المركز المغربي للديمقراطية والأمن: دينامية التحضير التشاورية لورشة سوس ماسة

مصطفى المنوزي*
في إطار التحضير التشاركي والنقدي للورشة التي سينظمها
المركز المغربي للديمقراطية والأمن بجهة سوس ماسة تحت تيمة:”فعلية الحق في التعبير والتظاهر والتجمع، نحو تحيين أسئلة الحكامة الأمنية في السياق المغربي”،أقترح عليكم المساهمة تشاركيا من خلال التفاعل مع حلقات سأنشرها تباعا في أفق بلورة أرضية توافقية وذلك لملامسة بعض الأسباب غير المباشرة لما يجري من تحولات كمية ونوعية حثيثة؛
وإليكم الحلقة الأولى مع التنويه بأن مقالاتي السابقة لا تخرج عن النسق العام ولذلك يمكن الإستئناس بها لكل غاية معرفية مفيدة .
الحلقة الأولى
جيل زد 212 بين كوفيد وفضاء العموم: من العزلة الرقمية إلى التمرد المُؤطّر
يمكن القول إن جيل “زد 212” تشكّل في رحم الجائحة، لا كفئة عمرية فحسب، بل كوعي جمعي مشحون بالتناقضات. فمرحلة كوفيد لم تكن مجرد أزمة صحية، بل كانت مختبرًا اجتماعيًا ضخماً أعاد ترتيب علاقة الفرد بالمجتمع والدولة والعالم. عاش هذا الجيل تجربة الحجر بوصفها عزلة رقمية مكثفة، إذ تحولت الشاشات إلى وطنٍ بديل، والعلاقات إلى رموز، والهوية إلى صورة قابلة للتداول. في ظل غياب التفاعل المادي، نما لديه نوع من “الذات الافتراضية”، التي ترفض الانضباط لكنها تبحث عن المعنى، وتتمرّد على كل سلطة لا تُبرّر مشروعيتها عقلانيًا أو وجدانيًا.
لكن حين انقشعت الجائحة، وبدأ جيل زد 212 يخرج إلى الفضاء العمومي الحقيقي، بدا وكأن هذا الخروج لم يكن عفوياً بالكامل. فالسؤال البريء، لكنه ضروري، هو: هل خُطط لهذا الانتقال بعناية لفتح فجوات في الدينامية الجديدة التي كانت تتشكل داخل الفضاء الرقمي، من أجل امتصاص المدّ المتمرد وإعادة توجيهه؟
لقد تزامن انفتاح الفضاء العمومي مع استراتيجيات ناعمة في إدارة الشباب: من توجيه الاحتجاج نحو قنوات مراقبة، إلى تحويل القلق الجمعي إلى استهلاك مفرط، ومن تسييل الغضب في منصات الترفيه إلى خلق وهم المشاركة السياسية من دون أثر فعلي. وكأنّ الدولة العميقة أدركت أن التحكم في الإيقاع أهم من المنع، وأن الاحتواء أذكى من القمع.
وهكذا، وجد جيل زد 212 نفسه بين حدّين: بين إرث الجائحة الذي شكّل ذاكرته النفسية والاجتماعية، وبين دينامية المراقبة الذكية التي صاغت تحرّكاته في الشارع. لم يُعد يصرخ ضد السلطة فقط، بل ضد المعنى نفسه، ضد الفراغ الذي خلّفته سياسات التعقيم الشامل للوعي والفضاء العام.
جيل كوفيد إذًا، هو جيل الوعي المعلّق بين شاشتين: شاشة الخوف وشاشة الأمل، بين واقع مُسيّج ورغبة في الانفلات، بين تمرّد أصيل وتوجيه غير مرئي. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل سينجح هذا الجيل في تحويل هشاشته إلى طاقة إبداعية تُعيد تعريف الفعل العمومي، أم سيُعاد تدويره ضمن هندسة ما بعد الجائحة لتكريس وهم المشاركة وتجميل المراقبة؟
——————————————–
(*) رئيس المركز المغربي للديموقراطية والأمن




