وجهة نظر

من زواج الشرع إلى زواج المقاولة: قراءة في تحولات مؤسسة الزواج

هشام فرجي

الزواج، في الشرع الإسلامي، رباط مقدس قوامه السكينة والمودة، حيث يتشارك الزوجان رحلة الحياة، يتبادلان الحب والتضحية والرعاية المتبادلة، يصنعان بيتًا يعمه الاستقرار النفسي والاجتماعي. هذه الرؤية التي استلهمتها ثقافتنا من التعاليم الإسلامية، جعلت من الزواج ميثاقًا غليظًا يحمي الأسرة ويرسخ القيم الأخلاقية. لكن اليوم، ومع موجة التحديث التشريعي التي تطال مدونة الأسرة، نطرح سؤالا عميقا: هل نحن بصدد الانتقال من زواج الشرع إلى زواج المقاولة؟ هل تحوّل الزواج من رابطة وجدانية وأخلاقية إلى شراكة تجارية وقانونية تحددها النصوص القانونية والمصالح المادية؟

يعتبر الزواج في الشرع الإسلامي التزاما روحيا وأخلاقيا وليس عبارة عن عقد قانوني فقط. بنيانه الأساسي هو السكينة والمودة، حيث تُنسج العلاقة الزوجية على أسس من الحب والطمأنينة والاحترام.

في هذا السياق، كان يُنظر للزواج كحياة تشاركية تكاملية، لا تخضع لحسابات مادية ضيقة، بل تعتمد على التضحية والعطاء المتبادل، حيث تعد السكينة والمودة جوهر الاستقرار الأسري الذي يجعل الزواج قادرًا على الاستمرار ومقاومة مشاكل الحياة اليومية.

أما التعديلات الأخيرة في مدونة الأسرة المزمع تطبيقها فقد أظهرت تحولات كبيرة، تعكس انزياحًا عن هذه القيم التقليدية نحو منطق قانوني بصبغة مقاولاتية. من أبرز هذه التعديلات:

– إلغاء بيت الزوجية من التركة: خطوة تهدف إلى حماية الزوجة من التشرد بعد وفاة الزوج، لكنها في المقابل تُضعف رمزية البيت كفضاء للهدوء والسكينة، وتُعزز النظرة المادية للعلاقة الزوجية، وبالمقابل يثير تساؤلات حول العدالة تجاه باقي الورثة.

– الاعتراف بمساهمة الزوجة في الثروة المشتركة: تعديل يُنصف المرأة لكنه يحوّل الزواج إلى شراكة تجارية تخضع للمحاسبة بمنظور مقاولاتي صرف، بدلًا من أن يكون مؤسسة للتعاون والمودة.

– النفقة بمجرد العقد: تعتبر ضمانة للزوجة، لكنها قد تُثقل العلاقة الزوجية في بداياتها، مما قد يسبب قي إضعاف فرص النجاح في بناء أساس قويم منذ بداية الزواج.

ولزواج المقاولة هذا عدة انعكاسات سلبية نذكر منها:

– كثرة النزاعات: عندما تُهيمن القوانين والماديات على العلاقة الزوجية، تتحول الأسرة إلى ساحة لتصفية الحسابات، مما يُضعف المودة التي كانت تُغذي هذه العلاقة.

– إضعاف الروابط العاطفية بين الزوجين: مع تحول الزواج إلى فكر مقاولاتي حيث يصبح معادلة مادية، يتراجع البُعد الروحي والإنساني، ويُصبح الحفاظ على العشرة الزوجية تحديًا صعبا.

– عزوف الشباب عن الزواج: عندما يُصبح الزواج معقدًا ومُكلفًا، تُصبح فكرة تأجيله أو التخلي عنه خيارًا أكثر حكمة لمعظم الشباب.

لا شك أن التعديلات تهدف إلى تحقيق العدالة، لكن هذه العدالة يجب ألا تأتي على حساب القيم الأساسية التي تُعطي للزواج معناه الأسمى. فالزواج هو منظومة تُديرها الأخلاق والقيم، لذا فلا بد:

– إعادة الاعتبار لمؤسسة الزواج: يجب أن تكون القوانين محفزة للاستقرار النفسي والاجتماعي بدلًا من إثارة النزاعات.

– تعزيز المودة بين الزوجين: العلاقة الزوجية تحتاج إلى دعم عاطفي واجتماعي يعزز روح التضحية والحب بدلًا من التركيز على المكاسب المادية.

– إعادة التوازن بين الحقوق والقيم: العدالة المادية مهمة، لكنها لا تغني عن أهمية المودة والسكينة كأساس للعلاقة الزوجية.

بينما تسعى التشريعات إلى ضمان حقوق الزوجين، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن لهذه القوانين أن تُحافظ على روح الزواج؟ هل يمكن تحقيق العدالة دون التضحية بـالسكينة والمودة التي تجعل الزواج مؤسسة مستقرة؟. الانتقال من زواج الشرع إلى زواج المقاولة قد يُحقق مكاسب مادية، لكنه يُهدد جوهر العلاقة الزوجية. لذلك، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد التوازن بين نص القانون وروح الشرع، لضمان استقرار الأسرة في عالم يتغير سريعًا، لكن دون أن يفقد مؤسسة الزواج غايتها الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى