محمد جرو-تنوير
رغم إيماني وقناعتي بمنطوق المثل الحساني الصحراوي المغربي “جواب المحگور سكاتو” فإن سردية حفيظ دراجي المخلوق الجزائري المريض بالمغرب ،وقد تنسحب الحالة على كثيرين من بنات وأبناء الشقيقة والجارة الشقية والشرقية ،مع استثناءات كذلك كثيرة ،لان رابطة الدم والنسب تجمعنا ،إلا أني كذلك استشهد بمثل كذلك حساني وقد تكون أمثلة أخرى وبلغات أخرى ومتشابهة ،لكني فضلت الحسانية الصحراوية المغربية ،”لعضك وماعضيتو يگول عنك بلا سنين”،وللاسف نجحنا بالمغرب في كل شيء ،ملاعب ،طرق،مطارات ،فنادق ،محطات ،بيد أن السلاح الأقوى يجب أن نمتلكه ولدينا ما يكفي من الكفاءات في هذا المجال ،”لشن” الحروب الحقيقية بأنظمة هجومية قوية ،إنه الإعلام ..وقد ظهر ذلك جليا قبل وخلال والآن بعد كان المغرب ،لذلك شخصيا مع إنجاز قناة رياضية متخصصة في كرة القدم تابعة للجامعة الملكية المغربية ،وعلى الحكومة بدل المشاركة في الحروب الضروس والصغيرة داخل الجسم الصحفي ،برميها لقانون رفضه الجميع،ولولا المحكمة الدستورية لنزلنا بالصحافة إلى القاع ..
يستغرب كثيرون، من متابعي الشأن الرياضي والإعلامي، هذا الإصرار الغريب في خطاب حفيظ دراجي على استحضار المغرب في كل محطة نجاح. فحين يحقق المغرب إنجازا تنظيميا أو كرويا، لا يأتي الرد في لغة الأرقام أو الوقائع، بل في لغة الهوية، والراية، والتمنيات، وكأن الواقع لا يكفي، فيستدعى الخيال لإنقاذ الموقف.لكن المسألة، في عمقها، ليست رياضية.إنها قصة ازدواجية خطاب بامتياز.
فالجزائر، عبر بعض أصواتها الإعلامية، تعيش علاقة متناقضة مع المغرب:
تارة تتبنى كل ما هو مغربي، من ثقافة ولهجة ولباس وتاريخ، في محاولة لإعادة تركيب هوية مستعارة، وتارة أخرى ترفع المغرب إلى مرتبة “العدو الوجودي” الذي يهدد هذه الهوية نفسها.
وهنا المفارقة الساخرة:
كيف يمكن للمرء أن يستعير هوية جاره، ثم يعتبر هذا الجار خطرا على وجوده؟
في علم النفس الاجتماعي، هذه ليست حالة نادرة. إنها ما يسمى بازدواجية التماهي والعداء: نتعلق بالنموذج الذي نفتقده، نقلده، نقتبس منه، ثم نغضب منه لأنه ينجح في أن يكون هو نفسه… بينما نحن لا نزال نحاول أن نكونه.
أما خطاب دراجي، فيبدو كمن يمارس هذه الازدواجية على الهواء مباشرة.
يضرب المغرب كلما سنحت الفرصة، لكنه لا يستطيع إخراجه من المشهد، لأنه في العمق مركز المقارنة والقياس. فالمغرب حاضر كإنجاز واقعي، والرد عليه لا يكون إلا عبر رمزية الهوية، وكأن الهوية صارت بديلا عن الفعل.
السخرية هنا أن المغرب ينافس في الواقع،
بينما يتم الرد عليه في مستوى الخطاب والشعارات.
وهكذا يتحول النجاح المغربي إلى جرح مفتوح،
وتتحول التمنيات إلى بلسم نفسي.
في النهاية، ليست المشكلة في مونديال أو نهائي أو تنظيم.المشكلة أن هناك من يعيش على استنساخ هوية المغرب،وفي الوقت نفسه يخاف من المغرب لأنه يذكره بالأصل.
وهنا نفهم ازدواجية الخطاب:
إعجاب مقنّع، وعداء معلن.
تبنٍّ ثقافي، وخصومة سياسية.
وكلما تقدم المغرب خطوة إلى الأمام،
ارتفع منسوب الخطاب العاطفي… لأن الواقع، ببساطة، لا يرحم.
حين يتمنى المعلق الرياضي حفيظ الدراجي لقاء بلده الجزائر لفرنسا في النهائي 2030، فاعلم أن الوجع عنده كبير، وهو متفَهم بحكم التراكم التاريخي الذي لعبت فيه الآلة الإستعمارية الدور البارز، فهي التي عملت على فض كل ما كان يجمع سكان شمال إفريقيا من الأواصر، تنفلت حينا، وتتصل أحيانا كثيرة، فليعلم الدراجي أن المراهنة على كرة القدم لرد الإعتبار الحضاري مغالطة كبيرة، بل استخفاف بالزمن وسنن التاريخ، فمتى بنت الرياضة تاريخ أمة، وأقامت مجدها، حتى يكون كل هذا الميل الجارف نحو تكثيف الشعور القومي، والوصول للإلتفاف الجماهيري العارم على كرة القدم..
لذلك أهمس في أذنك ،حقا لقد وقعت في الفخ. وأنت من أولئك الذين حرفوا للمغاربيين بوصلتهم نحو الفروع التي تحتمل الكثير من الإختلاف، ولكنها تهدم الأصول بفعل التعصب المقيت في لحظات ينتشي فيها الآخر بخلافات صارت عنده غير ممكنة، لأنه استوعب أن كبريات الأمور ومصائر الأمم لا تصنع بالأقدام على البساط الأخضر، بل تصنع بالرؤوس في المعاهد والمختبرات والمحترفات وميادين النظر والفعل العقلي المتزن يبتغي الرفعة والسؤدد بأدوات تعارف أهل التقدم أنه لا سبيل إلى المجد إلا من خلالها.
الهمز واللمز في حق البلد الجار الذي احتفى بتواجدكم على أراضيه، وقدم لكم أفضل ما لديه من الإقامة والمأكل والمشرب والأمن وباقي الخدمات الدالة على أننا شعب مضياف، لأنكم بكل بساطة أبناء جلدتنا تبغون، أنت وأمثالك، علينا بالتنطع والصلافة وقلة الأدب.
تريد أيها المعلق الرياضي، أن تتواصل الأدوات الهدامة في الإشتغال على كل ما جدَّ عقلاء الأمة في بنائه منذ زمن بعيد.
لم تلتفت مرة واحدة إلى الجانب المشرق من التاريخ المشترك، لأن السوداوية تعمي بصيرتك، ولنك تخدم مصالح تجار الأزمات في بلدك.
تعلم أن المغاربة ليسوا أعداء إلا لمن عاداهم، حتى في أسوإ أحوالهم يلتمسون العذر لمن خذلهم. لكن الأصوات التي تبح حناجرها اليوم من جهة المشرق، ممعنة في التأليب على المغرب وأهله وكل مؤسساته، لن يكون مصيرها إلا النسيان، فهم جزء من زمن الرداءة الذي كتب على الأمم أن تمر بها في طريقها نحو العلياء كما وعد الرحمان.
أنت مدعو لللإستيقاظ من غفلتك، والخروج من دائرة الضيق في الحاضر إلى سعة المستقبل الذي ينتظر الأمة جمعاء، فخير لك أن تكون ممن يفتل في حبل الأمة، لا ممن ينقضونه أو ينفخون في مزامير التهييج العاطفي يرجون خراب العمران هنا وهناك.