وجهة نظر
من الصراع الطبقي إلى الصراع الكروي-بقلم محمد المباركي

تقديم
الكل تابع الى هذا الحد أو ذاك الحملة الإعلامية التي واكبت كأس أمم افريقيا لعام 2025، سواء عبر وسائل الاعلام الرسمي أو مواقع التواصل الاجتماعي. والتي عرفت تشنجات هستيرية خلال الدورة النهائية، وصلت الى حد استعمال العنف الجسدي، داخل الملعب وخارجه مثل التهجم على المواطنين المغاربة في السنغال، بلد الفريق المواجه لمنتخب المغرب، حسب ما شاع من أخبار.
كثر اللغو وما زال ساريّا. كل يدلو دلوه طالقا عنان نزواته المكبوتة، منظرا محللا شاتما واعضا غاضبا…. قليل هم من ركنوا للغة الحكمة.أثناء التحضير وبداية «الكان 25″ أمكن القول،إن ذلك الهرج والمرج لا غرابة فيه باعتباره عملية تحريضية عادية في مثل هاته التنافسات.والتي يمكن اعتبارها نتاج الجوّ الذي تولّده الفرجة ووقعهاعلى الأحاسيس اللاشعورية للجمهور. لكن ما يثير الانتباه هوكون هذا التصرف أخد بعدا تجاوز ملاعب كرة القدم والبلد المضيف ليعمّ اعلام بلدان القارة وخارجها، لحد ما حصل خلال المقابلة النهائية”لكان 2025″ أصبح قضية عالمية. ما معناه، أن التأثير التحريضي للإعلام خلق مناخا شادا أدي الى أقوال مشينة وصل مفعولها الى مستوى العنف. ويتضح بعد الامعان أن المحرك الضمني،ليس لعبة رياضية داخل ملعب، بل قضايا مجتمعية ذات بعد سياسي موظفة شعبية كرة القدم. هكذا خلف شجرة كرة القدم، ظهرت جليا غابة القضايا اجتماعية وسياسية تتجاوز حيز الرياضة بشكل عام وضمنها كرة القدم.
كغالبية أبناء جيلي كنا نهوى كرة القدم حيث يمكن لعبها في أي مكان وبوسائل زهيدة. هكذاتداولناها في سن مبكر. كنا نأخذ شظايا الثوب ونضعها في جوارب ثم نتمتع باللّعب في درب من دروب الحارة. هذا قبل استعمال كرة الجلد واللّعب في الساحات والملاعب الخاصة. في هذا المضمار لا بد من ذكر رجل له كل التقدير والاحترام، دربنا وعلمنا معني ” الجسم السليم في العقل السليم” المرحوم السي العربي بن مبارك،كان ذلك بداية ستينيات القرن الماضي.هكذا تربّينا على حب كرة القدم كرياضة بدنية، نلعبها بأريحية وأخلاق عالية، ربحنا أم خسرنا. ذاك زمن قوامه الأخلاق والمبادئ. رياضة بدنية لا فرق فيها بين من ربح أو خسر. لعبة سلمية للراحة والفرجة، لا كما نلاحظه اليوم لعبة صراع بين الفرقاء تتحكم فيها المصالح المادية والسياسية.
خلال الدورة الأخيرة لكأس الأمم الافريقية وجدت نفسي، رغم أنى غير متتبع لدوريات كرة القدم وان كانت تخص كأس العالم، محاصرا من قبل وسائل الاعلام الرسمية منها والخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي. نقاشات مطاطية عقيمة غزت مختلف المجالات، أصبحت فيها كرة القدم محورالحديث العام والخاص. وأصبح بذا ربح كأس أمم افريقيا الهدف الأسمى والمعضلة الكبرى.الأمر الذي يدفع الي ضرورة الاحاطة بالواقع الملموس الناتج عن هذه الوضعية، التي تجاوزت مستوى منافسة رياضة لتجسد ظاهرة حية تعكس ما وصل اليه مستوى الصراع المجتمعي الكوني في الوقت الراهن. أو بمعنى آخر معضلة تشخص الوعي المجتمعي في تطوره الحاصل والذي يلزم أخد عوامله الاجتماعية والسيكولوجية السياسية بعين الاعتبار لفهم مستوى التغيرات المجتمعية ونوعية الصراع المجتمعي في مستواه الثقافي الاجتماعي السياسي.
في هذه المقالة ستتمّ الإشارة الى رؤوس أقلام راجت بخلدنا خلال وبعد كأس الأمم الافريقية لعام 2025. والتي يمكن العودة اليها للمزيد من الضبط إذا ادعت الضرورة.
1– أهمية الطقوس والفرجة في الصراع الاجتماعي
ما دام الانسان حيواني بطبعه، أي أنه من أجل العيش لا بد له من أكل وشرب وتناسل استجابة لحواسه. أمكن القول،أنه منذ بداية النشأة كان الانسان البشري يهوى مثل سائر الحيوانات اللعب من جري ومصارعة لتنشيط عضلاته ومشاعره. مع تطور الاجتماع البشري أصبح اللعب الحسي البدائي متطورا هو الآخر ومتنوعا يدخل حلبة الفرجة داخل المحيط الخاص و العام كعامل اجتماعي.
أما الطقوس الروحية التي ظهرت لاحقا، أساسا لما وعي الانسان البشري أن الموت ملاحقة، خلافا لباقي الحيوانات التي بقيت على حالها الحسي. وهو الطابع الذي ميزه كانسان عاقل وليس كائن حيواني. مع التطور المجتمعي خلق الانسان لنفسه طقوسا يقاوم بها المرض والموت، وهو ما جعل كل المعتقدات وضعية كانت أو سماوية، تجعل من حياة دار الدنيا مرحلة انتقال فان يأتي بعدها الخلود في دار الآخرة عند بعث الأرواح. هناك من المعتقدات من شخص البعث في تناسخ الأرواح، والنتيجة نفسها. رفض الانسان البشري فنائه التّام بعد موته كما يحل لسائر المخلوقات. الصدمة النفسية التي خلقها الوعي بالموت عند الإنسان جعلت من المعتقد الروحي وطقوسه وسيلة خلاصه من الموت. ومنه،جعله مرتكز مرافئ حياته الخاصة والعامة.
مع مرور الحقب خرج الانسان من المجتمع البدائي الى مجتمعات تعقدت فيها العلاقات بين الأفراد، مما نتج عنه فئة الوجهاء، أو الخاصة وهم أصحاب السيادة والجاه والعامة التي تمثلها أغلبية الفئات المسحوقة، المكونة من التابعين والعبيد. للحفاض على السيادة والسلطة المادية والمعنوية، عمدت الفئة السائدة الى استغلال وتوجيه ما هو فطري،كاللعب والاعتقاد،عند الانسان. ونظرا لتدني الفهم العقلي في المراحل القديمة، تم الاعتماد على الطقوس العقائدية للتحكم في مختلف مجالات الحياة بما فيها الفرجة. مع بروز المجتمع الحداثي، إثر عصر الأنوار أي عصر التفتح العقلي، لجأت البرجوازية وخاصة في مرحلتها الرأسمالية، تبني الطقوس العقائدية الموروثة عن الكنيسة وتطوير مجال اللعب وتقنينه لتجعل منه ميدان انتاج مادي ومعنوي. مما تولّد عنه فئة مميّزة تضمها الليبيرالية السائدة لخدمة مصالحها المادية والسياسية. شأن ما تفعل مع نخب الفئات الاجتماعية المنصهرة في معسكرها.
2 –اللعب كفرجة طقوسية وسياسية
نكتفي في هذا الموجز بالإشارة الى بعض النماذج لتوضيح العلاقة بين اللعب/الفرجة والسياسة. والمثال الأقرب لفهم دور لعبة كرة القدم، هي الألعاب الأولمبية التي كانت تقام كل أربع سنبين بين القبائل اليونانية. كانت تتوقف خلالها النزاعات والحروب ليعم السلم والفرجة. وهي ألعاب أقيمت تكريما وقربانا لزوس كبير الآلهة اليونانية والذي كان يقطن مع باقي الآلهة جبل أولمب المطل على مدينة أثينا. كان ذلك عشرة قرون قبل الميلاد. ومنهم من يحدد بداية الألعاب الأولمبية إثر انتصار الاغريق على الفرس خمس قرون قبل الميلاد.
على كل حال، كلا الروايتين تؤكد ارتباط الألعاب الأولمبية بالطقوس العقائدية والسياسية والحرب جزء منها. يؤكد هذا، قرار منع الألعاب الأولمبية باليونان من قبل الكنيسة المسيحية في القرن الرابع الميلادي، لما أصبحت هذه العقيدة هي المرجع الايديولوجي للإمبراطورية الرومانية. سبب ذلك، كون الألعاب الأولمبية تقدس الآه وضعي غير ألاله السماوي. اذن، قرار منع الطقوس الرياضية هنا خلفيتها دينية، كتوجيه للسلوك الاجتماعي والسياسي. في العصر الحديث تمّ احياء الألعاب الأولمبية من جديد نهاية القرن التاسع عشر، لكن هذه المرة حسب مفهوم مادي ضمن التصور الرأسمالي للمجتمع. مما جعل اللعب مناسبة لفرجة كونية تتم اقامتها بالتناوب بين بلدان الأمم. لكن وان غابت الطقوس العقائدية فان الاستعمال السياسي لا زال حاضرا بشتى الوجوه.
بالنسبة للمغرب الحديث، بخصوص علاقة الفرجة/ اللعب بالطقوس الدينية والتوجه السياسي. الجنرال هوبير اليوطي، أول قائم عام للحماية الفرنسية بالمغرب من 1912 الى1927 ، هو من وضع خطة توظيف الطقوس الفلكلورية والروحية لخدمة مشروعه الرأسمالي. الطقوس والفرجة للعامة والسيادة والمال للخاصة.
مما سبق أمكن وضع الرياضة كلعب وفرجة ضمن الإطار العام للاختيارات الثقافية والسياسية. لم يعد الهدف من الرياضة خدمة الجسم السليم والفرجة للمتعة النفسية، بل أصبحت مادة تجارية في السوق الليبيرالية. عوض تعميم الرياضة بمختلف أنواعها ليزاولها أفراد المجتمع منذ النشأة الى الشيخوخة، بكل طوائفهم وأماكن تواجدهم، كحق من حقوقهم الضرورية، وكأحسن عامل وقائي للأعراض الجسدية والنفسية، أصبحت كغيرها من المنتوجات المستهلكة.
3 –علاقة تعميم الرياضة بتعميم التعليم
الجسم السليم في العقل السليم، تعني هذه المقولة أن تهذيب الجسم هو أساس تهذيب العقل، أي صيانة البدن تسمح بالتواز النفسي السلوكي. ولتلعب الرياضة دورها هذا، يلزم أن تكون معممة، شأنها شأن التعليم والصحة والشغل والسكن، أي كل المؤهلات الضرورية لتوفير الصحة والعيش الكريم. والملاحظ أنه في المجتمعات الطبقية هناك تفاوت في ولوج هذه الضروريات اللازمة حسب مستوى الجاه والمال.
– ما سبب عدم تعميم التعليم وصيانة مضمون برامجه
السياسة التعليمية التي نهجتها الحركة الوطنية غداة استقلال عام 1956، كانت ناجحة رغم قلة الموارد المالية للدولة، حيث فتحت الأبواب لفئات واسعة من أبناء الشعب، تمّ خلالها تناوب فوجين للقسم الواحد الذي يحوي ما يفوق الأربعين تلميذا وتلميذة في كثير من الأحيان. كان للمعلم قيمة اعتبارية كبيرة. تترجم مقولة ” قم للمعلم وفيه التبجيل”. كان المعلم هو الملهم المهدب المبتكر حافز الأجيال الصاعدة. خلال فترة 1956 و1962 سادت روح الجد والكد ونشر المعرفة في شكلها الوطني التقدمي الراقي. لكن بعد 1962 توجهت الاختيارات السياسية للسلطة الجديدة نحو النخبوية جاعلة بذالك حدا لتعميم التعليم. بدأ تبني التوجه الليبيرالي بشكل خفيّ ليظهر للعلن بعد سنتين ومنه انتفاضة 23 مارس 1965 المجيدة التي عرفتها مختلف المدن الكبرى للبلاد. خلافا للتظاهرات النقابية كانت انتفاضة 23 مارس مدا شعبيّا أكيدا انضمّت اليه مختلف الشرائح الشعبية، ممّا دفع النظام اخمادها بالحديد والنار.
ان الانطلاقة التعليمية والتربوية خلال سيادة المد الذي دشنته الحركة الوطنية التقدمية هو الذي سمح لأجيال من شباب الفئات الشعبية ولوج الجامعة والارتقاء بمنظمتها الطلابية العتيدة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الى مستوى رافعة النضال الشعبي التحرري. تجاوبا مع شعار ” لكل النضالات الجماهيرية صداها في الجامعة”. كان الطالب والطالبة المغربية أنداك يطبقون مفهوم المثقف العضوي والمثقفة العضوية. ما معناه الوعي بمطامح الفئات الشعبية المحرومة والاندماج في سيرورة نضالية من أجل تحقيق مصالحها العليا.
لما تبيّن للنخبة السائدة انعدام ترويض الحركة الطلابية بقيادة منظمتها العتيدة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، عمدت لقمعها ثمّ منعها في 24 يناير 1973. في الفترة نفسها تمّ منع تعليم الفلسفة وزرع عناصرها لمواجهة المد العلماني داخل الجامعة كمدخل لتفتيت مكونات الحركة الطلابية والقضاء عمليّا على إمكانية تعميم التعليم وعلمانية وتبديلية بتعليم ينتج فئة تقنية طيعة. للإشارة وكما هو معروف، بذون تعميم التعليم وعقلانية محتواه وجدية مستواه يستحال إمكانية بناء مجتمع حداثي متطور. خلق نخبة متعلمة تقنيا لتسيير دواليب دولة عتيقة، ليس سوى طلاء حداثي مآله التخبط والارتجالية والصراعات المجتمعية التي لا فائدة فيها.
– دور كرة القدم في الميدان السياسي والاقتصادي
العديد من الأندية الرياضية، وخاصة منها أندية كرة القدم، دخلت البورصة، ما يعني أن أندية كرة القدم أصبحت معامل انتاج نقدي واللاعبين فيها كأسهم تباع وتشتري وحقل كرة القدم عبر العالم عبارة عن مادة خام يصنع منها نخبة ذات القيمة النفعية.هكذايتبيّن كيف حولّت الرأسمالية اللعب والفرجة لتجعل من البدن الرياضي منتوج مادي على منوال المبارزة التي عرفتها ملاعب المصارعة عهدالرمان.
المبارزة في الملاعب الرومانية كان ضحيتها العبيد، مقابل تحسين معاملتهم وتحرير بعض اللامعين منهم بعد جهد جهيد والنجاة من القتل. علما أن جلهم كانوا يجدون حتفهم داخل حلبة الصراع. عبر خطة ملاعب المبارزة عمد أباطرة الرومان الى تسلية الجمهور بهذه الوسيلة الدموية. التي كانت تبدأ بالتصدّي للحيوانات الوحشية قبل أن تنتهي بالاقتتال بين المتبارزين. كانت الغاية من تلك الألعاب الوحشية الدموية تسلية الجماهير الرومانية ليتسنى للإمبراطور فرض حكمه الفردي على الشعب وممثليه في مجلس الشيوخ. والمبارزة داخل ملاعب كرة القدم هي واجهة لتسلية الجمهور وفي نفس الوقت وسيلة لصده عن الاشتغال بالسياسية. الفرق بين المتصارعين في الحلبات الرومانية و الملاعب الكروية، هو أن الأولون كانوا من العبيد والآخرون خدام عند الليبيرالية كسائر المستخدمين في قطاعات الإنتاج الرأسمالي. فكلاهم لا يطلب منهم سوى قوة العضلات والمهارة والتقنية البدنية العالية. طبعا هناك استثناءات. ففي عهد الرمان كانت هناك عدة ثورات للعبيد منها الثورة المشهورة التي قادها المبارز سبرتاكيس في القرن الثاني قبل الميلاد. وفي عصرنا الحاضر هناك عدة لاعبي كرة القدم لهم الجرأة الكافية للتعبير عن آرائهم.
3 – كيف التعامل مع الظاهرة الكروية؟
ككل ظاهرة اجتماعية لا بد من فهم عواملها الفاعلة حتى يتم القيام بتحليل موضوعي يمكّن طرح تصور عملي. الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه مما سبق، هو الابتعاد عن الطرح الذي يختزل الواقع ويسقط عليه تصورات نظرية بعيدة عن الواقع الملموس والهدف المرتجى الذي يرادالاندماج بالجماهير الشعبية لرفع وعيها ووثيرة مطالبها. كما أنهي بعدنا عن الطرح الشعبوي الذي ينظر الى كرة القدم كقيضة وطنية غير مدركا لموقعها داخل حلبة الصراع الاجتماعي ويصبح بذا، من حيث يدري أو لا يدري، من أشد خدام التوجه الليبيرالي السائد.
–التعامل مع الرياضة



