وجهة نظر
محمد بن عبد الكريم الخطابي والهوية الوطنية بمناسبة الذكرى 63 لوفاة الزعيم الوطني والقومي والأممي-بقلم محمد المباركي
تمهيد
هناك رجالات أفذاذ لا يمنّ الدهر بمثلهم الا عبر أجيال. وكلما مر الزمان سما قدرهموزاد نور فكرهم ومراسهم ضياء ليصبحوا نبراسا يقتدى به. منبين هؤلاء الأهرامات، يبلى التاريخ ولا يبلى ذكرهم. لأنهم قبل أن يسكنون العقول تحتضنهم الضمائر الحية والأفئدة الصادقة. محمد بن عبد الكريم الخطابي من طينه هؤلاء العظماء. ليس كونه قاد ثورة تحررية رائدة وأسس أول جمهورية شعبية في البلدان المستعمرة، بل لأنه أيضا رجل فكر وسياسة ومن هنا يهمنا منظوره حول اللغة والهوية.
بداية ثمانينات القرن الفائت بدأت دراسة عن شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي لأجد نفسي أمام زخم من المراجع تتطلب وقتا وافيا، الأمر الذي لم أكن أتوفر عليه أنداك، للإلمام العميق بجوانب هاته الشخصية الفريدة. فهو فقيه عالم وقاض عادل، صحفي مقتدر وقائد عسكري محنك، زعيم سياسي ممتاز ومفكر واسع النظر. وعند الضرورةاقتصادي مقتدر لضمان الاستقلال المادي لعائلته ومن رافقه في منفاه الطويل بجزيرة رينيون شرق جنوب القارة الافريقية. لدراسة أعمال وفكر محمد بن عبد الكريم يلزم مجلدات ونحن هنا نحاول قدر المستطاع تلخيص منظوره في المسألة التي تهمنا أي اللغة والهوية.
1 – نبذة وجيزة للتعريف بالرجل
ولد محمد بن عبد الكريم الخطابي بأجدير عام 1882 وبه حفض القرآن كأقرانه، ثم أصول اللغة العربية من نحو وصرف وغيرها عن والده، قبل أن يرسله الى مدينة فاس العاصمة الإدارية والعلمية للمغرب، لمتابعة تعليمه بجامعة القرون. حيث ربطته علاقة وطيدة مع ثلة من خيرة علمائها الوطنيين أمثال الاخوان كنون وادريس ابن سعيد السلاوي الذي ناصر الثورة الريفية الى حين اغياله من قبل الاسبان عام 1923. بعد دراسته بفاس عاد الى مسقط رأسه لمساعدة والده في القضاء والأشغال الإدارية الأخرى التي كان يتضلع بها. لكن علاقته بمدينة فاس ظلت قائمة مما مكنه من مسايرة الحركة التنويرية التي كانت في بدايتها وخاصة المقاومة القوية للدخول الأجنبي الفرنسي ومحاولة تحديث دواليب الدولة عبر مبادرة وضع أول دستور بالمغرب عام 1908. كما أنه في خضم ذلك الجو كان قد تتبع عن قرب مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي انعقد من يناير الى أبريل 1905 والذي تم فيه تقسيم المغرب بين اسبانيا في الشمال وفرنسا في الجنوب وطنجة كمدينة دولية، هذا الى جانب الامتيازات الجمركية والتجارية لباقي الدول الاستعمارية الأوروبية. ما يهمنا من سرد المرحلة الأولى من حياة محمد بن عبد الكريم هو من باب التأكيد على تكوينه اللغوي الأصلي الذي لم يتخلى عنه فكرا وعقيدة، رغم تفتحه عن اللغات الأخرى خاصة الاسبانية. ثم أنه لم يجعل أبدا تعارضا بين لغته الأم التي هي الريفية ولغة الوطن التي هي العربية. هذا من ناحية أما من ناحية الهوية فان الحس الوطني الذي تربى عليه في أحضان أسرته الصغيرة لما كان بأجدير أو الكبيرة لما ذهب للدراسة بالعاصمة فاس جعلته يتفتح على مشاكل البلاد والأخطار التي تحيط بها.
مثل والده والعديد من الوطنيين الأوائل ظن محمد بن عبد الكريم أن معاهدة الحماية تحمل في طياتها بعض الدواء لأمراض التأخر التي يعاني منها المغرب على مختلف الواجهات. وأنها أي معاهدة الحماية ستسمح بإحداث تغيير اداري ضروري مع خلق مرافئ صناعية وتجارية حديثة. بتلخيص كان كغيره من المخلصين لقضايا الشعب والوطن يضنون أن في كل خيبة خير على منوال الآية الكريمة ” وعسى أن تكروا شيئا وهو خير لكم”. لكن تبين له وللعديد من الوطنيين أنه لا خير في الاستعمار الذي لا يهمه سوى الاستلاب الثقافي واستغلال الخيرات البشرية والمادية للبلاد. بعد الاحتلال التحديث الاداري من أهل كان. عوض التحديث تم تقوية الرواسب الاستبدادية للمخزن العتيق.
كان سيكون من المحبذ التوسع في الموضوع عبر تقسيم حياة الزعيم الوطني والقومي الى أربعة مراحل كما شخص ذلك الباحث المختص والمرافق لمحمد بن عبد الكريم الخطابي بالقاهرة، عثمان بناني الذي خص الزعيم الوطني بأبحاث جادة ومعمقة، منها أطروحته عن حيلته وأعماله التي تم نشرها أخيرا.
– المرحلة الأولى من 1882 الى أواسط 1918، وهي مرحلة الطفولة والشباب والعمل في الإدارة الاسبانية.
– المرحلة الثانية ن من أواسط دجنبر 1918 الى استسلامه في 27 ماي 1926، وهي فترة المقاومة المسلحة وبناء جمهورية القبائل الريفية التي عمت باقي المنطقة الشمالية للمغرب.
– المرحلة الثالثة، من 27 ماي الى حين لجوئه في مصر في31 ماي 1947 وهي فترة منفاه مع عائلته بجزيرة لا رينيون.
– المرحلة الرابعة، من استقراره بمصر الى حين وفاته بها عام 6 فبراير 1963.
حياة مليئة بالأحداث والعطاءات في مستوى يقل نظيره وهي ظاهرة يقل نظيرها. أمام الزخم الكثير من العطاء الفكري والميداني لمحمد بن عبد الكريم، سنحاول قدر المستطاع وبتجرد كامل الالمام بجوهر فكره وعمله فيما يخص موقفه من اللغة الفصحىواللغة الريفيةوخاصة فهمهوممارسته للهوية الوطنية والقومية.
2 – محمد بن الكريم و مسألة اللغة
من مزايا القادة الكبار كونهم يتحلون بقدرة فائقة لفهم الواقع والبحث عن حلول ناجعة للتقدم الى الأمام. ونظن أن الأمير كان على بينة من قيمة وقوة اللغة كسلاح لفهم الذات والموضوع الذي يتواجد فيه وكذلك لرص الصفوف وإنجاح المقاومة. من المعروف والمألوف أنه كان يتكلم مع عائلته وأقاربه بالريفية لغته الأم، ونحن نعلم أن الخلفاء المرابطين والموحدين والمرنيين والنطاسيين وشيوخ الحنصليين وغيرهم ممن سادوا، كانوا يستعملون اللغة الأمازيغية بين عشيرتهم المقربة للتواصل العادي، لكن في تسيير أمور الدولة من قضاء وتعليم وندوات ومقابلات، كان المرجع هو اللغة الجامعة ولم يحد محمد بن عبد الكريم عن هذا التقليد. فسواء لما كان يمارس القضاء والإدارة الى جانب والده أو بعد تقلده القضاء وقيادة الثورةوإرساء أسس الجمهورية الريفية، كانت اللغة الرسمية للدول الناشئة هي اللغة العربية ولم يحد أبدا عن هذا التوجه الواعي لرص الصفوف بين القبائل التي تتكلم الريفية والتي تتكلم العربية. وكذلك للتجاوب مع باقي ساكنة المغرب حيث الثورة الريفية لم تكن سوى الانطلاقة لتحرير عموم البلاد. فتوجهه الوحدوي لوطنه المغرب ولبلدان المغرب الكبير ونظرته للقومية العربية سيتضح بجلاء من خلال مواقفه أثناء الفترة الرابعة من حياته بمصر. فوعيه بأهمية اللغة كان حاضرا طوال حياته، سواء ما خص مشروعه التحرري الوطني أو القومي.
لم يكن المجاهد الأكبر متحيزا للفصحى كلغة جامعة وطنيا وقوميا، بل كان متفتحا على باقي اللغات. لقد كان يتقن اللغة الاسبانية حيث اشتغل مترجما لها كما احترف الصحافة أثناء وجوده بمليليه فترة الشباب. ثم أنه وجه بناته وأبناء أخيهوعمه فترة المنفي بجزيرة لا رينيون أو في مصر تعليم اللغات الأخرى خاصة الفرنسية والإنجليزية.
أية خلاصة نستنتجها من فكره اتجاه التعامل مع تعلم اللغات؟ انه نظرا لقدرة تفاعله مع الواقع وامكانية استيعاب المستجدات المحدثة، كان ولا شك سيرى الظروف التي يمر بها المجتمع المغربي راهنا ومراعاة مصلحته في التقدم والتحرر، ليتجه لا محالة الى تثبيت اللغة الفصحى كلغة جامعة مع حضانة اللغة الأمازيغية. وكان أيضاوهذا هو الراجح، سيتفتح على تعليم وتدريس باقي اللغات وخاصة الفرنسيةوالاسبانية والإنجليزية. المشكل ليس هو تعليم اللغات، ونحن نعلم أن الكل يقر اليوم قدرة المرء تعلم عدة لغات في آن واحد وبشكل جيد من دون تأثير بعضها على البعض. تلقين وتعليم اللغات لخدمة العلم والمعرفة والحريةولكرامة واجب أكيد نثبته في وعينا الوطني والقومي. ما نرفضه هو استعمال اللغات الأجنبية لاستلاب الهوية الوطنية المبنية على التربة الثقافية الأمازيغية العربية.
وبخصوص اللغة الأمازيغية نظرا كون البعض يخطأ قصدنا عبر اجتهادنا في الموضوع، ويظن عن خطأ، أننا نتلافاها أو لا نعطيها حقها. العكس هو الصحيح. لأننا لا نريد استعمالها كحصان طروادة للعصف باللغة الجامعة على منوال حق يراد به باطل. وكذلك لا نريد تقزيمها كمن يريدون جعلها لغة الفلكلور وخلق عرقية وهمية تفرق أبناء الشعب الواحد الخالدوالأمة الواحدة الخالدة. أننا نتعامل مع لغتنا الأم الأمازيغية بكيفية عقلانية ومنتجة، لذا عند تعاملنا معها، نحضر في وعنا الجماعي العامل الزمني والخلفيات السياسيةوالمصالح الثقافية المتصارعة. قصدنا رص صفوف الشعب والوطن والأمة. انه اختيارنا الذي تعلمناه من فكر ومراس محمد بن عبد الكريم وغيره من الوطنيين المخلصين لمصير الشعب والأمة. كما أننا نطرح تعليم اللغة الأمازيغية عبر مجموع أنحاء البلاد وليس بمنطقة معينة مع احترام لهجاتها المتعددة التي تعبر عن غناها الثقافي والحضاري. حسب الدراسات العلمية الحديثة في بلدان الهجرة مثلا، تبين أنه عند تدريس الأطفال لغة وثقافة آبائهم المهاجرين في الأقسام، ليس فقط لهم وحدهم كما هو الشأن المتبع بيداغوجية متأخرة، بل تدريس لغة المهاجرين وخاصة الثقافة المحيطة بها لعموم الأطفال وفي سن مبكر. النتيجة ان أبناء المهاجرين يقبلون على لغة بلد الإقامة بحماس ويزداد نشاطهم في كل ميادين الحياة وليس فقط لثقافة الآباء. فينخرطون في ثقافة مجتمع الإقامة بحماس مما يساعدهم على التثاقف والاندماج الناجح. اذن تدريس اللغة الأمازيغية لعموم الناشئة أمر في غاية الأهمية وعامل لحفزوتطوير قدراتهم في مختلف الميادين. كل ما نرفضه صراحة هو جعل تعارض بين اللغة الفصحى الجامعة للوطن والأمة ولغتنا الأمازيغية. لأنهما الرجلين للجسد المجتمعي.
3 – محمد بن عبد الكريم و الهوية الوطنية
ظروف العيش والأحداث المحليةوالوطنية هي التي تولد الوعي المتقدم والفاعل. هذا بشكل عام. بتلخيص وجيز سنحاول سرد المحطات الأساسية التي تظهر عمق الوعي بالهوية الوطنية والقومية عند الأمير المجاهد.
أولا- عند تحديد مرحلة النشأة و الشباب لمحمد بن عبدالكريم أوضحنا كيف تربى في كنف أسرة لها مسؤولية في حضن الدولة المركزية. فأبوه محمد الخطابي كان قاضي قضاة قبيلة بني ورياغل والمشرف عن قواد مراكزها. المسؤولية التي سيتحملها ابنه من بعده. لكن المهم في هذه المرحلة من حياته وجوده عبر فترات عديدة بمدينة فاس بداية القرن قبل ابرام معاهدة الحماية. وكذا مخالطته للعلماء والوطنيين الأوائل الذين وقفوا في وجه عقد الحماية ووضعوا أول دستور يحدد مسؤولية السلطان. كما عاش فترة محاصرة القبائل، وضمنها التي نزلت من الشمال، لمدينة فاس وارغام السلطان عبد العزيز على الاستقالة. ثم نعلم وقوفه الى جانب والده لمحاربة المهندس امحمد الجيلالي الزرهوني الذي ادعى لنفسه السلطنة.
ثانيا – مرحة التحرير و بناء الدولة الشعبية كمرحلة أولى لتحرير باقي أطراف المغرب. ليس هناك غلو في هذا القول. لأنه إذا راجعنا رسائله الموجهة الى المغاربيين المنضوين في الجيش الإسباني والفرنسي ومن والاهم، نفهم بعد مشروعه التحرري. وكذلك معاملته للمعتقلين والمصابين من أبناء طينته المغتر بهم وحثهم على الوقوف الى جانب جيش المناطق المحررة. أن ماو تصيتون وهو شمين لم يأخذا عن القائد البطل أسلوبه الحربي في خوض المعرك والتي سميتفيما بعد يحرب العصابات، والتي هي في الحقيقة طرق استعملها المغاربة منذ عهود، الا أن عبد الكريم أدخل عليها التقنيات الحديثة في استعمال الهاتف ومركزة قيادة العمليات واختيار الزمانوالمكان للهجوموالتراجع. كما قال أمرئ القيس في معلقته” مكر، مفر، مقبل مدبر معا …كجلمود سخر حطه السيل من عل”. (الجلمود هو السخرة المنفردة فوق المرتفع اليابس). لم يأخذ القادة المنتصرين في الصين والفيتنامي عنه أسلوبه الحربي فقط، بل تبنوا معه تكتيكه في التحرير الشعبي، المبني على تحرير منطقة معينة وتأمينها، ثم توفير حياة اجتماعية واقتصادية بها، قبل الانطلاق لتحرير منطقة أخرى. لقد نجحت هذه الخطة الذكية بشكل مبهر. فعند تحرير منطقة يتم فتح الطرق واستعمال الهاتف وتعميم المحاكم للبث في الخلافات التي كانت تنخر القبائل المتصارعة بينها قبل الوحدة وتأسيس جمهورية قبائل الريف. فبعد تحرير المنطقة التي كانت تحت النفود الاسباني شرع القائد البطل في تحرير المنطقة التي كانت تحت السيطرة الفرنسية. ما يهمنا هنا هو البعد التحرري الشامل للمغرب وكذلك باقي أقطار المغرب الكبير، كما أكدته مواقف الأمير خلال تواجده بمصر.
قبل المرور لفكرة أخرى تؤكد تشبث الرئيس عبد الكريم الخطابي بهويته الوطنية والقومية لا بد الإشارة كون الثورة الريفية لم تنهزم أبدا كما يتوهم أعداؤها، بل كانت الشرارة التي انطلقت عبر الشعوب المستعمرة في المشرق العربي وفي العالم. وهي بذا ثورة أممية وكذلك قال فيها الشهيد غيفارا مثلا وغيره من أحرار الإنسانية. ثم وهذا جانب من ميزته العلمية والروحية، أنه لما قامت الثورة الكمالية (نسبة لكمال أتا تورك) وأقامت الجمهورية التركية بعد قضائها على الدولة العثمانية طرحت مسألة الخلافة، بدعوى أنها ركيزة أساسية للمسلمين. ولقد تم ترشيح الفقيه والعالم المجاهد عبد الكريم الخطابي لها عوض الخديوي ملك مص. وذاك لما داع صيته مشارق الأرض ومغاربها غداة الانتصار العظيم على جحافل الغزاة بأنوال. هذا هو عبد الكريم وهذه عظمته.
أما المرحلة الثالثة – فهيتخصالعشرين سنهة التي قضاها منفيا وعائلته بجزيرة رينيون والتي لا زالت مطروحة للبحث والتنقيب العميق. ما يمكن استنتاجه أنها كانت مرحة تأمل وتفكير وتدقيق بعض الأخطاء التي وقعت فيها الثورة الريفية الظافرة مثل عدم احتلال مدينة مليليه، التي بقيت ثغرة منها تسلل الجيش المعادي. كان موقفا إنسانيا اتجاه الأبرياء من أهلها، وهي خصلة تحسب له لا عليه. كما أنه في هذه المرحلة التي لا بد للباحثين الرجوع اليها للتنقيب على قدرة تطور وابداع القائد البطل في تسيير مشروعة التجاري والفلاحي الناجح. الشيء الذي يبرهن كونه كان يملك القدرة على استيعاب الاقتصاد الحديث، الشيء الذي غاب في زمانه على معظم الزعماء والقادة السياسيين.
أما المرحة الرابعة من حياة القائد البطل، والتي تقدر أيضا بعشرين سنة، منذ نزوله أرض الكنانة في 31 ماي 1947 الي يوم وفاته 6 فبراير 1963. في هذه المرحلة سيظهر مدى عمق وعيه الوطني والقومي. فعند نكبة فلسطين كان أول من دعا لمواصلة الكفاح عبر تجنيد وتدريب أفواج من الشباب العربي ابتداء من عام 1948. من تلك الأفواج ستتشكل نواة أنظم بعضها الى جيوش التحرير ببلدان المغرب الكبير. لذا لا غرابة أن يصدر أول بيان لإعلان الثورة الجزائرية بتوقيع الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي رئيس لجنة تحرير المغرب العربي ونائبه أمحمد بن عبد الكريم الخطابي. اللجنة التي قامت مكان مكتب المغرب العربي الذي لم يكن يتماشى ونهجه في التحرير والوحدة. الخلاف حول هذه القضية بينه وباقي الزعماء المغاربيينن، الذين فضلوا الحوار السياسي واستقلال كل قطر على حدا عوض خوض معركة التحرير المشترك لبناء المصير المشترك معروفة بما فيه الكفاية. لكن ما نقصده من طرحنا هنا هو التأكيد على الروح الوحدوية سواء منها على مستوى الأقطار المغاربية أو على مستوى الوطن العربي الكبير.
يرجع البعض التوجه القومي للأمير الى علاقته المتينة مع جمال عبد الناصر القائد القومي في زمانه. نعم كانت هناك علاقة متينة الأواصر بين الرئيس الأممي محمد عبد الكريم والرئيس القومي جمال عبد الناصر، الا أن قومية محمد عبد الكريم كانت سبّاقة لعهد هذا الأخير. رئاسته لمكتب المغرب العربي، ثم لجنة تحرير المغرب العربي كانت قبل قيام ثورة الضباط الأحرار بمصر عام 1952 ورئاسة عبد الناصر لها بعد سنتين. منظور الأمير كان تحرريا وثقافيا وحضاريا ومصيريا ومستقبليا، وهذا منذ عشرينات القرن الفائت.
لم يتخلى محمد عبد الكريم عما يحدث بوطنه المغرب كزعيم الزعماء وامام الوطنيين، بل ظل يتابع تطورات أوضاعه السياسية والاجتماعية، فهو لم يوافق على الاستقلال الجزئي لمحادثات اركس ليبان ومعاهدة سانكلو، كما لم يوافق على الدستور الممنوح عام 1962. أما عن علاقته بزعماء الحركة الوطنية والقصر يمكن الرجوع اليها في مناسبة أخرى. لكن للحقيقة والتاريخ، لا بد من رفع لبس مصطنع يخص علاقة الشهيد بن بركة والرئيس محمد بن عبد الكريم. كان هناك خلاف سياسي بينهما، و هو الخلاف الذي كان قائما و ظل بين الأمير و باقي قادة و الزعماء بالحركة الوطنية حول طبيعة الاستقلال، الا أنه بعد قيام حكومة عبد الله إبراهيم والحركة التصحيحية التحررية المجسدة في تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بزعامة المهدي بن بركة، ستتقوى العلاقة بين محمد بن عبد الكريم و هذا الأخير الذي سيستقر بعائلته هو الآخر بمصر و الذي رغم تنقلاته عبر العالم ابتداء من 1962 سيكون له تواجد ملحوظ بالقاهرة وحيث توطدت علاته بالأمير محمد بن عبد الكريم و الرئيس جمال عبد الناصر. هذا الأخيرالذي كان يعتبر الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي أبا روحيا له والشهيد المهدي بن بركة أخا ومرجعا له في كثير من القضايا العربية والدولية.



