وجهة نظر

في ثراء الحرية ورثاء العبودية! عبد اللطيف أجدور، أزيلال المغرب

قادتني إحدى عطلاتي الصيفية إلى أوروبا مؤخرا، عمقت السفرة في وجداني قناعة سابقة، وهي أن النوع البشرى ينجح إلى الحرية بالفطرة ولك تكن قط ترفا ولا تحصيل حاصل، لكننا نخافها في بلدان العالم الثابت لأنها لا ترادف أكثر من التنصل من كل قيد، والمروق من كل التزام، في فهم قاصر صبياني، أما في أحسن الأحوال فتفيد الإقبال بما ورد فيه المنع والأمر في النصوص الدينية، تماشيا مع السياق العام الذي يعرف أفولا رهيبا للوازعيْن الديني والأخلاقي بين الشباب بشكل مخيف ومهدد للسلم الاجتماعي.

تعد الحرية حاجة إنسانية تقيّدها الضرورات المجتمعية التي حث عليها فلاسقة السياسة فراولز ولوك، يرون أن حرية دون اعتبار للضرورة المشتركة في الاحترام المتبادل والتسامح وتقديم المصلحة العامة وإعمار الأرض محبة وإبداعا وإنتاجية، قد تعصف بحياة رغيدة كالتي يصبو إليها كل فرد فيلسوفا كان أم معتوها. كما تتعدد مستويات الحرية حسب حاجتنا إليها، لنأخذ حرية التفكير مثلا، لا أعتقد أن هناك ألح من تحرير الفكر، حتى ننفلت من هذه النمطية المفزعة والعجز الفادح في الإتيان بجديد نافع، والاختيار بشجاعة في ما يخص كل شيء يمسنا: من يحكمنا ومن يمثلنا، من يشرف على تعليمنا وصحتنا واقتصادنا وأدبنا وعلومنا وبنياتنا التحتية وأطفالنا وبيئتنا وحيواناتنا وحيواتنا.
وفي اختيار ما نريد أن نعتقده دون الإحساس بوخز ضمير، أو حقد دفين تجاه من لا يشاطرنا الرأي. فالعداء لكل شيء مخالف نابع من الخوف على ما نملك من معتقدات. إن وعيا حرا واعيا بأن كل شيء تجري عليه رحى النقاش التي لا تسالم لا بد أن ينحو بنا في النهاية إلى الخير والمصلحة، لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، فأما الزبد فكما تعلمون.

نحتاج للحرية أيضا في اختيار من نريد مصادقته وحبه، وتقاسم حياتنا الناضبة معه، وكذا في اختيار ما نريد أن نعمل فيه ونبدع، وأين نحب أن نعيش وكيف ومع من وإلى متى. دون أن تختار لنا التقاليد أو الإلتزامات العائلية والاجتماعية، أو الترتيبات السياسية الدولية لصناديق النقد والصحة والهجرة والغذاء والأمم المتحدة غصبا ما تشاء، فالأرض لله والاختيار للجميع. ومتى اغتصبنا تلك الحرية، كسرنا أغلالها بغلو وجموح وعنف السجين الفار من السجن بغتة، وهذا بالضبط ما يفسر أحداث جيل زيد، وشغب المدرجات، والانفلات الاخلاقي المقزز على مواقع التواصل.
إن قوانين الفيزياء والرياضيات التي تعتبر أكثر ما في الكون إحكاما وميكانيكية علمتنا أنها أيضا تخضع للنسبية والتخمين وميكانيكا الكم والاحتمال في أحيان كثيرة، وبما أن بعض الحقائق العلمية ليست مطلقة ولا ناجزة، مع اعتمادها أقصى مناهج المنطق والبحث العلمي، فإن بقية الحقائق التاريخية والإيديولوجية والسياسية غير أكيدة بالمرة كذلك، لذا فإن ما نعتقده ونختاره كأسلوب لباس وحياة واختيار جنسي وجسدي وفكري… وما يتبع ذلك من سلوكيات يومية، لا يمكن اعتباره بحالٍ الحق الوحيد الممكن، بل إنه كذلك بالنسبة لنا فقط في حدود إدراكنا المحدود وهذا ما يعلمنا إياه السفر خاصة نحو الشمال أو الغرب حيث توضع كل مسلمات الشرق تحت الاختبار. وبالتالي يجب أن نحترم – بنفس المنطق- ما يعتقده غيرنا حقا مهما بدا لنا شاذا وغريبا

يجب أن نجرب أيها الأحباب أن نحترم حريات الآخرين وتفضيلاتهم، ونبتعد عن خصوصياتهم، للحد الذي يجعل جليسيْن في المقهى لا يلتفتان أبدا للداخلين مستطلعين ملابسهم وسياراتهم ومؤخرات زوجاتهم، وبالقدر الذي يجعل امرأتين لا تتأففان من اختيار غريبة في محل ما لثوب رخيص سوقي في نظرهما الساذج، وللحد الذي لا نسأل معه متزوجا لم استعجل، ومتطلقا لم فعل، ومستقيلا كيف تجرأ، ولخاطب أن يحذر أن يُخدع، ولأعزب لم عزف، ولعاطل كيف عجز، ولمخمور لم شرب، ولممتنع لم امتنع، ولعاشق لم أحب، ولمتعبد لم تنسّك.

إن كل إنسان – أيها السادة – حباه الله بقدرة جبارة على النظر السليم تجاه العناصر الوجودية الحساسة، وببوصلة لن تخطئ مهما ضلت ما دامت تواصل البحث، وبإحساس بليغ بالحقائق حتى وإن عجزنا عن ترجمتها إلى معان لغوية.. لذا لا يجوز لأي كان أن يمارس الوصاية في الاختيار على أي كان، ولا أن يغتصب حريته وخصوصيته كما تفعل أغلب بلدان العالم بدرجات متفاوتة.

إن العالم بأسره مستعبد في عالم يحكمه الساسة بطرق غاية في الشناعة، وأوروبا إنما تعيش درجة أحسن من العبودية كما قالت لي فنانة تشكيلية ذات مرّة، لكنني أجزم أن الحرية كما أراها في الأسطر أعلاه متوفرة لديهم بأقساط وفيرة، وهذا ما يجعلهم أمامنا بخطوات في كل المجالات، في الحين الذي ننشغل فيه نحن، برحلتنا السرمدية للبحث عن الخبز.

أجدور عبد اللطيف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى