افتتاحية

مالي: موقف مغربي ثابت وصمت جزائري غامض بشأن التحديات الأمنية والإقليمية

أحمد رباص ـ تنوير
على عكس الجزائر، ظل المغرب ملتزمًا بسياسة ثابتة تجاه قضية مالي، رغم الظروف غير المتوقعة. ويرتكز هذا النهج على ركيزتين أساسيتين: الدفاع عن وحدة أراضي الدول، والالتزام الجاد بمحاربة الإرهاب.
أدان المغرب بشدة “الهجمات الإرهابية والانفصالية” التي استهدفت مالي في 25 أبريل الجاري. ولا يستند هذا الموقف إلى اعتبارات ظرفية، مثل سحب الحكومة المالية، قبل أيام قليلة، اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” المعلنة من جانب واحد، بل هو جزء من عقيدة دبلوماسية ثابتة وراسخة.
في الواقع، لطالما دعمت المملكة سيادة مالي، حتى خلال فترة “شهر العسل” مع حركات أزواد، ويتجلى ذلك في استقبال الملك محمد السادس، في يناير 2014، في الرباط، لبلال أغ الشريف، الأمين العام للحركة الوطنية لتحرير أزواد، برفقة المتحدث باسمه، موسى أغ طاهر.
جاء هذا اللقاء في خضم مفاوضات جرت في الجزائر العاصمة برعاية فرنسية بين حكومة الرئيس السابق إبراهيم بوبكر كيتا والمعارضة المالية، والتي كانت تسير نحو اتفاق سلام. ورغم استبعاد المغرب من هذه العملية، إلا أنه لم يؤيد قط إنشاء “دولة أزواد”. في ذلك الوقت، عامي 2014 و2015، عارضت الجزائر بشدة مطالب حركات الطوارق بالاستقلال. وكان هذا المبدأ أحد المبادئ التي ساهمت في ترسيخها في اتفاقيات الجزائر في مارس 2015.
بعد عقد من الزمن، طرأ تحوّلٌ ملحوظ. غيّرت الجزائر موقفها، ورحّبت ترحيباً حاراً بممثلي حركة الطوارق الأمازيغية. في 26 فبراير 2023، استقبل الرئيس عبد المجيد تبون أعضاءً من جماعات أزواد، موجّهاً بذلك رسالةً مباشرةً إلى السلطات العسكرية المالية التي استولت على السلطة في انقلاب غشت 2020.
يوم 30 دجنبر 2024، نجحت الجزائر في توحيد عدة جماعات أمازيغية تحت راية جبهة تحرير أزواد. تبع ذلك تحالفٌ بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تُعتبر تابعةً لتنظيم القاعدة وتتلقى تمويلاً من الجزائر. أثار هذا التقارب، الذي وُصف بأنه “تحالفٌ غير طبيعي”، مخاوف جدية بشأن الاستقرار الإقليمي.
في هذا السياق، يبقى دور بعض الشخصيات والجماعات الإرهابية مصدر قلق. يواصل إياد أغ غالي، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المهمة التي أوكلت لسنوات إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال، ثم إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي قاده الجزائري عبد المالك دروكدال (المعروف ايضا بابي مصعب عبد الودود) لفترة طويلة، والذي قُتل في يونيو 2020 خلال عملية نُسبت إلى الجيش الفرنسي.
يشكل هذا التقارب بين الجماعات الإرهابية والحركات الانفصالية، التي تُصوَّر أحيانًا على أنها علمانية، تهديدًا كبيرًا لمنطقة الساحل وغرب أفريقيا بأكملها. ويُضعف هذا التقارب بشكل خاص الدول ذات المؤسسات الهشة، مثل موريتانيا والنيجر وتشاد، وكذلك الدول الأكثر استقرارًا مثل السنغال، التي تواجه مطالب انفصالية في كازامانس.
وكما فعل المغرب، أدانت الولايات المتحدة أيضًا الهجمات الانفصالية والإرهابية على مالي. في المقابل، التزمت السلطات الجزائرية الصمت حيال هذه التطورات، بينما تدّعي علنًا أنها تخوض “حربًا ضد الإرهاب”، مما يُؤجج الانتقادات الموجهة إليها بسبب ازدواجية المعايير الصارخة.
في خبر ذي صلة، قُتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا، وزوجته الثانية واثنان من أطفاله، السبت في هجوم لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين على منزله في كاتي قرب باماكو، حسبما علمت وكالة فرانس برس من عائلته ومصدر حكومي وعسكريين.
وقال أحد أفراد عائلة كامارا “في هجوم كاتي، قُتل الوزير كامارا مع زوجته الثانية وطفلين صغيرين”. وأكد مصدر حكومي قائلا: “لقد فقدنا شخصا عزيزا جدا، وزير الدفاع. لقد سقط في ساحة الشرف”.
واستهدف يوم السبت منزل كامارا (47 عاما) بانفجار سيارة مفخخة، خلال هجوم منسّق بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة للقاعدة والمتمردين الطوارق من جبهة تحرير أزواد على أهداف قرب باماكو وفي عدد من المدن الرئيسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى