روبينس بيليدور: “بخصوص إشكالية الوجود: جوهر الحقيقة والحرية الإنسانية عند هايدغر” (الجزء الأول)

أحمد رباص تنوير
في هذه المرحلة من الرحلة التي قمت بها بمحض إرادتي بحثا عن مفهومي الحقيقة والحرية في قارة الفلسفة، سنقوم سويا بقراءة مقالة مطولة (140 صفحة) كتبها روبينس بيليدور، الأستاذ الباحث بجامعة شيربروك الكندية، ونشرها على الحامل الورقي سنة 1996 وعلى الانترنيت سنة 2015 تحت عنوان: “بخصوص إشكالية الوجود: جوهر الحقيقة والحرية الإنسانية عند هايدغر”.
بدأ هذا النص بالإشارة إلى أن مسألة الحقيقة هي مسألة “معنى الوجود”. أصبحت متجذرة حتى في ماهيتها الأساسية كحقيقة الجوهر. ويعني الفيلسوف بالجوهر ما يميز شيئا ما باعتباره كذلك. هكذا، تم إدراك فكر الوجود، الذي اشتقت منه هذه المسألة في الأصل، منذ أفلاطون على أنه “فلسفة”، ثم حصل في ما بعد على اسم “الميتافيزيقا” التي ينظر إليها من أساسها كتفكير في الموجود بما هو موجود. إنها تساؤل يتجاوز الموجود الذي تتساءل عنه من أجل استعادته كما هو في مجمله لتحقيق مفهومه. وبالفعل، حيثما طرح السؤال عما هو الموجود، إلا ويقف مرئيا كما هو. وهكذا يكون التمثيل الميتافيزيقي مدينا بهذه الرؤية إلى ضوء الوجود. إنه (السؤال) يتوقف على أن يكون قبل كل شيء في ملكية المعرفة المطابقة للواقعي، ليصبح حدثا مرتبطا بحلول الوجود في الدازاين. إنما في الاختلاف بين الوجود والموجود يعثر على أصله. ولأن الوجود لم يُفترض قط من قبل التفكير الفلسفي كأصل لزمن وتاريخ العالم في هذا التفاعل الثنائي ببن الوجود والموجود، لم تكن حقيقة الوجود أبدا موضوعا للتفكير الموضوعاتي. لعرض هذا البحث الصعب عن مسألة حقيقة الوجود التي لها نفس البنية الدائرية التي لمسألة الوجود، قام الكاتب بإجراء تقطيع معين بدا له ضروريا للاستجابة لحاجتنا إلى فهم أوضح لفكر فيلسوفنا.
أليس هذا ما فعله هايدغر نفسه عندما عرض لأول مرة في كتاباته الأولى، من “الوجود والزمان” إلى “جوهر الحقيقة”، الجانب “المتعالي” لحقيقة الوجود، في حين أن أحدث أعماله، وهي تحتفظ بالنتائج السابقة، لكن عبر استعادتها على أساس أكثر أصالة، حققت منعطف — die Kehre — فكره وفق الجانب “المتعالي” لحقيقة الوجود. هنا أخبر الكاتب قراءه بأن مقالته ستأخذ في الاعتبار الأعمال الأولى فقط، وهذا يعني أنه لن يتطرق إلى المنعطف، لكنه سيركز على هايدغر الشاب وسوف ينتناوله كهلا في حديث لاحق. عندما نشر مارتن هايدغر الجزء الأول من كتابه “الوجود والزمان”، عام 1927، تعرض فجأة فكره، الذي تطور لفترة طويلة في صمت نشاط أستاذ جامعي، للضوء القاسي للوجود العام. في هذا السياق، أكد هايدغر، كما كتب بوغيلر في مقدمة “الوجود والزمان”، أن هذا الكتاب جعل فكر مارتن هايدغر، على ما يبدو، في طليعة الحركة الفينومينولوجية، التي كان يعلم أنه ينتمي إليها، وأنه أهله لأن يتقدم، بشكل أكثر عمومية، على كل الذين كرسوا أنفسهم للفلسفة.
أثار الكتاب إلى حد كبير ظهور مواقف أساسية: البعض رأى فيه محاولة، قام بها الإنسان أخيرا بشكل جذري لأجل غاية حسنة، للارتباط به وحده وبأكمله؛ بالنسبة للآخرين، قدم الكتاب مساعدة كافية لجعل خطاب الإنسان حول الله، أو حتى الكلام الموجه من الله إلى الإنسان، ملموسا بطريقة جديدة. بالنسبة إلى الكثير من الشباب الذين كانوا يبحثون عن طريقهم، أصبح “الوجود والزمان” مرشدا، فقط لأنه في وسط ديحور الثورات والحروب تعلموا رغم كل شيء، من هذا الكتاب، أن يموتوا — في هذا المعسكر أو ذاك — كيف يجربون موتهم الخاص. لا يمكننا أن نكلف أنفسنا بمهمة مكافحة أخطاء التأويلات. ما الفائدة من إظهار أن هايدجر قد أسيء فهمه، — ما ذا يمكن ان يقع،خلال المسار، لو احتقر ايضا نفسه ومٱله؟ قد نسأل أنفسنا: ما الذي يبرر أن هايدغر أسيئ فهمه؟ يمكننا الإجابة بإيجاز، آخذين النازية كمثال.
عدد كبير جدا من الشراح والقراء الذين يربطون أفكار الفيلسوف بانتماءه النازي، لا يوافقون أي شخص على اختياره فلسفة مارتن هايدغر كمسار فكري في الحياة العملية. ربما هناك، كما يشير بيير بورديو، أفكار قليلة محددة ومؤرخة بعمق مثل “الفلسفة الخالصة” لهايدغر. ما من مشكلة من مشكلات العصر، أوإجابة أيديولوجية من”الثوار المحافظين” على هذه المشاكل إلا وتوجد في هذا العمل المطلق، إنما في صورة متسامية وغير معروفة.
ومع ذلك، هناك عدد قليل من الكتب التي تمت قراءتها بطريقة هي كذلك لا تاريخية بشكل عميق. أكثر المستنكرين تصميماً على التنازلات التي قدمها مؤلف كتاب “الوجود والومان” للنازية هم بالذات من أهملوا دائمًا البحث في طياته عن أدلة أو اعترافات أو آثار قادرة على التأشير أو إلقاء الضوء على التزامات مؤلفه السياسية. هؤلاء المستنكرون لم يستطيعوا تجشم عناء السعي إلى معرفة ما كان يريده هايدغر من صيرورته نازيا، فضلوا التدقيق في أعمال الفيلسوف من أجل تسليط الضوء على ما اعتبروه جديرا بالدلالة على معاداة السامية، معتبرين أن العرق هو “وجود-الإنسان”. هذا هو التناقض الذي ننوي حله في نهاية حديثنا، حتى نظهر للقراء الكرام ما أراد تحقيقه من خلاله انتمائه إلى النازية، معتمدين على كلام هايدغر نفسه. المسألة الحاسمة والوحيدة هي معرفة مصدر هذا سوء الفهم، ومن أين يأتي. نظرا للطمأنينة أثناء مشيها نائمة عندما مرت الفلسفة. بجانب القضية الحقيقية والوحيدة في “الوجود والزمان”، لم يكن الأمر، كما أدرك هايدجر في حينه، يتعلق بتفسير خاطئ لكتاب ما، ولكن بهجراننا من قبل الوجود: فهم أصل هذا “الهجران”، البحث عن إمكانية الخروج منه، والاهتداء هكذا إلى مدخل يؤدي إلى ما يجب التفكير فيه والتوجه نحوه، تلك هي المهمة الآن. ما كان نيتشه يريده، من خلال تقاسمه، عبر “فكره الفريد”، من هذا القليل الذي يحجب، بحث عنه هايدجر أيضا في المقالات والندوات والدروس التي يتعين علينا مراجعتها والتي سنذكرها بالترتيب الزمني: “في جوهر حرية الإنسان”، دروس 1930؛ دروس حول استعارة الكهف ومحاورة ثياتيتوس لأفلاطون، شتاء 1931-1932. شيلينغ صيف 1936: مقالة حول جوهر الحرية الإنسانية ونظرية أفلاطون حول الحقيقة، 1942.
لا يمكن لقارئ كتابات هايدغر فهم فكره إلا إذا كان مستعدا لأن يدرك في كل مرة أن ما يقرأه خطوة لا بد من التفكير فيها وانه ما يسير هايدغر نحوه؟ ربما يتوجب فهم فكر مارتن هايدغر، يقول بوجيلر، ليس كطريق تؤدي إلى عدد من الأفكار، بل كمسار يقتصر على هذا الفكر الوحيد والمتفرد الذي يأمل المفكر في توقفه يوماً ما كنجم في سماء الكون: التوجه نحو نجمة واحدة، وهذا وحده”.
توجه على الطريق، وجود-على-الطريق، هكذا كان هايدجر دائما يتصور فكره. في نهاية الجزء المنشور من “الوجود والزمان”، قيل إن الصراع من أجل الوجود ما يزال يتعين القيام به، ولكن هذا يتطلب الاستعدادات: إنما نحو ذلك فقط يتوجه البحث الحالي.
نسيء دائما فهم فكر هايدجر عندما نعتبره طريقا نحو شيء جديد، أحدث ما في الحداثة. إن ما يميز الوجود-على-الطريق وفقا لهذا الفكر يتمثل على وجه التحديد في ما يفعله فقط لإخراج هذا الذي، لكونه سقط في غياهب النسيان، يدعم دائما كل فكر. هكذا لا ينتج هذا الوجود-على-الطريق شيئا جديدا ولا يمثل أبدا تقدما نحو ما لم يسبق له من قبل أن كان موجودا.
على خلاف ذلك، في هذا الفكر، الخطوة إلى الوراء، العودة إلى ما كان، إلى اللامفكر فيه من الأصل الذي يشكل الطريق إلى المستقبل. هذا المسار المؤدي إلى الخلف، هذه العودة التي ما تزال باقية هناك حيث توجد من قبل دائما هي الأصعب، هي “أكثر صعوبة بلا حدود” من سباقات الوعي العلمي-التقني المفتونة بالتقدم. ولأن الفكر الذي يذهب إلى الجوهر يسلك مسارا معينا، يحتحب عن الاهتمام العلمي، الذي يتوجه نحو النتائج االتي هي دائما الأكثر جدة ونحو خطوات التقدم التي خطاها البحث، فضلا عن التذوق الصحفي لما هو في ذلك الوقت على وجه التحديد الحديث والأكثر حداثة.
من المؤكد أن مسار فكر هايدغر يتميز بتبني مواقف نهائية، وبتحولات بطيئة التكوين وانتكاسات مفاجئة. هكذا إذن يمكننا، مثلا، أن نتساءل عن علاقة هايدغر الشاب باللاهوت المسيحي، وهي علاقة سوف يتم الحديث عنها في هذه المقالة؛ في حين لن يقول الكاتب أي شيء عن علاقة هايدغر اللاحق بلاهوت هولدرلين الأسطوري-الشعري؛ كما يمكن أيضا التشكيك في أحكام هايدجر السياسية ومحاولته فهم ما يحدث اليوم في تاريخ العالم.
قد نستطيع كذلك عند الاقتضاء إثارة مسألة المظاهر الغنوصية في “الوجود والزمان” ومسألة المحاولة اللاحقة للعودة إلى العصور القديمة، حيث “ما زال-العالم-وطنا” وحيث يقف الفكر إلى جوار الأسطورة والقول الشعري.
قد نتساءل حتى عن العلاقة التي يحتويها فكر هايدجر بمظاهر حديثة كاللاهوت “الجدلي” أو الفلسفة الوجودية. عادةً ما تحكم مثل هذه الأسئلة على علاقة هايدجر بـ… باسم الإجابة على الأسئلة النهائية للفكر والإيمان. لهذا السبب سيكون من غير المناسب محاولة وضع هايدغر على عجل في السياقات الحالية، أيا كانت، بل الجدير بنا أن نرى إلى أي مدى يقدم فكره نفسه ليس كشيء غريب عن عصرنا، بل ظاهر، ولكل ما فيه من راهنية. لا ينبغي لنا، يقول بوغلير، أن نستعجل إقامة جسر فوق هذه الخاصية غير العادية؛ يجب أن تنفجر الأخيرة أولاً بكل عمقها. في ما يتعلق بالإجابات على الأسئلة النهائية للمعرفة والإيمان، يمتنع هايدجر صراحةً عن أن ينسب إلى الفكر الادعاء المتعجرف بمعرفة حل الألغاز والإتيان بالخلاص. هو نفسه يريد فقط، كطالب مواظب، أن يفحص الفكر كما وجد حتى الآن لاكتشاف ما يحتويه من لا مفكر فيه، ربما لنتمكن من اكتشاف هكذا بطريقته مكان حقيقة الوجود كمكان للبناء والعيش في المستقبل.
ومهما يكن، يكفي أن هذه المقدمة لفكر مارتن هايدجر توضح ولو قليلاً، بالنسبة إلى مسار فكر الفيلسوف في مجمله، ما عبر عنه ذات يوم، خلال محادثة مع ضيف ياباني، عن ذلك بالطريقة التالية، في إشارة إلى مشوار محدد تماما للمسار: “لم اعمل سوى على لتباع مسار غير دقيق، لكنني تابعت. كان المسار بمثابة وعد بالكاد يمكن إدراكه، يبشر بانطلاق نحو الحرية، أحيانا غامض ومزعج، وأحيانا شبيه بالبرق، مثل لمحة مفاجئة، ما تلبث أن تحتجب مجددا لمدة طويلة عن أي محاولة للتعبير عنها.
في نهاية هذه المقدمة، ارتضى كاتب المقالة تقديم نصيحة متعلقة بالقراءة؛ مؤداها أن الإكثار من الهوامش والانهمام بها يحملان في طياتهما خطرا يتمثل في إرهاق الانتباه بالتنقل ذهابا وإيابا بين النص الرئيسي وأسفل الصفحات. ويبدو لنا أيضاً أن أ الطريقة الجيدة للمضي قدما هي قراءة الخطاب دون الاهتمام بالهوامش التي يمكن العودة إليها في النهاية. لم توجد هذه الهوامش لتأطير القراءة وتقييد المعنى بواسطة تعليق أحادي المعنى. لكنها، من الناحية العلمية والأكاديمية، لن تعدو أن تكون إحالات إلى مصادر ومراجع رئيسية أو ثانوية كان لا بد من اسشارتها خلال المراحل التي مر بها البحث.
في كلمة تمهيدية، تساءل روبنس بيليدور: هل إنجاز دراسة تتناول الحقيقة والحرية في جوهرهما أمر ممكن؟ في الوقت الذي تحرز فيه التكنولوجيا تقدما هائلا، حيث نتساءل عما إذا كانت الحقيقة ما تزال تحتفظ بمكانتها، إذا كانت الحرية موجودة بالفعل، ألا يكون المشروع بالفعل على وشك الإفلاس؟ لا شك أننا سوف نواجه المخاطر وسوف نخوض المغامرة. وهي مستبعدة كل فكرة مسبقة، لا تطمح هذه الظراسىة إلى تقديم رؤية تنبؤئة، بل الغرض والهدف الرئيسي منها هو إظهار أن الحقيقة والحرية في جوهرهما بحسب الفكر الهايدغري هما الشيء نفسه، ويشكلان بإطلاق البنية الوجودية للإنسان. هذا الإتسان باعتباره الكائن الذي هو نحن جميعا. ولكن، هل الحقيقة والحرية هما أيضا كائنان من بين كائنات أخرى؟ من السابق لأوانه الجواب على هذا السؤال الميتافيزيقي، الذي سنحصل عليه عندما نسائل الوجود وندركه كما هو في ذاته.
كيف نمضي قدما لاكتشاف ما هي الحقيقة والحرية؟ استنادا إلى قراءة وتحليل نصوص هايدجر، سوف يقدم الكاتب تعريفات مختلفة للحقيقة والحرية عند هايدغر. وانطلاقا من التعريف التقليدي الحقيقة، سوف يبين أن هايدغر وضعه جانبا ليعود إلى الأصل ذاته، ليقول ما هي الحقيقة في جوهرها، وكذلك الحرية. سوف يقوم بالتحقق من التشابهات والاختلافات (إذا كانت هناك اختلافات) بين مختلف المقاطع حول هذه المسألة؛ بمعنى آخر سوف يعرض الرابط أو العلاقة الموجودة بين هذين المفهومين. ولأن هدفه الأسمى هو أن يبين أن الإنسان يستمد أساسه أو بنيته الأنطولوجية من الحقيقة والحرية، سوف يبين، من ناحية، كيف تبلورت توليفة الفكر الهايدجري حول الحقيقة والحرية؛ ومن ناحية أخرى، سوف يعرض، وهو يفكر في الإنسان من حيث جوهره، لتحليل موجز للحرية باعتبارها شرط إمكان ظهور كينونة الوجود، أي فهم الوجود كهدف أخير. وسوف يختتم مقالته، في مقام أول، مع القطب اللاهوتي للحقيقة وتوافق الرسالة الهايدجرية مع الرسالة الإنجيلية حول الحقيقة؛ وفي مقام، ثان، سوف يتعامل بإيجاز مع التزام هايدجر القومي الاشتراكي، نظراً لإصرار فكره على العلاقة بين-الحقيقة-الحرية.هذا ما سيقف عنده القارئ في الصفحات التالية. يقول هايدجر في كتيب له بعنوان “أسئلة” (الجزء الثاني، ص: 108): “إنما في فكر الوجود يدخل تحرير الإنسان من أجل الوجود، التحرير الذي يؤسس التاريخ، في الكلمة”. يؤمن هايدغر في قرارة نفسه بأنه في البدء كانت الكلمة التي ليست، في نظره، “تعبيرا” عن رأي، لكنها منذ الوهلة الأولى تعبير عن حقيقة الموجود ككل. الكلمة بما هي كلمة تتكلم. باعتبارها كلمة البدء، تفتح كل مجالات التساؤل التي تعترف الفلسفة بكونها تنتمي إليها: الكلمة تقول الوجود، الحقيقة، اللغة، المصير، الزمان.
في الفقرة الثانية من “الوجود والزمان”، يقول هايدجر إننا نتحرك قبلا ودائما في صلب فهم عادي وفضفاض للوجود، دون اعطاء أي جواب على السؤال المطروح بوضوح حول معنى الوجود ولسنا قادرين على تطوير هذا السؤال بما يناسب. يجب، في نظره، طرح هذا السؤال عدة مرات لأنه ينتمي منذ البداية إلى تاريخ الفكر الميتافيزيقي على شكل اللامفكر فيه؛ بل يجب رميه جانبا وطرحه من جديد، باسم علل موضوعية فيها تجد “الخاصية المبجلة” لأصل هذا السؤال أصلها.
أفلاطون، ارسطو، القديس توماس، لايبنتز، كل هؤلاء سموا الوجود وتحدثوا عنه دون أن يخلطوه بالموجود. لكن، بحسب هايدحر، نخلطه اليوم بالموجود، وإذا كان هناك خلط، فهو يقف فقط عند الحد الذي يقع فيه وعلى اعتبار أن ما أسماه اليونانيون ontos on أو alèthès on محدد منذ أفلاطون، وكذلك من قبل الوجود، لأن في الموجود يوجد موجود على نحو حقيقي أكثر. لكنهم لم يفكروا فيه انطلاقا من الاختلاف بين الوجود والموجود.
إنما فقط في نص تم الكشف عنه تحت عنوان “في ماهية الحقيقة” سنة 1934، طبع سنة 1943 ونشر سنة 1949، شرع هايدجر في التأمل، للمرة الأولى، عبر عودة إلى اليونان ومجاوزة التجربة اليونانية ذاتها، في الجوهر المحجوب عن المفكرين اليونانيين لما كانوا يسمونه الalèthèia، وأسموه في نفس الوقت تسمية الlèthè الذي تخرج منه الalèthèia. في هذا النص يصل الفكر إلى أعلى درجات تركيزه مع الجملة الأولى من الجزء السادس والتي تحمل عنوان “اللاحقيقة كانسحاب” (والتي سيتم لاحقا توضيحها أكثر). تمت ترجمة هذا العبارة في “أسئلة” (الجزء الأول، ص: 182) على النحو التالي: “التعتيم يرفض لalèthèia كشف الحجاب. إنه يرفض حتى كstérésis (حرمان) مع الاحتفاظ للalèthèia بما هو خاص بها”.
وفقا لجان بوفريه، الترجمة هنا غير أمينة، حيث تم بشكل تعسفي استبدال العبارة الألمانية noch nicht (دون أيضا) بالعبارة الفرنسية même pas (لا حتى). قال هيدجر بالفعل: “دون ايضا”. لو ترجمنا مرة أخرى عن طريق استبدال التعتيم بالانسحاب، نحصل إذن على: “الانسحاب يرفض لalèthèia أن تفقس دون أن تترك الأخيرة المجال فسيحا لأول حقوقها، إنما (الانسحاب) هو الذي يترك ما هو خاص به أكثر ينتمي إليها (alèthèia)”. وبعبارة أخرى، الانسحاب في حد ذاته يلعب دورا سلبيا في تجلي الحقيقة. في “الوجود والزمان”، الانسحاب الموصوف أيضا بالانسحاب من العالم (Entweltlichung)، يسمى من جهة أخرى Veefàllen، ما يمكن ترجمتها ب”انحطاط”. انحطاط مماثل بدأ في الفكر اليوناني بتثبيت الalèthèia على أنها تعني (مفتوح-بدون-انسحاب) لاإخفاء (Un-verborgenheit).
يجب أولاً أن نتعلم احترام “الإيجابي” في جوهرنا الخاص للalètheia وهذا ما سيحاول الكاتب القيام به. يجب أولا حل الأزمة الكامنة في أن الموجود الوحيد دائما، بل الوجود نفسه هو الذي يصبح جديرًا بالسؤال. لندرك أن كلمة krisis (أزمة) باللغة اليونانية تعني حكما، قرارا، اختيارا. وطالما ظلت هذه الأزمة معلقة، ما تزال بداية الحقيقة قائمة، غير مرئية في مأوى أصلها. وهذا هو الأصل الذي سيحاول الكاتب اكتشافه من خلال تتبع يؤدي إلى ماهية الحقيقة.
هوبعد عرض كلمته التمهيدية، انتقل روبنس بيليدور إلى الجزء الأول الذي أفرده لتقديم التعريفات المختلفة للحقيقة عند هايدغر، والذي بدأه بالإشارة إلى أن ما يهمه هنا بالدرجة الأولى مسألة جوهر الحقيقة وحرية الإنسان عند هايدغر، أي الحقيقة والحرية في وجودهما ذاته. من أجل شرح واضح للفكر الهايدغري، سيتم تعريف هذين المفهومين في كل جزء على حدة. في الجزء الأول سيبين الكاتب النهج الذي اتبعه هايدغر ليجعلنا نفهم ما هي الحقيقة في جوهرها، فيما سوف يتضمن الجزء الثاني دراسة الحرية. وعلى عتبة هذا الحزء، هناك توجه نحو الحقيقة وتساؤل حولها. وباقتفاء أثر هايدجر، سوف تكون البداية من التعريف التقليدي أو المفهوم الحالي للحقيقة.
يطرح النهج الهايدغري نفسه تحت بعد مثلث من الأبعاد: (1) بعد حملي أو بعد خبري، (2) بعد قبل حملي أو بعد كينوني، و(3) البعد الوجودي. لتفسير هذا النهج الثلاثي، بدأ الكاتب أولاً بالبعد الحملي منطلقا من حقيقة العبارة إلى الحقيقة الجوهرية وصولا إلى الحقيقة الحملية.
(يتبع)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرجع: RUBENS BÉLIDOR, A propos de la problématique de l Être: L’ESSENCE DE LA VÉRITÉ ET DE LA LIBERTÉ HUMAINE CHEZ HEIDEGGER



