ثقافة و فن

روبينس بيليدور: “بخصوص إشكالية الوجود: جوهر الحقيقة والحرية الإنسانية عند هايدغر (الجزء الثامن)

أحمد رباص ـ تنوير
لنتذكر دائما أن هايدغر يتساءل عن الوجود، الذي نعرف معناه بعد كل ما قلناه عن الphúsis. “الوجود الخالص” الذي بحث عنه هايدجر يكمن في بعد مختلف تماما عن جميع المحددات الوقائعية الممكنة أو حتى تلك الواقعية للموجود. لذلك، وهو يسعى جاهدا إلى إقامة هذا “الوجود الخالص” “لذاته” على نمط “التجريد” الخالص، يصادف الفكر “العدم” باعتباره “التحديد” الوحيد لهذا الوجود. الكينونة، الوجود الخالص، بدون أي تحديد، في فوريته اللامحددة (كما يقول هيغل)، لا يساوي إلا نفسه، دون أن يكون غير متساوٍ مع أي شيء آخر: فهو مجرد من كل اختلاف سواء تعلق بداخله أو تعلق بالخارج. بالمثل، العدم، العدم الخالص هو المساواة البسيطة مع الذات، الفراغ التام، غياب التحديد والمحتوى؛ اللاتخالف في صلب الذات. قالها هايدغر قبلا: الوجود لا هو قابل للإدراك ولا هو ملموس. الوجود في كل مكان، في كل لحظة، المعتبر والمفهوم في “est”، هذا “الوجود” لم يكن أبدا وفي أي مكان حاضرا كما هو. بمجرد ما ينسحب “الوجود الخالص” إلا وينتقل إلى “العدم”، بشرط أن نفهم بالطبع أن العدم لا يعني هنا حرمانا أو افتقارا إلى الوجود.
وهذا لا يعني، مثلا، أن “الوجود” غير موجود، ولكن يجب أن نفهم أنه عندما يكون، يكون الوجود موجودا دائما و”ماضيا” من قبل. “الوجود” لا يكون الموجود موجودا إلا عندما يمر إلى العدم. بالنتيجة، يجب أن يُدرج العدم دائما في “الوجود” بشكل إيجابي. يدرج الدازاين باعتباره سلبية “الوجود الخالص”، أي باعتباره موجودا محددا. إنه ليس الوجود باختصار، لكن من خلال إظهار جوهره، يقدم نفسه في الدازاين (الوجود-هنا)، مكانه الوضاء ويمحي في ما يضيء. إذا كنا الآن نغامر بتقريب بين الدازاين عند هيجل والدازاين الهايدغري، يمكننا أن نستحضر العبارة التالية: الإنسان (الدازاين) هو راعي أو مضيء الوجود؛ ويجب أن يُفهم هذا بمعنى أن الإنسان، في التأمل، يصبح واعيًا بكونه في الجوهر الكائن الموجود في الظهور الأبدي والبسيط والمجاني للكينونة من خلال أدنى مظهر، حتى مظهر زهرة برية على جنبات طريق قروي: لأن “البسيط يحفظ بلغز ما يبقى”. في كلتا الحالتين إنما “تظهر” الكينونة في الوجود-هنا.
في الإنسان يظهر الوجود حضوره، وهذا ما يدعم هذه العبارة: الموجود حقيقي بقدر ما يظهر في الحضور. علاقته بالمنفتح الذي يظهره ترسم حدود إقامته. إنه حدث (Ereignis) لاتحجب الوجود المتحجب في ظهور الموجود الذي يشكل في الأساس حقيقة الوجود. وهذا «الظهور» للموجود من حولنا، بالنسبة للكائن هو نحن، يحتوي ويمنح، لمن يعرف كيف ينظر، كل لغز هبته المجانية البسيطة، و”اتركه-يظهر” الذي يجعل من الإنسان “انفراجة” أو “إضاءة” (Lichtung) للوجود، المكان الوحيد الذي فيه يتكرر “سؤال الوجود”.
سوف نستمر في توضيح العلاقة بين الوجود والحقيقة الأنطيقية من خلال تقديم الفهم الأرسطي للحقيقة على أنها انفقاس الوجود-الحق كحضور مستمر. هذه الخطوة إلى الوراء سوف تسمح لنا بفهم أفضل لفكر هايدجر الخاص حول الوجود والحقيقة.
سوف تتأطر هذه العودة بالحقيقة (alèhèia) كانفقاس، وبالوجود-الحق (alèthès on) كموجود على نحو أكثر صحة؛ وكالموجود الأصح باعتباره بسيطا وحاضرا باستمرار.
منذ البداية وخلال بقية العرض، ركز بيليدور على مختلف تعريفات الحقيقة والحرية والوجود. وليس من قبيل الصدفة البحتة أن يتصرف الكاتب بهذه الطريقة. كان الهدف هو جمع المعاني الدقيقة في أساس واحد، تلك التي يمكن أن تكون بمثابة وثائق داعمة في إقامة العلاقة بين هذه المفاهيم الرئيسية وإظهار تماسك الفكر الهايدجري. دعونا نلخص بإيجاز تعريفنا للوجود كPhúsis: أي ذاك التعريف الذي يفيد الازدهار انطلاقا من الذات، الانعقاد في النور باستمرار. فعل الانتشار بالانفتاح، وفي هذا الانتشار، القيام بالظهور، الانعقاد في هذا الظهور، والبقاء فيه.
سبق للكاتب أن قال إن ماهية الوجود تتجلى في إظهار الذات وتقديم الذات. اعتبر أرسطو فعل الانتشار ذاك بالانفتاح كانفقاس. هايدجر يشرح لنا الطريقة التي اول بها أرسطو الحقيقة. خلال المسار، تساءل عما كان يعني الإغريق بشكل عام، ما قبل فلسفيا وفلسفيا بالحقيقة؟ الأليثيا، الوجود-خارج-الانسحاب (Unverborgenheit): الوجود-المنفقس، أي المطروح من الانسحاب. الحقيقة كانفقاس خارج الانسحاب، هي بالتالي، وفقا لأقوال هايدغر، منذ البداية خاصية الموجود ذاته، وليس لمعرفته وإدراكه، ما يدعم الاعتراض على لحقيقة باعتبارها مطابقة.
في ميتافيزيقاه، يطرح أرسطو مشكلة الوجود وهو يتساءل: متى يكون الموجود-الحق كذلك أو ليس كذلك، أي متى يكون الموجود كذلك بحيث يمكن أن يكون حقيقيا؟ كيف يجب أن يكون الوجود-الحق للموجود حتى يكون حقيقيا، منفقسا؟ متى يكون الموجود كذلك بشكل صحيح يجيب هايدغر على كل هذه الأسئلة كالآتي: عندما يستثتى من جميع وجهات النظر كل إمكان للاحقيقة في الموجود، أي عندما ينكشف الموجود كما هو موجود: الحقيقة الأنطيقية.
لقد رأينا كيف أن ماهية الـalèthèia (التي نترجمها بالحقيقة) لا تكون عند الإغريق ممكنة إلا بالاتفاق مع ماهية الوجود كphúsis في عرفهم، وتصبح العلاقة المطلوبة بين الوجود والحقيقة واضحة تماما، لأن الحقيقة تنتمي إلى الوجود. كيف يمكن تبرير هذا الانتماء؟ يتم ذلك عندما يشكل الوجود-الحق أصح ما في الوجود باعتباره كذلك. ولكن ما هو الوجود بحسب أرسطو؟ إنه حضور ثابت. وطالما أن الحقيقة نفسها لا تعني شيئا آخر غير الحضور بمعناه الصحيح، الأكثر علوا ممكنا، إذن هناك وجود. إن الموجود بالمعنى الصحيح وفقا لأرسطو هو ال”on Energeïa”، أي الموجود وفقا للتحيين. Energeïea هي بالمعنى الصحيح ما ينعقد في الحضور الثابت؛ من هنا مبرر تعبيرنا اللطيف الذي قلنا عنه سابقا إنه استرعى انتباهنا قليلًا، وهو: الانعقاد في الحضور. (راجع ص: 76 في النص الأصلي) الحقيقة (الحقيقة الأنطيقية) هي انفقاس الموجود، وإنما فقط على أساس وفي علاقة بهذا الانفقاس، هذا المجيء إلى الظهور (أي الحضور)، يكون إدراك وتحديد الموجود ذاته صحيحين بالمعنى الاشتقاقي، وبعبارة أخرى يستقبله أو يرفضه باعتباره منفقسا. هذا الانفقاس للموجود، أليس انكشافا، ظهورا للphúsis كما شرحنا سابقا نقلا عن النسق المفاهيمي لأرسطو؟
ذلك بالضبط لأن الحقيقة هي في الأساس انفقاس للموجود بحيث أن أن أي جهة للانفقاس (الحقيقة) تنتظم وتتحدد في كل مرة وفقا لجهة الموجود، أي وفق وجوده.
يقول أرسطو في نهاية الفصل الأول من الجزء “أ” من كتابه عن “الميتافيزيقا” بعبارات واضحة وأولية: “هكذا يتصرف كل شيء حيال الوجود، هكذا يتصرف حيال الانفقاس” (أي الأليثيا). هكذا إذن تقرر جهة الوجود والموجود في جهة الانفقاس الممكن الذي تنتمي إليه. هذا الانفقاس (alèthèia) يسير جنبا إلى جنب مع الوجود. إلى الموجود بالمعنى الصحيح، كما هو، ينتمي الوحود-الحق بشكل صحيح. لكن الذي يطرح المشكل، يؤكد هايدجر، ليس جهة ما لحقيقة موجود ما، بل حقيقة الموجود بالمعنى الصحيح، أي الحقيقة بمعناها الصحيح. إنما هنا في الحقيقة بالمعنى الصحيح للموجود بالمعنى الصحيح يتعين أن تصبح مرئيا الاتصال بالمعنى الصحيح بين الوجود والحقيقة. بعبارة أخرى، هنا يجب أن يتجلى كيف تشكل الحقيقة بشكل عام الوجود بالمعنى الصحيح للموجود بالمعنى الصحيح. انفقاس الموجود ينتظم على جهة الوجود والموجود.
(يتبع)
المرجع ذاته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى