ثقافة و فن

مُلصق “مهرجان الفيلم الوطني” في دورته الـ25، على وزن المثل المغربي البليغ: “جَا يْكَحَّلْهَا عْمَاهَا”.

من نافلة القول عند أهل السينما، مهنيين وسينيفليين وعشاق الفن السابع، قول: “من يحب الحياة يذهب للسينما”.
مُعطاً طرق بالي وأنا أكتشف مُلصق “مهرجان الفيلم الوطني” في دورته الـ25، المنعقدة بعروس شمال المغرب مدينة طنجة ما بين 17 و25 أكتوبر الجاري، حيث به صورة الإعلامي الراحل “علي حسن” مقتطفة من فيلم قديم له، ومولَّد عن طريق تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بأيقونة رجل مات ورَسمٍ ميِّت.

🔖هنا أدعو الرجوع لأبجديات التواصل في عالم السينما، التي تنبني علی أُسس الماركتينغ بقيمة مضافة، تهم الإفراط في لمسة الجمالية ونبرة الإبداع وأنفاس الحياااااااة.

بخصوص “المُلصق” الذي هو أول اتصال بصري بالجمهور، يجب أن يكون جذابًا، وأصيلًا، وغنيًا بالمعلومات. جذب الانتباه، إثارة الفضول، إغراء الحواس، بعث الحياة. مع الالتزام بمعايير غرافيكية مُحدَدة، وِفقًا لنوعية الحدث (الألوان، والخط، والأيقونات، إلخ)، وأن يُبرِز عناصره الرئيسية (العنوان، وروح الحدث، والشعار، إلخ). كما يجب أن يكون الملصق مُناسبًا لوسائل النشر المختلفة (اللوحات الإعلانية، وسائل التواصل الاجتماعي، الصحافة والمجلات، وصْلات الفيديو إلخ).

🖍باستعراض قراءة متأنية، للملصق المعروض، وبإبراز صورة من فيلم قديم، وعليها صورة إعلامي شهير رَحَل لدار البقاء، يتبين مُجانبتها:
– لروح المهرجان كاحتفالية وفن فرجة حي، وهو يمثل شخصا حديث الرحيل عن الحياة،
– لتسويق صورة فعاليات المهرجان، وهو يرمُز لشريط مُتقادم لا يعكس الصناعة السينمائية كما تَرْسُم معالمها السياسة الحكومية،
– لتحفيز المهنيين والجمهور على الحديث عن صناعة فيلم من السيناريو إلى القاعة مرورا بالملصق الذي هو واجهة/فترينة الفيلم، وهو يُحيل إلى حِقبة هشة كمًا وكيفًا (1981، والثمانينيات)،
– للإعطاء شعار أمل للشباب والشابات الراكبون موجة surfing الابتكارات الحديثة، وهو يحمل نبرة حِداد وبشاعة استخدام الذكاء الاصطناعي…
وكثير من الغيظ، لمُجانبة إدارة المهرجان المِهنية وسداد الرؤية في توجيه وضبط دفتر تحملات طلبية العروض (أتى تقنيا، فارغا من أدبيات تصَوُّر المهرجان) بمثلا:
– إحقاق مبدأ المناصفة الدستوري (امرأة رجل)،
– تكريس مهنة الغرافيك كمُكون أساسي في الصناعة السينمائية (وما أبشع ملصقات أفلامنا، انظر أنموذج ملصق شريط ” أرض الملائكة” لرشيد فكاك المرفق)،
– مواكبة الملصق بكبسولة في نفس المِنوال الغرافيكي والذكاء الاصطناعي المُبدِع (ببهو فضاء “قصر الفنون والثقافة” معرض لثُلة من خيرة الشركات الشبابية بالمغرب المُختصَّة في صناعة المُحتوى الرقمي من ألعاب إلكترونية ورسوم متحركة)، ووو…
إضافة للتقصير في ضبط تفاصيل دقيقة وجوهرية (السينما هي فن التفاصيل) كمثال:
– غياب أرملة المرحوم علي حسن وعدم تكريمها على وزن حجم استغلا صورة زوجها الراحل (وهل استؤذِنت في ذلك هي وأسرته؟)،
– غياب محمد عبد الرحمن التازي عن حفل الافتتاح، مُخرج شريط “ابن السبيل” من حيث أُخِدت الصورة (انظر الصورة المرفقة)، وعلى حسب صديق مُشترك، لم تَتِم دعوته رسميا (وهل استشير في العملية تصوُّرا وإخراجا؟)،
– و و و…

🖍وفي حديث آخر:
الملصق ينتمي استراتيجيا للتسويق العتيق، المعروف أيضًا باسم التسويق الرجعي Retro، تُستخدم فيه عناصر من الماضي (الألوان والخطوط والشعارات) لإثارة الحنين إلى الماضي وبناء رابط عاطفي مع المُستهلْك/المُتلقي.
يمكن تطبيق هذه الاستراتيجية بالاستفادة من الصور الأرشيفية، أو إعادة إصدار المنتجات، أو التصاميم المستوحاة من عصور ماضية، مما يُبرز العلامات التجارية ويجذب التفاعل عبر استغلال المشاعر، كما يُذكِّر بالمنتجات القديمة، مع إضافة لمسة من الابتكار.
يُطَمْئِن هذا النوع من التسويق الكلاسيكي/العتيق Vintage، كما يُضفي طابعًا مُريحًا بفضل استخدام علامات تجارية مرتبطة بعصر وموضة غابرة، الفئة العُمرية ما وفق الستين سنة، بإثارة الحنين إلى الماضي مما يستحضِر الندم والحسرة، أي “الماضي أفضل”.

للتذكير، وارتباطا بالبوصلة الفرنسية/الكولونيالية التي عند جُل شركات الإشهار وسينمائيينا بالمغرب (كلمة المُكَرَّم بحفل الافتتاح كانت بالفرنسية، ولم ينطق إلا بكلمة واحدة بالعربية حين امتَن عرفانا لأمه ونطق كلمة “الوَالِيدَة” بالعامية المغربية)، أحيل على الملصق الرسمي لمهرجان “كان” السينمائي 71 سنة 2018، الذي يظهر فيه جان بول بلموندو Jean Paul Belmondo وآنا كارينا Anna Karina، وهما يتبادلان قُبلة في فيلم “بييرو المجنون – Pierrot le Fou ” (1965) للمخرج جان لوك غودار Jean-Luc Godard (انظر الصورة المرفقة).
بالملصق سَلَّط مهرجان “كان” الضوء على الحُب مُناصفة كتيمة. ابتكر هذا الملصق المصوِّر الفوتوغرافي جورج بيير Georges Pierre، الذي خلّد تصوير أكثر من مئة فيلم على مدار مسيرة مهنية امتدت 30 عامًا، بدءًا من عام 1960. وهو أيضًا مؤسِّس جمعية مصوري الأفلام، المسؤولة عن الدفاع عن المصالح المادية والمعنوية لمصوري الأفلام. صممت فلور ماكوينFlore Maquin ، مصممة الجرافيك وعاشقة السينما، تصميم هذا الملصق، مستوحىً بشكل كبير من ثقافة البوب Pop culture.
وعُدَّ هذا الملصق أيضًا تكريمًا جديدًا لجان لوك غودار، الذي تُكرَّم موهبته بعد ملصق الدورة 69 (2016)، الذي ظهرت فيه فيلا مالابارت Malabarte البديعة معماريا من فيلم “الازدراء – Le mépris” (1963) (انظر الصورة المرفقة).

📮الخلاصة: الأذواق تختلف، فيما هو شأن ذاتي وشخصي، لكن صناعة الإشهار والغرافيك لها معاييرها وأبجدياتها ومُبدعوها، وهي شأن جماهيري وعمومي ذو أهمية تواصلية كُبرى. وخطيرة الوقْع إيجابًا وسلبًا (سيف ذو حدين).

📌يقول الحكيم سبينوزا: “إن الرجل الحُر لا يفكر في أي شيء أقل من الموت، وحكمته هي التأمُّل ليس في الموت ولكن في الحياة”، والسينما هي الحياة…

هشام الودغيري
طنجة في 18/10/2025.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى