطيع أن تحل محل المؤسسات العمومية في ضمان الحق في التعليم والصحة والنقل والحماية الاجتماعية. إن العلاقة السليمة بين الدولة والمجتمع المدني تقوم على الشراكة المسؤولة، والتشاور الفعلي، وتبادل المعطيات، وربط الدعم العمومي بالنتائج، مع صون استقلالية الفاعلين الجمعويين وتمكين الأشخاص المعنيين من المشاركة في رسم السياسات وتقييمها. أما تحميل الجمعيات وحدها مسؤولية إخفاقات منظومة كاملة، أو تقديمها بديلا عن الدولة، فليس سوى انزياح عن جوهر المسؤولية العمومية.

إن المغرب، وهو يفتح صفحة حكومية جديدة، لا يحتاج إلى خطاب إضافي عن النهوض بالأوضاع الاجتماعية بقدر ما يحتاج إلى امتحان صريح لمدى شمولية مشروعه التنموي. فالتنمية التي لا تتسع للأشخاص في وضعية إعاقة تظل تنمية منقوصة، والعدالة الاجتماعية التي لا تزيل الحواجز التي تعترضهم تبقى عدالة غير مكتملة، والدولة الاجتماعية التي لا تضمن لهم شروط الاستقلال والمشاركة تخاطر بإعادة إنتاج الإقصاء تحت عناوين جديدة. لذلك، فإن رئيسة الحكومة مطالبة بأن تجعل من هذا الملف اختبارا حقيقيا لصدقية برنامجها، لا أن تتركه في ذيل الأولويات أو تحيله إلى قطاع وزاري منفرد، وكأن الإدماج شأن فئوي لا يعني بقية مؤسسات الدولة. فالإعاقة قضية عابرة للقطاعات، تقتضي تنسيقا حكوميا محكما، وتخطيطا متعدد السنوات، وموارد مالية واضحة، ومؤشرات لقياس الأثر، وآليات للتتبع والمساءلة، فضلا عن إشراك فعلي للأشخاص في وضعية إعاقة في كل مراحل إعداد السياسات وتنفيذها وتقييمها. وعلى هذا الأساس، فإن الأسئلة التي ينبغي أن تواجه رئاسة الحكومة اليوم واضحة: ما التدابير المحددة التي ستتخذها لاستكمال تفعيل القانون الإطار رقم 97.13؟ ما الآجال المقررة لتعميم بطاقة الشخص في وضعية إعاقة؟ كيف ستضمن تفعيل الولوجيات في النقل والمرافق العامة والخدمات الرقمية؟ ما الإجراءات التي ستتخذها لتطوير التعليم الدامج، وتيسير الولوج إلى الصحة، وتعزيز فرص التشغيل والاستقلال الاقتصادي؟ وكيف ستترجم نتائج البحث الوطني الثالث حول الإعاقة إلى سياسات قابلة للتقييم؟ ثم من سيحاسب على التأخر في التنفيذ، وما الوسائل التي ستتيح للأشخاص المعنيين تتبع التزامات الحكومة ومساءلتها بشأنها؟ إن هذه الأسئلة ليست تصعيدا لغويا، ولا خصومة سياسية، ولا محاولة لانتقاص قيمة المؤسسات، وإنما هي صميم الرقابة الديمقراطية على السياسات العمومية، وامتداد طبيعي لحق المواطنين في معرفة ما ستفعله الحكومة باسمهم، وبأي وسائل، وفي أي آجال. وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بمعركة بين الأشخاص في وضعية إعاقة والدولة، وإنما بمعركة من أجل أن تتطابق الدولة مع التزاماتها الدستورية، وأن يصبح القانون مرجعا للحماية الفعلية لا مجرد سند للاستشهاد، وأن تتجاوز السياسات العمومية منطق التدبير القطاعي المجزأ إلى منطق الإدماج الشامل.

إن الأشخاص في وضعية إعاقة لا يطلبون امتيازا على حساب بقية المواطنين، ولا يستجدون إحسانا من أحد؛ إنهم يطالبون بحقوقهم، وبأن يعاملوا باعتبارهم مواطنين كاملي الكرامة، لهم الحق في التعلم والعمل والتنقل والعلاج والمشاركة في الشأن العام. ومن العيب السياسي والمؤسساتي أن يستمر هؤلاء في المطالبة بما يفترض أن يكون مضمونا بمقتضى الدستور والقانون، وأن يجدوا أنفسهم مضطرين إلى تكرار المطالب نفسها مع كل حكومة جديدة.

إن السؤال الذي ينبغي أن يظل معلقا في وجه رئيسة الحكومة ليس ما إذا كانت الدولة تعترف بالأشخاص في وضعية إعاقة، فذلك محسوم في المرجعيات الدستورية والتشريعية، وإنما ما إذا كانت هذه الحكومة مستعدة لتحويل الاعتراف إلى فعل، والالتزام إلى إنجاز، والبرنامج إلى تعاقد قابل للمحاسبة.

فلا قيمة لترسانة قانونية تتضخم في النصوص فيما تضمر الحقوق في الواقع، ولا معنى لبرنامج حكومي يتحدث عن الإنصاف الاجتماعي إذا ظل جزء من المواطنين ينتظرون الاعتراف العملي بمواطنتهم. إن التاريخ السياسي للحكومات لا تحفظه البلاغات وحدها، بل تحفظه أيضا الحقوق التي أنصفتها، والحواجز التي أزالتها، والفئات التي انتشلتها من التهميش. أما أن تظل الإعاقة ملفا مؤجلا، تتعاقب عليه الحكومات دون أن تنهي أسباب الإقصاء، فذلك ما يستوجب مساءلة سياسية صريحة، وجوابا حكوميا لا يكتفي بتجميل اللغة، بل يحدد بوضوح ماذا سيتغير، ومتى سيتغير، ومن يتحمل مسؤولية إنجاز ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى