افتتاحية

ميثاق مجلس السلام لترامب: مشروع دولي جديد أم إعادة هندسة للنظام العالمي على المقاس الأمريكي؟ الحنبلي عزيز

 الحنبلي عزيز -تنوير 

 يصعب النظر إلى “ميثاق مجلس السلام لترامب” باعتباره مجرد مبادرة تقنية لإصلاح آليات بناء السلام في العالم، بل هو في جوهره مشروع سياسي يحمل رؤية أيديولوجية واضحة لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق منطق جديد يقوم على تقليص التعددية وتعظيم دور القيادة الفردية. فالوثيقة لا تخفي منذ ديباجتها موقفاً نقدياً حاداً تجاه المؤسسات الدولية القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، معتبرة أنها فشلت في تحقيق السلام، وأنها كرّست التبعية بدل تمكين الشعوب، وهو خطاب يجد صداه لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي المحبط من عجز النظام الأممي عن إنهاء الحروب المزمنة.

غير أن هذا النقد المشروع ظاهرياً يخفي في العمق تحوّلاً أخطر، يتمثل في الانتقال من منطق “الشرعية الدولية الجماعية” إلى منطق “الزعامة الفردية العابرة للدول”. فالميثاق يمنح الرئيس سلطات شبه مطلقة: هو من يدعو الدول للانضمام، وهو من يعيّن القيادة التنفيذية، وهو من يفسر الميثاق، وهو من يملك حق النقض، بل وهو من يستطيع حل المجلس متى شاء. وبذلك لا نكون أمام منظمة دولية بالمعنى الدقيق، بل أمام بنية سلطوية مموّهة بلبوس التعاون الدولي.

الأكثر إثارة للقلق أن مبدأ التصويت داخل المجلس يبدو شكلياً، لأن أي قرار لا يصبح نافذاً إلا بعد موافقة الرئيس، ما يجعل من منطق الأغلبية مجرد إجراء إجرائي بلا قيمة سياسية حقيقية. وهذا يتناقض جذرياً مع أبسط قواعد الحكامة الديمقراطية التي تقوم على توازن السلطات والرقابة المتبادلة. فكيف يمكن لمنظمة تدّعي بناء السلام أن تُبنى على نموذج سلطوي مركزي يحتكر فيه شخص واحد القرار والتفسير والمصير؟

كما أن ربط النفوذ داخل المجلس بحجم المساهمة المالية، عبر منح امتيازات خاصة للدول التي تدفع أكثر من مليار دولار، يكشف منطقاً اقتصادياً صريحاً يحوّل السلام إلى سلعة سياسية، ويعيد إنتاج منطق “المال مقابل التأثير”، بدل منطق العدالة والمساواة بين الدول. وهو منطق ينسجم تماماً مع الرؤية النيوليبرالية للعلاقات الدولية، حيث تصبح القيم الإنسانية خاضعة لقواعد السوق.

من الناحية الخطابية، يستعمل الميثاق لغة جذابة: تمكين الشعوب، تجاوز البيروقراطية، الفعالية، الحلول العملية. لكن هذه المفردات نفسها استُعملت تاريخياً لتبرير تدخلات سياسية وعسكرية باسم “النجاعة” و”الواقعية”، وكانت نتائجها في كثير من الأحيان مزيداً من الفوضى وعدم الاستقرار. فالسلام لا يُختزل في سرعة القرار ولا في مركزية السلطة، بل في العدالة، والمشاركة، واحترام سيادة الدول، وإشراك المجتمعات المحلية في تقرير مصيرها الحقيقي لا الشكلي.

في العمق، يبدو “مجلس السلام” تجسيداً مثالياً للفلسفة الترامبية في السياسة الدولية: الشك في المؤسسات، تمجيد الزعيم، تفضيل الصفقات الثنائية على القواعد الجماعية، والنظر إلى العالم كسوق مصالح لا كفضاء قيم مشتركة. وهو ما يجعل هذا المشروع أقرب إلى إعادة هندسة النظام العالمي وفق منطق القوة الناعمة الأمريكية، أكثر منه سعياً حقيقياً إلى بناء سلام عادل ومستدام.

المفارقة أن الميثاق يقدّم نفسه كبديل عن نظام دولي “فاشل”، لكنه في الواقع يعيد إنتاج نفس الإشكاليات التي يعاني منها هذا النظام، بل بشكل أكثر حدّة: تركيز السلطة، غياب المحاسبة، وتسييس مفهوم السلام. وإذا كانت الأمم المتحدة تعاني من البيروقراطية والشلل، فإن علاج ذلك لا يكون بتسليم مفاتيح السلام العالمي إلى زعامة فردية، مهما كانت كاريزمية أو قوية.

في النهاية، لا يبدو “ميثاق مجلس السلام لترامب” مشروع سلام بقدر ما هو مشروع سلطة، ولا يبدو بديلاً للنظام الدولي بقدر ما هو محاولة للهيمنة عليه عبر أدوات جديدة. وبين خطاب الواقعية السياسية ومخاطر السلطوية الدولية، يظل السؤال الحقيقي معلقاً: هل يحتاج العالم إلى مزيد من الزعماء، أم إلى مزيد من القواعد العادلة؟ وهل يُبنى السلام بالقرارات الفوقية، أم بالمشاركة والعدالة والشرعية الجماعية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى