افتتاحية

المغرب والجزائر: نحو مسار دبلوماسي هادئ يجري هندسته لبناء الثقة واستثمار الفرص الإقليمية -الحنبلي عزيز

  تشهد المنطقة المغاربية اليوم تحولات دقيقة تفتح المجال أمام مقاربة جديدة للعلاقات بين المغرب والجزائر، مقاربة تقوم على إدراك متبادل بأن التحديات المشتركة أكبر من أن تُدار من داخل جدران التوتر، وأن الفرص المتاحة تتطلب جرأة سياسية ومسؤولية تاريخية. فالمؤشرات التي تظهر في عدد من التحليلات الدولية، ومنها تقديرات مركز جان جوريس الأمريكي للأبحاث، توحي بأن أي تقارب بين البلدين يمكن أن يعيد بعث مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها مشروع خط أنابيب الغاز المغاربي–الأوروبي، الذي ظل معلقًا لسنوات، وقد يجد في المناخ الجديد فرصة لإعادة التفعيل وفق رؤية حديثة تلائم تحولات الطاقة العالمية.

وفي السياق نفسه، يبرز احتمال قيام منصة إقليمية للطاقة تجمع بين القدرات الجزائرية في الغاز الطبيعي وريادة المغرب في الهيدروجين الأخضر، بما يعزز موقع شمال أفريقيا كفاعل مهم في منظومة الطاقة النظيفة. كما أن الحديث عن إمكانيات تعاون بين مؤسسات اقتصادية رائدة مثل سوناطراك وOCP يعكس وعيًا متناميًا بأن التكامل الاقتصادي ليس رفاهًا سياسيًا، بل خيارًا استراتيجيًا يفتح الباب أمام استثمارات عابرة للحدود، ويعزز الأمن الغذائي والقدرة الصناعية للدولتين معًا.

إن استشراف هذه الآفاق لا ينفصل عن إدراك حقيقي بالترابط العميق بين استقرار المغرب والجزائر. فالمنطقة لا يمكنها أن تستفيد من إمكاناتها البشرية والطبيعية الهائلة إلا في إطار تعاون يحترم سيادة الدول ويُعلي منطق التنمية المشتركة. كما أن أي توتر داخل هذا الفضاء الجغرافي ستكون له انعكاسات تتجاوز حدوده، بحكم التقاطعات الاجتماعية، والامتدادات الاقتصادية، والدور الحيوي لشمال أفريقيا في معادلات الأمن الإقليمي.

وفي ظل السياق الدولي المتغير، تظهر الحاجة إلى مقاربة أكثر مرونة وواقعية. فالقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، باتت تنظر إلى استقرار المنطقة باعتباره عنصرًا أساسيًا لحماية مصالحها في غرب المتوسط والساحل الأفريقي. وتشير عدة معطيات إلى وجود مسار دبلوماسي هادئ يجري هندسته بعيدًا عن الأضواء، بهدف تقريب وجهات النظر وتوفير بيئة مواتية لحوار مسؤول بين البلدين.

غير أن نجاح هذا المسار، إن تأكدت صلابته، يبقى رهينًا بقدرة الفاعلين السياسيين في البلدين على استثمار اللحظة الإقليمية والدولية. فالإرادة السياسية وحدها القادرة على تحويل المؤشرات الإيجابية إلى مسار ثابت، يفتح الباب أمام تعاون في مجالات الطاقة، والاقتصاد، والأمن، وتدبير الهجرة، ويعيد الروح إلى فكرة الاندماج المغاربي التي حملتها الحركة الوطنية في المغرب والجزائر وتونس منذ عقود.

إن المنطقة اليوم أمام فرصة نادرة؛ فرصة توازن بين الحكمة والتطلع، وبين مقتضيات السيادة ومتطلبات التكامل. وإن تبني نهج دبلوماسي هادئ، قائم على الحوار واحترام المصالح المشتركة، قد يكون السبيل الأمثل لطي صفحة توتر طويل، وبناء مستقبل مشترك يعكس الإمكانات الحقيقية لشعوب المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى