منير الطاهري
أولا- العدالة الانتقالية:
مفهوم ولد من رحم الألم وليس من مخاض الصراع حول مشاق الانتقال الديموقراطي
في علم السياسة، لا تُختزل العدالة الانتقالية في التعويضات ولا في تقارير الحقيقة والإنصاف، بل في القدرة على إعادة بناء العقد الاجتماعي بعد عقود من الانتهاكات والخوف. إنها – كما يقول جون بول ليدراك – مشروع لإعادة “نسج النسيج الاجتماعي الممزق”، حيث تتلاقى الحقيقة مع الأمل، والذاكرة مع المستقبل، والدولة مع مواطنيها.
جوهر العدالة الانتقالية هو الاعتراف ثم الإصلاح: الاعتراف بآلام الضحايا، لا كإجراء إداري بل كفعل تأسيسي لواقع يعترف بالآخر ومطالبه والإصلاح كضمانة بألا يعود الاستبداد بوجه جديد.
هي، ببساطة، عدالة للعبور إلى الديمقراطية، لا عدالة للبقاء في المنطقة الرمادية بين الاستبداد والانفتاح.
ثانيا- تجربة المغرب:
من المصالحة إلى فرض قواعد للاعتراف والانخراط والدفاع عن النموذج الباتريمونيالي للدولة:
عندما أعلن المغرب عن هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، تنفّس الجميع الصعداء. كانت تلك اللحظة لحظة تصالح وطني جميل، لحظة انتصار للكرامة على الخوف حينما اعترفت الدولة بأخطائها، ورفعت الظلم عن كثير من الضحايا، وفتحت أبواب الأمل أمام جيلٍ جديدٍ حلم بمغرب يصالح ولا يُقصي في مشوار انتقالي يحتاج الكثير من الرزانة والتروي للحفاظ على قيم العيش المشترك وحماية الحلم الجماعي للمغاربة.
لكن، ما أن انطفأت أضواء الكاميرات، حتى بدأ مسار المصالحة يتآكل ببطء، إذ أن التوصيات الجوهرية لهيئة الإنصاف والمصالحة ظلت حبرا على ورق حيث لم يفعل مبدأ عدم الإفلات من العقاب ولم تصلَح البنية الأمنية ولم تراجع السلطة فلسفتها وعقيدتها في مواجهة الحراكات الاجتماعية، ولم تراجع مناهجهها التكوينية لأجهزة البوليس والأمن.
والأكثر خطورة أنها لم تعلن برامج تطهير حقيقية لهذا الجهاز لفك ارتباطه بالمصالح التجارية والمالية ولمأسسته على أسس الدولة العصرية القائمة على ثقافة المحاسبة والحكامة الأمنية.
لقد تحولت العدالة الانتقالية في المغرب إلى متحف ذاكرة وفقط، أقيم لتأثيث وتنميق الخطاب الرسمي أكثر مما أريد به مساءلة الدولة أو بناء الثقة. ومع رحيل إدريس بنزكري، دفن هذا المشروع في طقوس جنائزية صامتة، وأسدلت الستائر على مرحلة كانت تحمل وعدا بالإصلاح والتحول الديمقراطي. منذ تلك اللحظة، دخل المغرب زمن الانتقال المتجمد أو الموقوف أو ما وصف بإغلاق قوس الانتقال الديموقراطي حيث يمكن ان نكرم الماضي في بعض المناسبات والجنازات، ونغض الطرف عن حاضر يعيد إنتاج نفس آليات الإقصاء والرقابة بمنطق الفساد والاستبداد.
ثالثا- مابعد حراك الريف… بداية العدالة النكوصية
ثم جاء حراك الريف، ليعيد طرح السؤال المؤلم: هل كانت المصالحة حقيقية أم مجرد هدنة مؤقتة؟ لقد كانت شعارات الريف واضحة: الكرامة، الحرية، العدالة الاجتماعية. لكن الجواب الرسمي كان: المحاكمات والسجون والأحكام الثقيلة. وفي هذه المرحلة ستكشف العدالة في المغرب عن وجهها الحقيقي، بأنها خارج خطاب الانتقال الديموقراطي المزعوم وأنها ليست جسرا ضروريا لهذا الانتقال الغائب تماما عن قاموسها الزجري، والمسنود بمرجعيات قانونية تعود لعهود الحماية والاستعمار، ولتعلن عن نفسها بأنها مجرد أداة ردع وتطبيق للتعليمات.
ومن الريف، امتد هذا المنطق إلى باقي الحركات الاجتماعية، إلى الأساتذة المتعاقدين الذين نالوا نصيبهم من القمع والتشهير، ثم إلى حركة “زيد” سنة 2025، التي خرج فيها آلاف الشباب يهتفون ضد الغلاء والتهميش والفساد،ىمطالبين بالصحة والتعليم أولا قبل كأس العالم، فكان الرد اعتقال أكثر من ألف مواطن، في أكبر حملة توقيف منذ عقدين.
أليس هذا الرقم كافيا ليعلن عن موت العدالة الانتقالية في النموذج المغربي؟ أليست هذه العودة إلى زمن العقوبة الجماعية هي خير تعبير عن تحول نكوصي حقوقي وسياسي ودليل على أن المصالحة التي لم تترجم إلى ديمقراطية تعني إعادة فرض الاستبداد في نموذج باتريمونيالي يصارع من اجل البقاء وسط متغيرات عالمية وتاريخية صعبة ؟
رابعا- العدالة النكوصية:
قناع للسلطة الاستبدادية وفرض لواقع الحال:ما نعيشه اليوم لا يمكن اعتباره استمرارا لمسار العدالة الانتقالية، بل هو نقيضها البنيوي. فبالعودة لمقاربة العلوم السياسية من خلال التحولات التطبيقية المقارنة، نجد أننا لسنا أمام تعثر عرضي وفقط، ولكن أمام استراتيجية نكوصية واعية تتغذى من اعتقاد براغماتي راسخ في عمق الدولة بأن الانتقال الديمقراطي لم يحن أوانه بعد أو أنه مازال قابلا للتأجيل.
هذه المقاربة النكوصية تتأسس على ما يسميه صموئيل هنتنغتون “سياسة ضبط الإيقاع” (Politics of Pacing)، أي إدارة التغيير وفق منطق التحكم في الزمن السياسي، لا وفق منطق الاستجابة للمطلبية الاجتماعية. وهي أيضا تعبير عما وصفه بيير بورديو بـ”العقل البيروقراطي المحافظ” الذي يعيد إنتاج نفسه عبر أدوات إصلاح شكلية تحفظ البنية ولا تمس الجوهر.
في ضوء فلسفة القانون، يمكن القول إن ما يجري هو انحراف عن جوهر العدالة كما صاغها رونالد دووركين في مفهوم “القانون كتكامل أخلاقي” (Law as Integrity)، نحو تصور أداتي للعدالة بوصفها آلية لتدبير الشرعية لا لتحقيق المساواة.
فالدولة، في تصورها العميق، تتعامل مع العدالة الانتقالية لا كحق تاريخي للمجتمع، بل كـ”ملف سياسي قابل للغلق” متى اقتضت الضرورة الأمنية ذلك.
بهذا المعنى، فإن العدالة النكوصية ليست غيابا للعدالة الانتقالية، وإنما تحوير مقصود لها، أي أنها انتقال من فلسفة التحرر إلى تقنية الضبط، ومن أخلاق الاعتراف إلى براغماتية الترويض.
إنها التعبير المؤسسي عن قناعة راسخة داخل الدولة العميقة بأن التحكم هو الضامن الأوحد للاستقرار، وأن أي انفتاح ديمقراطي غير مضبوط قد يفجر التوازنات التي بنيت عليها السلطة نفسها.
فالاعتقالات تتزايد، والأحكام تشتد، والمجال العام يضيق، فيما ترفع شعارات “المصالحة والاستقرار” كغطاء لتبرير الانغلاق.
النتيجة أن العدالة الانتقالية صارت أيقونة بلا روح، تتحدث عن الماضي لتبرر الحاضر.
كما أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان لم يعد فاعلا وسيطا، بل مجرد شاهد صامت على تحول العدالة إلى أداة للضبط الاجتماعي بدل أن تكون ضمانة للكرامة ومحفزا نحو الانتقال إلى دولة المدنية والمؤسسات وحقوق الإنسان.
خامسا – أي أمل اليوم بين الدعوة النكوصية الاستبدادية ونداء الوطن:
لقد آن الأوان لنقولها بوضوح: العدالة الانتقالية تقاس بمدى اتساع مساحة الحرية وبمدى قدرة المواطن على نقد السلطة دون خوف.
إنها العدالة الكفيلة بإطلاق سراح المعتقلين قبل تبرير الخطاب الرسمي الخشبي المتخفي خلف الوطنية والتخوين وضمان الاستقرار.
فإما أن نستعيد روح العدالة الانتقالية كفلسفة ومسار مستمر للإصلاح الديمقراطي، وإما أن ندور في حلقة “العدالة الموجهة النكوصية والمحافظة”، التي تُدين المواطن وتُبرئ النظام.
لأن حراك الريف وحركة زيد وقبلهما حركة 20 فبراير لم تكن في يوم من الأيام خطرا على الوطن، بل مرآة تعكس حجم التمثل الاجتماعي لمفهوم الدولة العصرية في المغرب بعد أزيد من نصف قرن على استقلال المغرب المنقوص, مرآة تكشف حجم الهوة بين وعود الدولة كحامية لمشروع مجتمعي معاصر وواقع الحريات والحقوق. كما أن الخطر الحقيقي ليس في الشارع الذي يحتج، بل في العدالة التي تخاف من الحرية او قد تأتمر بأجهزة ترغب في الحفاظ على مصالحها في أوضاع تعرف تحولات ديموغرافية واقتصادية وحقوقية بنيوية ومركبة .
المصالحة ليست وثيقة، بل موقف سياسي شجاع و العدالة الانتقالية هي محور المصالحة لأنها مشروع وطني مستمر. يفتح مشروعا مجتمعيا متكاملا ويغلق السجون التي كانت مفتوحة في وجه نداءات الحرية والكرامة وحرية التعبير، ومن دونها سنعيش عدالة نكوصية محافظة تغتال المستقبل والتحول الآمن نحو المدنية والسلم الاجتماعي.
إن الوطن الذي صالح ماضيه مطالب اليوم بأن يصالح حاضره، وأن يحسم اختياره بين الحرية كضمانة للاستقرار والإبداع والتطور وبين الخوف والمحافظة والرجعية كقيود خارج التاريخ والتحولات العالمية، فلا مصالحة بلا حرية، ولا عدالة بلا استقلالية البرهان القضائي، ولا انتقال نحو الديموقراطية بلا شجاعة وتركيز على المشروع المجتمعي.
———————————
مراجع ومنطلقات بحثية أساسية:
• Teitel, R. (2000). Transitional Justice. Oxford University Press.
• Lederach, J.P. (1997). Building Peace: Sustainable Reconciliation in Divided Societies.
• Hayner, P. (2011). Unspeakable Truths: Transitional Justice and the Challenge of Truth Commissions.
• تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة (IER) – المغرب، 2005.
• تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان (CNDH)، 2018–2024.
• بيانات الجمعيات الحقوقية المغربية حول معتقلي الريف وحركة “زيد”.