وجهة نظر

لماذا لا يجب أن نصدّق دعوات توحيد اليسار المغربي هذه المرة أيضا؟-أيوب داهي

لا يوجد مناضل يساري يعيش تناقضات المجتمع الحقيقية، إلا وتنتابه حالة بهجة و أمل حين يُطرح الحديث عن مشروع وحدة اليسار المغربي، سواء داخل تنظيم موحّد، و إن استعصى الأمر فداخل حزب بتيارات فاعلة، أو في أدنى الحالات داخل جبهة سياسية تقوم على توافق حقيقي حول القضايا الكبرى، لعل اهمها الموقف من شكل النظام السياسي. غير أن هذا الطموح المشروع لا يعفينا من طرح السؤال الصعب بصوت عالٍ: لماذا لا يجب أن نصدّق هذه المرة أيضا؟
السؤال ليس تشاؤما ولا نكاية، بل هو واجب المناضل الذي إكتوى بنيران وحدة موعودة أبت أن تأت ، وأرهقته عقود من الخطاب الوحدوي الذي لا يُفضي إلى شيء. والوقائع، كما سنرى، تتكلم بنفسها.
الدعوة التي أطلقها نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، لتشكيل تحالف انتخابي في أفق استحقاق 23 شتنبر البرلماني القادم، لم تحرك مياه النقاش السياسي الراكدة ، لا داخل الأحزاب المعنية، ولا في وسائل الإعلام الوطنية ، ولا عبر فضاءات التواصل الاجتماعي. وهذا الصمت في حد ذاته رسالة بليغة ينبغي قراءتها بعين فاحصة: فالمغاربة ونخبهم باتوا أقل اهتماما بالشأن اليساري، وغير معنيين بما يجري داخل أحزابه، التي تسير رويدا رويدا نحو الهامش، مهددةً بأن تصبح خارج المعادلة السياسية الوطنية نهائيا.
الحقيقة المُرّة التي لا يجب التهاون في قولها هي أن النقاش الدائر حول هذا التحالف المزمع غير جادّ من أساسه، بل إن تغليفه بشعار “وحدة اليسار” يدخل في خانة التدليس السياسي الذي لا يخدم أحدا. دليلنا على ذلك أن حزب التقدم والاشتراكية يُصرّح علنا بأن وزارة الداخلية هي الجهة الوحيدة القادرة على الإشراف على العملية الانتخابية، في حين يُصرّ الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار الديمقراطي على اللجنة المستقلة. هذا ليس خلافا تقنيا عابرا؛ إنه جوهر الخلاف السياسي، لأن مسألة الإشراف على الانتخابات هي المحك الفعلي لتحديد مدى نزاهة العملية الانتخابية.
فعن أي مشترك نتحدث إذن؟
إن أشد ما يُوجع في هذا المسار أن قواعد عريضة من الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار الديمقراطي لا تزال تجهل الأسباب الحقيقية لتفجير مشروع الاندماج عشية انتخابات 2021. ذلك المشروع الذي استغرق بنائه عقدان من الزمن، وبُذلت من أجله تضحيات مضنية ومجهودات فكرية وتنظيمية جبارة، انهار كل شيء دون أن تُكتب عنه ورقة تقييمية واحدة، ودون أن يُجرى حساب صريح وعلني حول ما جرى. فكيف يُعقل أن تتجه هذه الأحزاب نحو تحالف جديد، وهي لم تُعالج جرحها القديم بعد، ولم تُقدّم لقواعدها ولا للرأي العام اليساري أي تفسير لما حدث؟
يزيد الأمر تعقيدا أن الأحزاب الثلاثة لم يسبق لها أن اجتمعت رسميا، ولم تُصدر بيانات مشتركة، ولم تُنسّق مواقفها داخل البرلمان. وهذا يكشف أن الكلام عن الوحدة ظل حبيس الخطاب، بعيدا عن أدنى اشتراطات الممارسة السياسية المشتركة.
ولن تكتمل الصورة دون استحضار موقف تاريخي فارق: فحزب التقدم والاشتراكية كان أول حزب يُصدر بيانا عام 2011 يرفض فيه النزول إلى الشارع يوم العشرين من فبراير، في حين لا يزال الحزبان الآخران، على الأقل نظريا، ينظران إلى الشارع وإلى الحراك الاجتماعي بوصفه أحد روافد التحول الديمقراطي. إن هذا التباين في العلاقة مع الحركة الاحتجاجية ومع الفعل الجماهيري خارج الأطر الرسمية، ليس مجرد اختلاف في التكتيك، بل هو اختلاف جذري في الرؤية الكاملة لمعنى التغيير ومساراته. فعن اي مشترك نتحدث بعد كل هذا؟
إن السؤال الحقيقي ، الذي يتهرب منه الجميع و الذي يجب على اليسار المغربي اليوم أن يضعه على طاولة النقاش بكل جرأة ووضوح هو سؤال التموقع داخل اللوحة السياسية المغربية. هل يمتلك هذا اليسار الشجاعة على صياغة مشروع سياسي حقيقي، يحتفظ بمسافة نقدية واضحة من الاختيارات الكبرى للدولة، ويتماهى فعليا مع ما يُفرزه المجتمع من راديكاليات اجتماعية ؟ أم أنه يُفضّل الاندماج الكامل في المشروع الطبقي للدولة، والتخلص من ثقل هذه المواقف التاريخية المُرهِقة؟
فما لا يمكن القبول به بعد الآن هو الاستمرار في الدور البئيس الذي يؤديه اليسار اليوم: دور كلب حراسة الحراكات الاجتماعية، يحرسها دون أن يقودها، ويحتويها دون أن يُفجّر طاقتها التغييرية.
الوحدة إن حدثت يوما، لن تُبنى بين هياكل حزبية متهالكة تتفاوض على مقاعد انتخابية. ستُبنى حين يقرر اليسار أن يصير مشروعا للمجتمع، لا مجرد خيار من بين خيارات يُعرض في سوق الاقتراع. وحتى ذلك اليوم، يظل السؤال قائما: لماذا نصدّق هذه المرة؟
أيوب داهي: عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى