المحامية والناشطة الجمعوية غزلان ماموني تشرح معنى تحولات المجتمع المغربي

أحمد رباص ـ تنوير
في برنامج “l’info en face الذي تبثه القناة التابعة لجريدة “le matin” المغربية، قدمت غزلان ماموني، المحامية ورئيسة جمعية “كيف ماما كيف بابا”، تحليلاً دقيقاً للبيانات الجديدة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بشأن الأسرة المغربية. وترى أن تراجع معدلات الزواج ليس أزمة أخلاقية ولا نزوة جيلية، بل هو عرض من أعراض نموذج قانوني واقتصادي واجتماعي قاصر عن توفير الحماية الكافية للنساء والأطفال.
أصبح الزواج أقل شيوعًا، والطلاق في ازدياد، ومعدل المواليد في انخفاض، وتغيرت بنية الأسرة. لكن بالنسبة لغزلان مأموني، لا تكمن المشكلة الأساسية في ما تُظهره إحصاءات المندوبية السامية للتخطيط فحسب، بل في ما تُغفله أيضًا، وربما أكثر من ذلك.
منذ بداية مقابلتها على برنامج “L’Info en Face”، حددت المحامية ورئيسة جمعية “كيف ماما كيف بابا” نبرة حديثها قائلةً: “أكثر ما يُثير غضبي في هذا الاستطلاع هو ما يُغفله”. وهي قلقة بشكل خاص إزاء نقص البيانات المتعلقة بالأطفال المولودين خارج إطار الزواج والأمهات العازبات. وأكدت قائلةً: “ليس هذا سهوا، بل هو خيار مُتعمد بوضوح”، معتقدةً أن الإحصاءات العامة لا ينبغي أن “تحمي المحرمات”، بل أن “تحمي المواطنين”، وخاصةً الفئات الأكثر تهميشا.
بالنسبة لغزلان مأموني، فإن الحديث عن “الأسرة” بصيغة المفرد لم يعد يعكس الواقع المغربي. “لا توجد عائلة واحدة فقط. العنوان إشكالي: ينبغي أن يكون تحقيقًا في شؤون العائلات”، كما تُصرّ. العائلات ذات العائل الوحيد، والأمهات العازبات، والأطفال المولودون خارج إطار الزواج، والزيجات غير المعترف بها: كل هذه حقائق اجتماعية موجودة، “سواء رغبنا في ذلك أم لا”، وعدم وجود إحصاءات لا يُخفيها.
تُفسّر المحامية المعطى اللافت الآخر، وهو تزايد الرفض أو عدم الاهتمام بالزواج، على أنه إشارة بالغة الأهمية. وتؤكد قائلة: “إنها ليست نزوة أو موضة عابرة، بل هي إشارة اجتماعية”. وترى أن السؤال الحقيقي ليس لماذا يخشى العزاب الزواج، بل “لماذا لم يعد الزواج بمفهومه الحالي مناسبا؟”.
كان تشخيصها قاسيا: ففي رأيها، لا يزال الزواج مؤسسة غير متكافئة قانونيا. الحضانة، والوصاية، وتقسيم الممتلكات، وتعدد الزوجات، والميراث: كلها مجالات لا تزال تعاني، في رأيها، من اختلالات هيكلية. وتقول: “لا يمكننا أن نطلب من النساء الدخول في إطار قانوني يُعرّضهن للخطر دون حمايتهن”، بل وتذهب إلى حد تشبيه الزواج بـ”عقد تُعرف شروطه المجحفة مسبقا”.
يُضاف إلى هذا الضعف القانوني الهشاشة الاقتصادية. وتشير غزلان مأموني إلى انخفاض معدل تشغيل النساء، والذي تُقدّره بنسبة 19%، وتؤكد أن التبعية المالية تُصعّب عليهنّ إنهاء الزواج المضطرب أو العنيف. ترى غزلان مأموني أن الوضع الهش للأسر التي تعيلها امرأة بمفردها يمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في النقاش العام. وتؤكد قائلة: “لم تجد النساء انفسهن في هذه الظروف وليدة الصدفة، بل لدينا نظام قانوني واقتصادي يجعلهن عرضة للخطر”. لذا، لا ينبغي النظر إلى العزوبية، وخاصة بالنسبة للنساء، على أنها مجرد شذوذ اجتماعي، بل يمكن اعتبارها، من وجهة نظرها، “انتصارا لا فشلا”. بل إنها تعتبرها “ثورة صامتة”، خيارا للاستقلالية تتبناه النساء المتعلمات والمستقلات اللواتي لم يعدن بحاجة إلى الزواج كضمانة. وتلخص قائلة: “ليس الأمر خوفا من الزواج، بل هو خيار للاستقلالية”.
في ما يتعلق بقضية الطلاق أيضاً، يختلف نهجها عن التفسيرات المتشائمة. وتقول إن ازدياد حالات الانفصال ليس بالضرورة مأساة اجتماعية، خاصةً عندما يُمكّن الناس من الفرار من العنف أو العزلة في الزواج القسري. وتُعلن: “أُشيد بهذه الطلاقات”، مُشيرةً إلى أن إصلاح عام 2004 منح المرأة الحق في طلب الطلاق. وبالتالي، فإن الزيادة الحالية هي أيضاً، جزئياً، نتيجة طبيعية لممارسة هذا الحق حديثاً. لكن هذه الحرية لا معنى لها إلا إذا ضمنت الدولة إطاراً حمائياً، خاصةً للأطفال. وهنا، بحسب غزلان مأموني، تكمن المشكلة. فأطفال الأزواج المنفصلين، والأطفال المولودين خارج إطار الزواج، والأطفال المحرومين من الاعتراف بأبوّتهم أو الحماية الفعّالة، هم محور اهتمامها. وتؤكد رئيسة منظمة “كيف ماما كيف بابا”: “لا توجد حقوق للأمهات مقابل حقوق للآباء. فالأطفال هم من لهم الحقوق”.
وهكذا، عاد إصلاح المدونة (قانون الأسرة) إلى صدارة النقاش. بحسب المحامية، فإن البيانات الجديدة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط لا تُثير المشكلة، بل تُؤكد ما يُلاحظه المجتمع المدني بالفعل على أرض الواقع. ومع ذلك، ينبغي أن تُعزز هذه البيانات الحاجة المُلحة لإصلاح جذري لقانون الأسرة وقانون العقوبات، لا سيما في ما يتعلق بالوصاية، وتقسيم الممتلكات، ونفقة الأطفال، واستخدام فحوصات الحمض النووي لإثبات النسب، وزواج الأطفال، وتعدد الزوجات، والمادة 490 التي تُجرّم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.
مع اقتراب الانتخابات، تُصرّح غزلان ماموني بأنها لا تُريد التكهن، بل تسعى إلى التوعية. وتعتزم جمعيتها مطالبة الأحزاب السياسية والمرشحين بتوضيح مواقفهم بشأن هذه البيانات. والهدف هو تحديد مدى التزامهم الحقيقي بتطبيق تشريعات تتوافق مع دستور 2011 وتحمي حقوق النساء والأطفال. وتقول: “نُطالب بالمساواة. من المُثير للدهشة أننا حتى في هذه القضية، علينا أن نتوخى الحذر الشديد ونسير على قشر البيض”. وتُختتم رسالتها بنداء يؤكد على ضرورة التحرك العاجل. لم يشهد قانون الأسرة (المدونة) أي إصلاح جوهري منذ عام 2004، ولا يزال القانون الجنائي، في هيكله، يعود إلى عام 1963، أما دستور 2011، من وجهة نظرها، فلا يزال تطبيقه القانوني غير كافٍ. وتؤكد قائلة: “الوقت لا يمر سريعا على النساء اللواتي يعانين، وعلى الأطفال الذين يتوقف مستقبلهم على هذا النوع من الإصلاح”.
وبعيدا عن النقاش الدائر حول الزواج، تدعو غزلان ماموني إلى تغيير في المنظور. فالأمر لا يتعلق بالحنين إلى مجتمع يتزوج فيه الناس في سن مبكرة، ويقل فيه الطلاق، ويكثر فيه إنجاب الأطفال. بل الهدف هو بناء إطار يُمكّن كل فرد من اختيار حياته – سواء أكان زواجا، أو عزوبية، أو طلاقا، أو إنجابا أم لا – بكرامة ومساواة وأمان قانوني. وتختتم حديثها قائلة: “وقبل كل شيء، يجب أن يُسمع صوت الأطفال”، لأن حقوقهم هي التي غالبا ما تتم التضحية بها أولا”.




