كتاب ” الممر -شذرات من حقائق سنوات الرصاص” للراحل عبدالفتاح فاكهاني (2009-1949)،المترجم من الفرنسية من طرف أحمد المرزوقي ،يمثل شهادة عن تجربة الاعتقال السياسي للكاتب من سنة 1975إلى1989.
يتكون الكتاب من 166صفحة ،قسم بعد التقديم (إنياس دال) إلى العناوين التالية: -التأقلم-الخوف من المدينة-سنتان في الجنة -تهاني غريبة-وعليكم السلام-الطبول والمزامير-عمود الحديد-الكرسي المتحرك-شيء من الدجاج- في أحد مراكز الشرطة بمدينة خريبكة- الداخل إليها مفقود ،والخارج منها مولود- لحظات للترويح عن النفس- المطبخ الداخلي – من مراكش إلى العاصمة – حب والتزام بخوض الصراع- شيوعية في السجن – أروقة للفن وراء القضبان – نقاش لم يتم – تجربة صحافية- الجولات الكبرى – وجبات هزيلة – دقة مواعيد الأمريكيين – مامعنى أن تكون متعاونا في سنة 1990 ؟- عقد الزواج – بريد السجين – طي صفحة الماضي – مد وجزر- الحرية! – مقال حول أزمة اليسار الجديد.
الكتاب شهادة عن جزء من مرحلة سنوات الرصاص المطبوعة بالاعتقالات والقمع ،وأبشع أنواع التعذيب،التي تعرضت لها المعارضة،وضمنها اليسار الجديد (إلى الأمام – 23مارس – لنخدم الشعب ).يحكي عدالفتاح فاكهاني أحد قادة منظمة ” إلى الأمام ” تفاصيل التنظيم السري والملاحقات،وتجربة الاعتقال والتعذيب في أبشع صوره ب” درب مولاي شريف ” ،والمحاكمة التي كان الهدف منها ” تقديم المتهمين ليس فقط كمناضلين سياسيين يناهضون النظام .
وإنما كذلك ككفار ملاحدة زنادقة يرومون المساس بالإسلام ويسعون إلى بيع الصحراء إلى الجزائر ومنظمة البوليساريو ” (ص 32). لحظات التعذيب القاسية ،يستحضر فيها عبدالفتاح فاكهاني بشاعة الجلاد،والحوار مع الذات للتمكن من الصمود وتفادي الاعتراف ” رجلاي ومعصماي مقيدون حول قضيب من حديد .عيناي معصبتان .وجسمي عار كله بعدما جردوني من جميع الثياب . والحصة لم تبتدئ بعد.حصة التعذيب الحقيقي …آه…كم أتمنى ألا يصمد جسمي أمام ماهو آت…كم أتمنى أن يفقد عقلي وعيه لأتحرر من هذا الضغط والاحتقان الرهيبين …كم أتمنى أن أغيب عن الوجود كي لا أحس بالعذاب وكي لا أنهار فأعترف…” (ص 36) .
مورس التعذيب ،ومورس التهديد ،أشعروه بأن مصيره إذا لم يعترف ،سيكون نفس مصير عبداللطيف زروال الذي استشهد تحت التعذيب . يستعيد فاكهاني كل التفاصيل ،يستعيد الجلاد المشهور وسط المعتقلين ” قدور اليوسفي …الخبير المغربي الماهر ،المتضلع في تجريد الإنسان من إنسانيته …” (ص 37).
جربوا مختلف أساليب التعذيب ،يغيرون الأسلوب والإيقاع حسب درجات الصمود ” جاء دور التعذيب بالكهرباء …كهرباء يجتاح رأسي وذراعي وفخدي ويهز كل قطعة من جسدي بلارحمة ولاهوادة…طعم جديد وغريب من العذاب ليس له وصف سوى أنه عذاب معتق بشع …لم يعد جسمي كله سوى جرح غائر ينبض بالألم الشديد أينما وضعت عليه أصبعك .
أما أسفل قدمي فماذا أقول عنها ؟ لحم مدقوق؟ أم مفروم أم محروق ؟ وباستثناء بعض الوخزات المؤلمة التي كانت تنتابني فيهما بين الفينة والأخرى ،فقد صرت لاأشعر بهما إطلاقا وكأنهما أعضاء بترت من جسمي منذ زمن بعيد … وضعوا خرقة قذرة على أنفي وضغطوا عليها بقوة . فأحسست قبل الاختناق بالاختناق … ثم شرعوا يصبون عليها مزيدا من الماء لتطلق الخرقة كل رائحتها النتنة …”(ص 38-39) . إنها جزء من البشاعة الكاشفة عن طبيعة تعاطي الدولة مع الرأي الآخر ،الرأي النقدي للسلطة ،والكاشفة أيضا عن خنق الحريات ،والانتهاكات الجسيمة للحقوق في مغرب سنوات الرصاص .
في هذا الكتاب /الشهادة ،يحكي عبدالفتاح فاكهاني عن لحظات الانهيار والاعتراف ” إنه جرح غائر عميق سيبقى في أعماقي نازفا ولن يعرف له اندمالا أبدا …” (ص 41). كما يحكي عن تجربة السجن المركزي بالقنيطرة ،وتجربة الإضراب عن الطعام ،وعن النقاشات الفكرية والسياسية ،وقراءة الكتب والمجلات ،وتعلم اللغات ،وتنظيم الحياة اليومية ،والأمسيات الفنية …يتوقف عبدالفتاح فاكهاني عند التحولات السياسية الدولية والوطنية،خصوصا سقوط جدار برلين سنة 1989،وما عرف ب” البريسترويكا” و” الكلاسنوست” ،مااستوجب القيام بالمراجعة.كما يقف الكتاب عند مبادرة الدولة المتمثلة في طي صفحة الماضي ،منذ إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990 ،وجيء حكومة الاشتراكي عبدالرحمان اليوسفي سنة 1998،ثم مجيء الملك محمد السادس ،والقرارات التي ساهمت في ” تلطيف الأجواء” ،وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 ،دون أن يقفز الكتاب عن الخروقات الجديدة التي صاحبت أحداث 16ماي 2003. وقرار منع ثلاث جرائد أسبوعية (demain -le journal والصحيفة ) يوم السبت 2-دجنبر 2000،وقضية النقيب مصطفى أديب .
يعترف عبدالفتاح فاكهاني أنه في سنة 1981،بعد القيام بمراجعة التجربة ” تخلى عن العديد من الأوهام ” ،وهو ماترجمه في المقال الذي اختتم به هذا الكتاب ” حول أزمة اليسار الجديد ” ،المنشور أصلا باسم مستعار (عبدالكريم الإدريسي ) في مجلة ” الجسور ” العدد 3 أكتوبر -دسمبر 1981.تطرق عبدالفتاح فاكهاني في هذا المقال بالنقد والتحليل إلى قضايا متعدد ، من قبيل الدين،وتقييم الموقف من هزيمة 1967 باعتبارها هزيمة للبرجوازية الصغرى ،والعلاقة بالمنظمة النقابية الطلابية(الاتحاد الوطني لطلبة المغرب) ،واعتبار الحركة الطلابية والتلاميذية طليعة تكتيكية ،والمؤتمر 15، والطبقات الاجتماعية،والطبقة العاملة، بالإضافة إلى قضايا تنظيمية،وأزمة الحركة الشيوعية ،والفكر السياسي الماركسي.
إن الكتاب كشهادة على تجربة فردية وجماعية ،يمثل تشريحا لطبيعة أجهزة الدولة من جهة ،ولطبيعة الحركة الماركسية -اللينينية ،والآثار التي أحدثتها في الحياة السياسية الوطنية . لقد بصم اليسار المغربي في تعدده وتنوعه ،الحياة السياسية والثقافية.وكانت لتضحياته الجسيمة كلفة غالية،ولا يحق تبخيس هذا العطاء ،والمكتسبات المنتزعة دون القفز عن التراجعات الحاصلة . كما يتعين إعادة قراءة كل التجارب بشكل نقدي. فالإخفاق في إحداث التحول الديموقراطي ، وأزمة اليسار وتراجعه وتشردمه ،وأزمة السياسة ،وفقدان الجاذبية الحزبية ، ومآلات توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ،كل ذلك يفرض صياغة العديد من الأسئلة ، تفتح إمكانيات النبش في الأسس والمرتكزات ،والمرجعيات …