محمد جرو/تنوير/
تحتفل المملكة المغربية وجمهورية ألمانيا الاتحادية ،بمرور أكثر من 70 سنة من العلاقات بينهما ،إذ تعود هذه العلاقات للقرن18..
وفي هذا الإطار ،حل وزير الخارجية الألمانية نهاية أبريل الماضي ،كان محط إهتمام مجموعة من المراقبين .الملفت الأول في زيارة فاديفول يوهان ،هو أنه قبل لقائه بنظيره المغربي ناصر بوريطة في مقر وزارة الخارجية بالرباط (الخميس 30 أبريل )، اختار وزير الخارجية الألماني أن يستهل يومه الثاني ، بزيارة إلى ضريح الملك الراحل محمد الخامس بمسجد حسان، في خطوة تحمل أبعادًا رمزية في سياق العلاقات الثنائية بين برلين والرباط، ولم تكن هذه الزيارة مجرد محطة بروتوكولية عابرة، وإنما وقفة أعادت التذكير بمحطة تاريخية في مسار المغرب الحديث، ترتبط بمواقف اتخذها العاهل الراحل خلال الحرب العالمية الثانية.
وفي الدفتر الذهبي للضريح الملكي ،الذي يرقد فيه الملك الراحل الحسن الثاني والأمير مولاي عبد الله ،دوّن الوزير الألماني إشادة بدور محمد الخامس في حماية اليهود من المحرقة النازية (الهولوكست). ففي ذلك التاريخ ،المصادف للحرب العالمية الثانية ،رفض المغرب تطبيق القوانين المعادية لليهود التي أصدرتها حكومة فيشي الفرنسية الموالية لألمانيا. واليوم، تعد الجالية اليهودية في المملكة الأكبر في شمال إفريقيا، بحسب معلومات وكالة الأنباء الفرنسية “أ ف ب” ،تناولتها الصحيفة الألمانية DW في نسختها العربية في تغطيتها للزياة..وبنفس المناسبة،بضريح محمد الخامس اعتبر يوهان فاديفول في تدوينته ،أن تلك المواقف لا تزال حاضرة في الذاكرة التاريخية. وكتب في الدفتر معبرا عن: “تقدير عميق للموقف الشجاع الذي اتُخذ لحماية اليهود واللاجئين من أوروبا في عهد النازية. لن ننسى ذلك أبداً”.
الزيارة ذاتها ،وفي ظل ظروف عامة يمر منها المغرب ،وهو يستعد للتنظيم الثلاثي لمونديال 2030 مع إسبانيا والبرتغال ،وبحكم مكانة الرياضة في النسيج المجتمعي الألماني ،يعكس شغفهم بالمستديرة ،استرجع الجميع من جهة ،مواجهة المنتخبين المغربي والألماني في سبعينيات القرن الماضي ،أبهر العالم والجماهير الألمانية كفريق أفريقي عربي نازل المكينة الجرمانية بنفس الندية ولولا الحظ لخرج منتصرا .. إلى جانب وصول رفاق باموس ،بابا ،من الجيل الجديد للمربع الذهبي في مونديال القرن بقطر سنة 2022 كأوا بلد افريقي وعربي ،دفعت بالديبلوماسي الألماني لنزع بذلته الرسمية ،في إطار الدبلوماسية الرياضية ،وارتدى حذاءً رياضياً متوجها لميدان مركب محمد السادس بسلا في إشارة رمزية ، حيث استقبلته لاعبات فريق أقل من 18 سنة، و بادر بسؤالهن عن نظام التكوين والدراسة، قدمت إحداهن عرضاً موجزا باللغة الإنجليزية قائلة: “نحن ندرس في الصباح ونتدرب في المساء، جئنا من مناطق متعددة من المغرب، لكننا مثل الأخوات، نشكل عائلة كبيرة هنا”.
يوهان قاد مباراة رمزية جمعت فريقه بفريق اللاعبات، بمشاركة الدولي الألماني من أصل مغربي كريم بلعربي. ولم تكن مجرد مباراة استعراضية، بل تحولت إلى مواجهة حماسية اتسمت بالندية وروح المنافسة والحماس قبل أن يختتمها فاديفول قائلاً بابتسامة: “كرة القدم هي من انتصر، والروح الرياضية فوق كل شيء”. حسب تغطية DWعربية ثم تبادل الفريقان القمصان الوطنية في مشهد يجسد المعنى الحقيقي للتقارب بين الشعوب عبر قنطرة الرياضة ومنها كرة القدم..
قبل ختم برنامج زيارة وزير الخارجية الألماني ،وفي شقها الإقتصادي ،وهي رسالة أراد ذات المسؤول أن يوجهها للجميع ،قبل حتى أن يزور الرباط ،
صرح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأن الكوادر المتخصصة القادمة من المغرب تقدم إسهاماً مهماً في الإقتصاد الألماني. وخلال مؤتمر صحفي مع نظيره المغربي ناصر بوريطة في العاصمة الرباط، قال فاديفول إن أكثر من 13 ألفاً و500 مغربي قدموا إلى ألمانيا خلال العامين الماضيين لدعم الاقتصاد الألماني. وأضاف الوزير أنه في قطاع الرعاية وحده، حصل أكثر من 3000 شخص من المغرب في عام 2025 على تأشيرات للعمل أو التدريب.
وأكد فاديفول أن ألمانيا لا تزال لديها “حاجة هائلة إلى عمالة ماهرة مدربة تدريباً عالياً”، مشيراً إلى أن العمالة القادمة من المغرب لا تدعم النجاح الاقتصادي فحسب، بل تسهم أيضاً في تعزيز التماسك الاجتماعي.ووصف وزير الخارجية الألماني المملكة المغربية بأنها “مركز ثقل اقتصادي”، ورأى أنها توفر بذلك أساساً جيداً لمزيد من التعاون.
وتسعى الحكومة الألمانية، بحسب يوهان فاديفول، إلى تعزيز التعاون مع المغرب وخصوصاً في مجالات صناعة السيارات والطاقة والهندسة الميكانيكية والزراعة؛ وقال فاديفول إن الهدف من ذلك هو الاستفادة بشكل أكبر من الإمكانات المتاحة. وأكد أن إتقان اللغة الألمانية بشكل جيد يظل شرطاً أساسياً، خاصة في قطاعي الرعاية والصحة.
ويرى فاديفول إمكانات نمو كبيرة في العلاقات الاقتصادية، لا سيما في قطاعات الطاقة المتجددة والمواد الخام الحيوية، وكذلك في مجال الهيدروجين.
ليس من باب المصادفة،إذن أن يتمم ماقاله وصرح به بألمانيا ،وهنا بالرباط ،وهو أول نشاط دبلوماسي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في المغرب قام بزيارة إلى مصنع الكابلات وإنتاج أسلاك السيارات بمنطقة بوقنادل، غير البعيدة عن الرباط. فهذه المحطة تعكس بوضوح الأولوية التي توليها برلين للشراكة الاقتصادية مع الرباط، في سياق دولي دقيق يتسم بتحديات الطاقة والتوترات الجيوسياسية.
ومن قلب هذا المصنع، التابع لشركة “Sumitomo Electric Wiring Systems”، أكد فاديفول أمام الصحفيين أن “المغرب يمثل لنا جسراً بين القارة الأوروبية وأفريقيا”، مشدداً على متانة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث تستثمر أكثر من 300 شركة ألمانية في المملكة.
وأوضح الوزير الألماني أن سلاسل الإنتاج أصبحت متداخلة بشكل يعكس عمق هذا التعاون، قائلاً إن الكابلات التي يتم تصنيعها في المغرب تُستخدم لاحقاً في السيارات الألمانية، ما يعني أن العديد من المنتجات التي تحمل علامة “صنع في ألمانيا ” تتضمن في الواقع مكونات ” صنعت في المغرب”.
ولم يقتصر حديثه على قطاع السيارات، بل أشار أيضاً إلى أن المغرب يشكل مصدراً مهماً للمواد الخام، في دلالة على تنوع مجالات الشراكة الصناعية بين البلدين.
وفي سياق التحولات العالمية في مجال الطاقة، أبرز فاديفول الدور المتقدم الذي بات يلعبه المغرب في مجال الطاقات المتجددة ، معتبراً أن هذا المجال يمثل أفقاً واعداً للتعاون الثنائي. وأشار إلى أن بلاده، في ظل سعيها لإيجاد بدائل مستدامة لمصادر الطاقة ، تنظر باهتمام إلى الطموح المغربي ليصبح أحد أبرز المنتجين العالميين للهيدروجين الأخضر، فضلاً عن مكانته الريادية في مجالي الطاقة الشمسية والريحية على مستوى القارة الأفريقية.
يذكر في هذا السياق ،أن المغرب يعتبر ثاني وجهة استثمارية لألمانيا والشريك الثالث له في إفريقيا
تشهد العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا والمغرب تطوراً مطرداً، فقد أصبح الأخير ثاني أهم وجهة للاستثمارات الألمانية وثالث أهم شريك تجاري لها في أفريقيا.ففي عام 2025، استوردت ألمانيا من المغرب سلعاً تزيد قيمتها على 3.4 مليارات يورو، بينما بلغت الصادرات الألمانية نحو المغرب نحو 3.9 مليارات يورو. وتعمل نحو 300 شركة ألمانية في المغرب، منها حوالي 30 تمتلك مواقع إنتاج أو فروعاً خدمية، وتوفر هذه الشركات ما يقارب 35 ألف فرصة عمل.
وقد وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 7.37 مليار يورو (2025) فيما كان هذا الرقم لا يتعدى 4.9 مليار يورو عام 2022، كما دخل المغرب قائمة الخمسين دولة الأولى التي تشكل وجهة للصادرات الألمانية، إذ يحتل المرتبة 49.
أما الصادرات المغربية لألمانيا فتشهد بدورها نمواً متسارعاً، إذ بلغت العام الماضي 3.47 مليار يورو. وتُعد ألمانيا كذلك من أكبر الشركاء الثنائيين للمغرب في مجال التنمية. وخلال المفاوضات الحكومية التي جرت في نوفمبر/ تشرين الأول 2025 في برلين، تم التعهد بتقديم 634 مليون يورو، معظمها على شكل قروض قابلة للسداد من قبل برلين.
في الجانب السياسي ،إختار الدبلوماسي الألماني ،أن يؤكد للرباط تثمين جمهورية ألمانية الإتحادية للمجهودات التي تقوم بها المملكة وبمعية الأمم المتحدة لطي ملف الصحراء الغربية المغربية ،فأعرب فاديفول عن ثقته في التوصل إلى حل سياسي لنزاع الصحراء الغربية. وأكد أنه من الواضح أن “حلاً سياسياً عادلاً ودائماً ومقبولاً من الطرفين لا يمكن تحقيقه إلا من خلال المفاوضات”، بحسب وكالة “فرانس برس”.
وخلال المؤتمر المؤتمر الصحفي بمقر وزارة الخارجية المغربية يوم 30أبريل 2026 جمعه بنظيره المغربي ناصر بوريطة وزير الخارجية والتعاون ،اعتبر القرار الأممي 2797 الذي جاء فيه أن خطة الحكم الذاتي المغربية (المقدمة عام 2007) بأنه إطار عمل للتفاوض “يمكن أن تشكل أحد المخرجات الأكثر قابلية للتطبيق”. كما جدد التأكيد على الموقف الألماني الذي يؤد خطة الحكم الذاتي كأساس للتفاوض بين أطراف النزاع.