لا نختلف أنَّ العاطفة من أسمى الهِبات التي أُعطيت للكائن البشري، تلك المَلَكةُ التي جعلت الوجود أكثر دفئًا، والعيشَ ضِمن جماعات أكثر أُنسًا. لكن قد، بل يجب، ألا نختلف أنَّ المبالغة في تحْكيمها، خاصةً مع ميْلِ البشر إلى استغلالها بشكلٍ خادع، تُعَدُّ سذاجةً غير مبرَّرة.
تأثَّر المغاربة بالعاطفة عبر تاريخهم، ربما أكثر من غيرهم من الشعوب، ويتجلى ذلك في اختياراتهم السياسية والاجتماعية والقِيمِية، حيث بُنِيت التفضيلات والقرارات في أعرافِنا تَبَعاً لمدى ملاءمتها لاِنْتظارات الآخر، ذاك الذي قد يكون فردا من الأسرة الصغيرة والكبيرة، أو أحد الأقارب أو الجيران وهكذا، وبالتّالي تلقى المغاربة تربية منضبطةً لمعايير غير عقلانية.
ألم يختر المغاربة اليسار وارتموا في حضن السينما والـ”جيب ميني” والتدخين، مُسْتوردين هذا النموذج من الشرق؟ وخلال عِقدين من الزمن تحوَّل الأشخاص أنفُسُهم إلى الوهابية، بعدما دَغدَغَتْ شعارات الإسلام السياسي المسْتَقوي بأموال النفط عواطفَ المغاربة، فأقبلوا على النّقاب واللّباس الأفغاني، واستبدلوا بعود الأَرْكْ السيجار.
ألم يتذمَّر المغاربة من الغلاء والتمسوا إلغاء شعيرة الأضحى؟ ثم تسابقوا على شراء اللحوم حتى بلغ ثمنها أرقامًا خيالية، فقط دفْعا لِتهمة الفقر والعَوَز أمام الآخرين؟
ألا نلعن الاستعمار وفرنسا وإسبانيا ونتحدث بلغتهم علامةً على الرقي والنخبوية؟ ألا نقف مَشدوهينَ إعجابًا بمن يتقن لغتهم من بني جلدتنا؟ ألا نتبرأ ممن يعملون على إسقاط قانون تجريم العلاقات الرضائية وشرب الخمر؟ بينما تُمارِس فئات واسعة من المجتمع الجنس بطرق مُلتوية؛ ألا تشير الأرقام الرسمية إلى استهلاك المغاربة لأرقام قياسية من الخمور أكثر حتى من بعض الدول غير الأسلامية؟
وبالعودة إلى كرة القدم، وُصِفَ الرَّكراكي بعبقري زمانه في قطر، ثم وُصِفَ بالجافّ فنيًّا والمحدود والمتعجرف، لكن بعد انتصارين مُفاجئين عَمِيَت الأبصار مجددًا، فعاد ليُصبح بطلًا تتغنى باسمه الأهازيج والأنشودات؛ ليتحول مرّة أخرى بعد مباراة نهائية حبس وطنٌ بكامله الأنفاس لأجلها، إلى سبب الفشل وأصْل الدّاء والأدواء.
إنَّ خطأ الرَّكراكي الأكبر والأوضح هو العيش على أوهام الماضي، والعجزَ عن الخروج من الحالة النّفسية لمونديال قطر، شأنه في ذلك شأن مدرب مصر الذي كلما سُئل عمَّا قدَّمه شخصيّا لمنتخب بلاده من إضافة، أشار بأصابعه إلى الرقم سبعة دلالةً على عدد ألقاب مصر.
لا مكان العاطفة أبدا في زمن الكرة العصرية، حيث يتم كل شيء، من التداريب والخطط والتسويق والتحليل والتكوين، بطرق علمية دقيقة تُسخّر تقنيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.
من مظاهر طغيان العاطفة على الرَّكراكي اسْتقدامَه لاعبين مصابين مُستهلَكين، لا يملكون الحافزية ولا الجاهزية، في الوقت الذي أقصى لاعبي منتخب الشباب المتوّج قبل أسابيع على رأس العالم، ومنتخب أقل من سبعة عشر الذي فاز باللقب الإفريقي، والمنتخب الأولمبي الذي حاز البرونزية في الأولمبياد الأخير، ما فوت قاعدة ضخمة من الاختيارات والفرص. ولتبرير اختياراته، تعلّل بصِغَر السن وانعِدام الخِبرة، في الوقت الذي حققت فيه إسبانيا اليورو الأخير بكوبارسي وبيدري ويامال ونيكو وجافي، وكلهم لم يتجاوزوا الثامنة عشرة.
أهمل الرَّكراكي المنشغل بمناوشة الإعلام وبمواقع التواصل الاجتماعي، تفاصيل صغيرة تتحكم في مصائر مباريات كرة القدم خاصة مبارة نهائية منتظرة، الإهمال الذي تسبّب في عدم الاستفادة من تجربة حكيمي وزياش اللّذين ضيَّعا ضربات جزاء حاسمة في نسخٍ ماضية، وعدم وضع سيناريو مماثل في الحسبان، والاستعداد الجيّد للتعامل معه.
لندع الرَّكراكي جانبا بما له وما عليه، ولْنتحدّث عن عاطفة المغاربة في حرصهم البالغ على إظهار صورة مِثالية حين التّعامل مع الأجنبي، فنحن شعبٌ نَطْرَب لمجرد مشاهدة شريط يتغنَّى بكرمنا أو شهامتنا أو ذكائنا، الأمر الذي فَطِنَ له الكثير من المؤثّرين العرب والأجانب، فانكبّوا على دغدغة مشاعرنا مُحصِّلين آلاف المتابعين والدولارات من سذاجتنا.
المشكل أنَّ سياستنا الخارجية تعمل أحيانًا بنفس المنطق، إذ تهدف إلى كسب الموقف لا كسب الاحترام خاصة في مسألة الصحراء المغربية؛ يجب أن تُبنى العلاقات السليمة على أساس الاحترام والتقدير المتبادل، وإلزام الآخر بالحدود المعقولة، حتى لا يتحول الموقف إلى أداة ابتزاز دائمة، كما تفعل دول إفريقية وعربية وأجنبية كثيرة اليوم مع المغرب، السِّنغال إحداها.
هَبْ أنَّ نفس الأحداث جرت بمصر أو دولة عربية أو إفريقية أخرى غير المغرب، هل كانت منتخبات مثل الجزائر ونيجيريا والكاميرون لِتتجرّأ بجماهيرها وإعلامها على شعبٍ ودولةٍ أكرمت وفادتها وبالغا في الاحتفاء بها في عقر دارها؟ أبدًا. بل إنَّ الاستقبال بالدِّقَّة المراكشية والتمر والحليب، وإدخال من هبَّ ودبَّ إلى البيوت، ومنح مشاهير من فقاعات صابون مقاعد على منصات الملاعب الشرفية، جعل هيبة المغرب تُسْترخص وكرامة أهله تُستباح، إنّ الواجب هو الاحترام، والتنظيم المُحكَم أمنيًّا ولوجيستيًّا وكفى.
لم يُقْصِ دياز ولا الرَّكراكي ولا الستغاليون المغرب، بل إنَّ العاطفة هي التي فعلت: عاطفة الجمهور الذي يعشق التطبيل بدل لغة العقل والتبصّر، وعاطفة المؤثرين الذين اختارت الجامعة الرهان عليهم ليشكلوا واجهة الحدث، فاكتشفت متأخرة أنهم واجهة من ورق، ثم عاطفة المدرب واللاعبين يُفترض أنهم محترفون، وقادرون على التعامل مع استفزازات الخصم وإدارة أزمات النهائيات والمواعيد الكبرى بالعقل والقانون.
إنَّ شيطنة المغرب واتهامه بالكولسة، وتسخير صحافة قوية للنيل منه، علامات إيجابية في نهاية المطاف، فهي تعني أنه أصبح رقمًا صعبًا يقلق محيطه الإقليمي، هذا الذي يخشى أن يتحول إلى قوة إقليمية تفرض عليه منطق القوة قريبا.
لا نختلف أنَّ مسيرة البناء يجب أن تستمر لكن في اتجاهات مختلفة، لأنَّ الحقيقة هي أنَّ كرة القدم ليست معيارًا للتقدم الحقيقي في النهاية، فدول مثل كينيا وسنغافورة وفنلندا، دول مجهولة كرويًّا، لكنها صنعت لنفسها حاضرًا مشرقًا يُنظر إليه بعين الإعجاب والغبطة.
ينبغي أن يترفَّع المغرب قليلًا، دون قطيعة بالطبع، عن محيطٍ غارقٍ في السحر الأسود والجري وراء المناشف والاعتقاد بقوة التمائم والشعوذة ومشاعر الحسد والحقد، فلا عجب أنَّ إفريقيا ما زالت قارةً تعاني من كل أشكال الجهل ومن حروب أهلية وأمراض جنسية وإجرام وفساد وجماعات أصولية، رغم كل الزاد البشري والطبيعي الثريّ.
ربح المغرب الرهان في تنظيم تظاهرة رياضية فريدة بالبنى التحتية والتنوع الثقافي الفريد وتوفير الأمن باعترافات دولية ذات مصداقية، وربح الرهان في الرفع من مستوى كرة القدم عبر التكوين وتحقيق نتائج غير مسبوقة إقليميا وعالميا، ما يعني أنه قادر على كسب الرهان في التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية والنزاهة ومحاربة الفساد وتحقيق الإقلاع الاقتصادي والتخلص من المديونية والفقر والهشاشة؛
يجب التخلص أيضا من التحالفات الوهميّة المصْلحيّة، ومن الصداقات الزّائفة، والأهم الأهم، التخلّص من الحنان الزائد والعاطفة.