مجتمع
ندوة “اليسار الجديد المتجدد” تفجر نقاشاً تنظيمياً داخل الحزب الاشتراكي الموحد: بين منطق الشرعية الداخلية ورهانات التعددية السياسية
2026-03-22
850 3 دقائق

الحنبلي عزيز -تنوير
تشهد الساحة الحزبية المغربية، على بُعد أشهر من الاستحقاقات التشريعية المقبلة، دينامية سياسية لافتة داخل صفوف الحزب الاشتراكي الموحد، على خلفية إعلان التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد عن تنظيم ندوة صحافية يوم الإثنين 23 مارس 2026 بالعاصمة الرباط، لتقديم أرضيتها الفكرية والسياسية والتنظيمية للعموم. خطوةٌ اعتبرها أنصار التيار تجسيداً فعلياً للديمقراطية الداخلية والتعددية، في حين قابلها المكتب السياسي للحزب بموقف حازم، واصفاً المبادرة بـ”غير القانونية” والمخالفة لأنظمة الحزب.
بحسب معطيات التيار، فإن هذه الندوة لا تُعد مجرد نشاط تواصلي عابر، بل تمثل محطة مفصلية في مسار طويل من الاشتغال الداخلي، امتد لأزيد من سنة ونصف، انخرط خلاله مناضلو التيار في إعداد أرضية فكرية وسياسية وتنظيمية، وفق ما تنص عليه القوانين الأساسية والداخلية للحزب.
ويؤكد القائمون على هذه المبادرة أن مشروع “اليسار الجديد المتجدد” لم يولد فجأة، بل جاء نتيجة تراكمات نضالية ونقاشات تنظيمية ممتدة، شاركت فيها مختلف الهياكل الحزبية، من المكتب السياسي إلى لجنة التحكيم والمجلس الوطني، مروراً بلجان مشتركة ناقشت شروط التأسيس ومحدداته.
كما يشدد هؤلاء على أن التيار استوفى، من وجهة نظره، الشروط المطلوبة، بما في ذلك الانخراط في مساطر التسوية التنظيمية والمالية، مع الدعوة إلى تعميم هذه الشروط على كافة أعضاء الحزب دون تمييز، في إطار من الإنصاف والمساواة.
يرى أنصار التيار أن قرار تنظيم الندوة الصحافية جاء في سياق ما وصفوه بـ”تأخر غير مبرر” لانعقاد المجلس الوطني، الذي كان يُفترض أن يحسم في مسألة التصديق على التيار منذ يناير 2026. هذا التأجيل، بحسبهم، أدخل الحزب في حالة من الجمود التنظيمي، وأدى إلى تعطيل دينامية داخلية كانت تسير نحو الحسم المؤسسي.
وفي هذا السياق، يعتبر التيار أن الخروج إلى الإعلام وتنظيم ندوة صحافية لا يشكل خرقاً، بل هو تعبير عن واقع سياسي قائم، بالنظر إلى أن التيار – حسب تعبيره – موجود فعلياً على الأرض، ونظم بالفعل عدداً من الأنشطة الفكرية والسياسية والإشعاعية باسم الحزب، من بينها ندوة وطنية حول مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء.
يراهن التيار على تقديم نفسه كرافعة لتجديد الخطاب اليساري داخل الحزب، عبر طرح “رؤية استراتيجية لحزب المستقبل ولمغرب الغد”، تقوم على تعددية التصورات داخل الإطار الحزبي الواحد، والتنافس المشروع لخدمة المشروع السياسي المشترك.
ويؤكد أن هذه المبادرة تعكس حيوية الحزب ومرونته، وتُجسد روحاً وحدوية خلاقة، تسمح بتعايش مختلف التيارات الفكرية والتنظيمية دون إقصاء، في إطار احترام المؤسسات والقوانين.
كما يعتبر أن الإعلان عن الأرضية الفكرية والسياسية يشكل مكسباً ديمقراطياً، ليس فقط للحزب، بل للمشهد السياسي الوطني ككل، لما يحمله من دلالات على إمكانية تطوير العمل الحزبي من الداخل.
وبحسب البلاغ، ترتكز هذه الأرضية على خمسة محاور أساسية تشمل التوجهات الاستراتيجية الكبرى، وتشخيص الوضع السياسي بالمغرب، إلى جانب ملامح البرنامج الحزبي المنشود، وقضايا التحالفات، وكذا التنظيم الحزبي وأدواته. كما تتضمن الأرضية محورين إضافيين يهمان قضايا الهوية والمسألة الثقافية، فضلاً عن إشكالية الدين والعلمانية، في محاولة لفتح نقاش فكري عميق حول هذه القضايا داخل المشهد الحزبي.
في المقابل، جاء رد المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد حاداً، حيث عبّر عن “استغرابه الشديد” من إعلان التيار، مؤكداً أن ما يسمى بـ”اليسار الجديد المتجدد” يفتقد إلى الشرعية القانونية والتنظيمية، ولا يستند إلى قرارات المؤسسات الرسمية للحزب، وعلى رأسها المجلس الوطني ولجنة التحكيم.
وشدد البيان على أن الدعوة إلى تنظيم الندوة الصحافية تُعد خرقاً صريحاً للقوانين الداخلية، وأن الحزب غير معني بها ولا يتحمل أي مسؤولية عن مخرجاتها. كما لوّح بتفعيل المساطر التأديبية في حق كل من يثبت تورطه في مخالفة الضوابط التنظيمية.
هذا الموقف يعكس تمسك القيادة الحزبية بمنطق الشرعية المؤسساتية، ورفض أي مبادرة لا تمر عبر القنوات التنظيمية الرسمية، خصوصاً في مرحلة سياسية دقيقة.
تكشف هذه التطورات عن صراع تأويلي داخل الحزب حول مفهوم الشرعية:
-
هل تُستمد من احترام المساطر والمؤسسات القائمة؟
-
أم من الدينامية النضالية والواقع الميداني الذي يفرض نفسه داخل التنظيم؟
فالتيار يعتبر أن شرعيته تنبع من اشتغاله الميداني واستيفائه للشروط، ومن حقه التعبير عن نفسه في الفضاء العمومي.
في المقابل، يرى المكتب السياسي أن الشرعية لا تُمنح إلا بقرار صريح من المجلس الوطني، وأن أي تجاوز لذلك يُعد مساساً بوحدة الحزب وانضباطه التنظيمي.
تطرح هذه الأزمة أسئلة عميقة حول مستقبل الحزب الاشتراكي الموحد، وقدرته على التوفيق بين مطلبين أساسيين:
-
الحفاظ على وحدة التنظيم واحترام مؤسساته
-
والانفتاح على التعددية الداخلية وتجديد الخطاب السياسي




