ثقافة و فن

من فعاليات المعرض الدولي للكتاب: “ضوء المغاربة” يشع على حفل توقيع إصدار جديد للشاعر حسن نجمي برواق دار الثقافة D49/D48

أحمد رباص ـ تنوير
تميزت أو امتازت النسخة الواحدة والثلاثون للمعرض الدولي للنشر والكتاب المقام حاليا بالرباط بحفل توقيع كتاب جديد صدر هذا الربيع للشاعر والكاتب المغربي حسن نجمي عن دار الثقافة للنشر والتوزيع تحت عنوان: “ضوء المغاربة: قصائد تعبر القارات”.
في الرواق D49/D48 حيث تعرض دار الثقافة حصاد مطابعها، وبحضور المؤلف، أقيم ذلك الحفل يوم الأحد 8 ماي 2026، واستغرق ساعة واحدة محصورة بين الخامسة والسادسة.
قبل عرض التفاصيل الصغيرة المتعلقة بالكتاب، والتي سوف نختم بها هذا المقال، يجدر بنا الدخول طرا إلى مضمون الكتاب دون الاكتفاء بتقديمه للقراء انطلاقا من قائمة مواد الفهرست، كما يفعل عادة الصحافيون عندما يكونون في عجلة من أمرهم.
في البداية، يصادف قارئ الكتاب مقدمة بقلم الدكتور منير السرحاني وقد امتدت على مساحة من ست صفحات. وليست هذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها منير على مثل هذا الصنيع، فقد سبق أن دبج مقدمة باذخة، مبنى ومعنى، لديوان حسن نجمي المعنون بـ”ضريح آنا أخماتوفا”. ولعلمكم فمنير السرحاني شاعر ومترجم مغربي، وُلد بمدينة القصر الكبير سنة 1982. ترقى منذ سنوات إلى نائب عميد كلية الآداب بالمحمدية بعد أن كان أستاذا للتعليم العالي بشعبة الأدب الفرنسي، بالمركز التربوي الجهوي بالرباط.
اختار الشاعر منير السرحاني لمقدمته عنوانا دالا على فحوى الكتاب: “شعرية الشتات (الدياسبورا): الهوية، العالمية وحركية الذاكرة”. وفي أولها يشير إلى أن هذه المختارات الشعرية للشعراء والشاعرات المغاربة في المهجر، التي أشرف عليها حسن نجمي، “لا تقتصر على كونها مجرد جمع للنصوص، وإنما تمثل محاولة لإعادة تشكيل للحقل الأدبي المغربي في أفق عابر للحدود”. فهي تدعونا – كما يتابع منير – إلى التفكير في الشعر المغربي المعاصر لا بوصفه متنا محصورا داخل حدود جغرافية، بل باعتباره كيانا ديناميا تعبره حركات التنقل والترجمة، والتلاقح الثقافي.
ويرى كاتب المقدمة أن “أبرز مكامن قوة هذه المختارات ما تتيحه من تنوع غني، يُرى ويُسمع في آن واحد”، واصفا هذا التنوع بكونه أجياليا أولا، حيث تتجاور أصوات تنتمي إلى الموجات الأولى للهجرة مع أصوات شعراء أحدث سنا، ولدوا أو تكونوا في بلدان الاستقبال، ويحملون تجربة مختلفة للانتماء. وتنوع لغوي كذلك، إذ تتجاوب العربية والفرنسية، وأحيانًا الأمازيغية أو لغات أخرى للكتابة، كاشفة عن تعددية في الجذور الثقافية”
من جهة ثانية، يكتسي التنوع إياه طابعا جغرافيا “يمتد من أوروبا (فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، إسبانيا، هولندا …. إلى كندا والولايات المتحدة والعالم العربي وغيرها من الفضاءات، مشكلا خريطة تبدو متشظية، لكنها منسجمة”. ومن جهة ثالثة وأخيرة، هو، كما خبر السرحاني، “تنوع في الحساسيات والمسارات، حيث تحتل الأصوات النسائية مكانة جوهرية، مؤكدة أن الشتات المغربي يعبر عنه بقدر ما يصاغ بصيغة المذكر”؛ علما بأن هذه “التعددية ليست مجرد تجاور بل هي نسيج الحداثة الشعرية المغربية في تجلياتها العلائقية والحركية”.
ذلك ما اقتضى من محرر المقدمة الوقوف قليلا عند مفهوم أدب المهجر في الدراسات الثقافية المعاصرة الذي شهد تحولات عميقة، حيث استحضر ستيوارت هول الذي قال إن ا”لهوية المشتتة لا تحيل إلى جوهر ثابت، بل إلى ‘موضع’ يُبنى تاريخيا، ويظل في طور التشكل. فالهوية ليست نقطة أصل جامدة، بل هي عملية وسردية متحركتان. وإذا ما طبق هذا المنظور على الشعر المغربي خارج الحدود، فإنه يسمح بتجاوز القراءة التي تنبعث من الحنين أو من موقع ‘ضحية المنفى’. فشعراء المغرب في العالم ليسوا ذواتا مبتورة عن مركزها، بل يشاركون في إعادة تعريف الانتماء بشكل فاعل”.
في نفس السياق، يستحضر السرحاني إدوار غليسان الذي نحت مفهوم “العالمية” أو “كل-العالم” جاعلا منه مفتاحا تأويليا يمكن الولوج به إلى الهوية كشيء غير متجذر في الانغلاق؛ ويؤدي بالتالي إلى النظر إلى الشعر المغربي في الشتات كما لو أنه “لا يكتفي بحمل ذاكرة وطنية”، بل “يضعها في حوار مع متخيلات أخرى، محولا الأصل إلى أرخبيل”. وهكذا “تعاد صياغة الهويات، فلا هي منغلقة على الأصل ولا مندمجة كليا في فضاء الاستقبال”.
في الصفحة 12 من الكتاب تطالعنا كلمة لصاحبه الشاعر حسن نجمي وقد غطت اربع صفحات يتصدرها عنوان دال هو الآخر على الغاية من هذا الكتاب الذي يأتي، كما يقول أبو ريم، “كمشروع أنطولوجي ونقدي في آن، يسعى إلى مساءلة تحولات الكتابة الشعرية المغربية من خلال عبورها الثقافي والجغرافي واللغوي، وذلك باختيار ستة وثلاثين صوتا شعريا أقاموا أو يقيمون في فضاءات متعددة (فرنسا، إسبانيا ألمانيا، إيطاليا، بلجيكا، هولندا، كندا والولايات المتحدة الأمريكية)”.
هذا التعدد “لا يقتصر على البعد الجغرافي وحده، إذ يمتد إلى تنوع الأجيال، والحساسيات، ومسارات التكوين الثقافي، وإلى الجنسين أيضًا، مما يجعل من هذا العمل نوعا من مختبر يسعف في دراسة ديناميات الشعر المغربي في الشتات”.
من منظور نقدي، يتابع الشاعر نجمي، يمكن قراءة هذه المختارات في أفق ما يُعرف بـ«أدب العبور» أو “الكتابة العبر وطنية»، حيث تتجاوز النصوص منطق الانتماء الأحادي لتشتغل داخل فضاء هجين تتقاطع فيه اللغات والهويات. وإذ “يكتب الشعراء والشاعرات في هذا الكتاب بالعربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، وأحيانا في منطقة تماس بينها”، فهم “يكتشفون أن اللغة تتحول لديهم إلى موضوع للكتابة نفسها، وإلى مجال للتوتر والتفاوض وإعادة التشكيل”. هكذا “تُنتج القصيدة خطابًا مزدوجًا: خطابًا ينهل من ذاكرة مغربية عميقة، شخصية أو جماعية، وخطاب آخر ينخرط في سياقات ثقافية كونية، دون أن يذوب فيها كليا”.
ويرى حسن نجمي أن هذه النصوص ” تكشف عن تحولات لافتة في البنية الشعرية، إن على مستوى الشكل أو الرؤية، معتبرا أن “قصيدة النثر، بوصفها أفقا مشتركا لدى عدد كبير من هذه الأصوات، تتخذ هنا منحى أكثر تحررًا، متأثرة بتقاليد شعرية عالمية، لكنها في الوقت نفسه تبقى مشدودةً إلى أسئلة محلية تتعلق بالهوية، والمنفى، واللغة، والذاكرة”.
وحتى يأخذ القارئ فكرة متكاملة عن الكتاب، أضع بين يديه نص ظهر الغلاف الذي صاغه صاحب الكتاب بأسلوب ينتسب إليه خصيصا كما ينتسب الصوت إلى حنجرته:
“هي ليست مجرد أنطولوجيا شعرية، وإنما خريطة حسية لانتشار الصوت المغربي في العالم، حيث تتحول القصيدة إلى جواز سفر آخر، وتعبر اللغة حدودها وهي تحمل ظلال الأمكنة الأولى من الرباط إلى مدريد وباريس، ومن الدار البيضاء إلى مونتريال ونيويورك وشيكاغو وروما وبروكسيل….. يتشكل هذا الضوء من اختلاف المنافي، وتعدد اللغات، ووحدة الوجدان
هنا، لا يكتب الشعراء والشاعرات عن الغربة كموضوعة شعرية، ولكنهم يكتبون بها ومن خلالها، تتشظى العربية، تتجاور مع الأمازيغية، وتتحاور مع الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، كما تتداخل مع إيقاعات أخرى دون أن تفقد جذورها العميقة في تربة الذاكرة المغربية.
القصائد في هذا الكتاب ليست صدى لحنين مرتجل. إنها اختبار دائم للهوية، وللقدرة على إعادة ابتكار الذات في مرايا متعددة.
“ضوء المغاربة” هو ضوء التجربة الشعرية، ضوء اللغة أيضًا حين تتسع لقلق العالم. وهو كتاب عن العبور كانتقال جغرافي ، وكتحول داخلي مستمر حيث يصبح الشاعر(ة) كائنا بين بين بين لغتين بين ضفتين وبين ما كان وما يصير”.
يتكون هذا المؤلف المهدى إلى كاتبنا الكبير إدريس الشرايبي من 464 صفحة من القطع الكبير. ومن خلال عنوانه الفرعي الثاني، يدرك القارئ أنه أمام “أنطولوجيا الشعر المغربي المعاصر في الشتات”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى