وجهة نظر

تساؤلات و اقتراحات يحيى يشاوي حول مقال “العلاقة العضوية بين المواطنة والقومية والكونية” لمحمد المباركي

عزيزي محمد
تحية طيبة وبعد،

قرأت مقالك الثري رابط المقال ( https://shorturl.at/z8CUe ) بكل اهتمام وتمعن، وأجدني أمام عمل فكري جاد ينبع من قلق حقيقي على مصير أمتنا وهويتها في زمن تتصارع فيه التكتلات العملاقة ويعود فيه منطق القوة العارية إلى واجهة المشهد الدولي. لقد نجحت، عزيزي محمد، في طرح أسئلة جوهرية حول موقعنا في هذا العالم المتغير، وكيف نحافظ على كرامتنا وهويتنا دون أن نذوب أو ننكفئ.

ما أثار إعجابي في طرحك

أولاً، أقدر عالياً تشخيصك الدقيق للمشهد الجيوسياسي المعاصر. لقد قرأت الواقع الدولي بعين ثاقبة، مستشهداً بتصرفات الإدارة الأمريكية الحالية وعودة قانون الغاب المقنّع. هذا التحليل يعكس متابعة دقيقة ووعياً عميقاً بالمتغيرات العالمية، وهو ما نحتاجه في زمن الارتباك الفكري.

ثانياً، لفت انتباهي ربطك الذكي بين الديمقراطية الداخلية والقوة الخارجية. فأنت لم تقع في فخ الخطاب القومي التقليدي الذي يؤجل الحريات لحساب الوحدة. بل أدركت، وهذا موقف شجاع، أن “الثورة الثقافية” القائمة على حرية التعبير والديمقراطية هي شرط لا غنى عنه لأي مشروع وحدوي حقيقي. هذا الوعي النقدي يميز طرحك عن كثير مما يُكتب في هذا الموضوع.

ثالثاً، أعجبتني مقترحاتك العملية الواضحة: عملة موحدة، جواز سفر مشترك، سوق اقتصادية، ميثاق قيم مشترك. فبدلاً من الاكتفاء بالشعارات الرنانة، قدمت برنامج عمل محدداً قابلاً للنقاش والتطوير. هذا النهج العملي يحول الحلم إلى مشروع قابل للتحقق.

رابعاً، أثمّن عالياً البعد الكوني الإنساني في رؤيتك. فأنت لم تنغلق على القومية بل فتحتها على الأممية وحقوق الإنسان والقضايا البيئية، مما يعطي المشروع بعداً إنسانياً راقياً بعيداً عن أي انعزالية أو تعصب.

بعض التساؤلات الودية للحوار

عزيزي محمد، اسمح لي أن أشاركك بعض الأسئلة التي خطرت لي أثناء قراءة مقالك، ليس من باب الاعتراض بل من باب إثراء الحوار بيننا:

حول الحتمية الجيوسياسية:
هل التكتل الكبير هو حقاً الخيار الوحيد للنجاة؟ تجارب بعض الدول الصغيرة مثل سنغافورة وسويسرا والنرويج تُظهر أن الجودة والذكاء السياسي قد يتفوقان أحياناً على الحجم الجغرافي. ألا ترى معي أن هناك نماذج أخرى للتكامل لا تشترط بالضرورة الوحدة السياسية الكاملة، بل تعتمد على التنسيق الذكي والمصالح المشتركة؟

حول الاقتصاد السياسي للوحدة :

التجربة الأوروبية التي استشهدت بها، يا صديقي، كانت نتاج عقود طويلة من البناء التدريجي بدأت بالفحم والصلب في الخمسينيات. كيف نتعامل مع التفاوت الاقتصادي الهائل بين الدول العربية؟ هل تعتقد أنه من الأفضل البدء بتكاملات إقليمية أصغر (مغاربية، خليجية، شامية) قبل القفز إلى الوحدة الكبرى؟

حول القومية والتنوع :

الرصيد الحضاري المشترك الذي تحدثت عنه غني وحقيقي، وأنا أتفق معك في ذلك. لكن كيف نوازن بين هذه الهوية الجامعة وبين احترام التنوعات الداخلية الغنية (أمازيغية، كردية، ثقافات محلية متعددة)؟ أليست التجارب القومية السابقة قد أخفقت أحياناً لأنها تجاهلت أو همّشت هذا التنوع، فكانت النتيجة توتراً داخلياً عمّق الانقسامات بدلاً من أن يلغيها؟

حول الإرادة السياسية :

تشير، وبحق، إلى غياب “العزم والإرادة الصادقة” لدى النخب الحاكمة. لكن كيف نخلق هذه الإرادة؟ هل يكفي الوعي الثقافي والضغط الشعبي أم نحتاج أولاً لتغيير جذري في البنى السياسية القائمة؟ وكيف نتجاوز مصالح النخب الحاكمة المستفيدة من الوضع الراهن والمرتبطة بعلاقات معقدة مع القوى الخارجية؟

و في الختام

عزيزي محمد، مقالك هو دعوة صادقة للتفكير الجاد في مستقبلنا الجماعي. وحتى لو اختلفنا في بعض التفاصيل أو الآليات، فإن السؤال المركزي الذي تطرحه يبقى في غاية الأهمية: كيف نبني قوتنا الجماعية في عالم لا يرحم الضعفاء ولا يحترم إلا الأقوياء؟

الحوار الفكري الصادق، مثل الذي تفتحه لنا بهذا المقال، هو أول الطريق نحو الوعي الجماعي الذي نحتاجه بشدة. فشكراً لك على هذا الجهد الفكري الثري، وعلى شجاعتك في طرح هذه الأسئلة الصعبة في زمن يميل فيه الكثيرون إلى الصمت أو المجاملة.

دمت مبدعاً ومفكراً حراً، يا صديقي العزيز

تقديري واحترامي بلا ضفاف
اخوك يحيى يشاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى