أخر الاخبار

النقابة الوطنية للصحافة المغربية تدق ناقوس الخطر… ومراكش نموذجًا للفوضى الإعلامية وتهميش الأقلام الحرة.

متابعة سعيد حمان

في وقت تتعالى فيه الأصوات المطالبة بإصلاح قطاع الصحافة والإعلام بالمغرب، جاءت مخرجات تقرير النقابة الوطنية للصحافة المغربية حول حرية الصحافة وأوضاع الصحافيين لتكشف حجم الأعطاب البنيوية التي يعيشها الجسم الإعلامي، في ظل تحولات رقمية متسارعة، واختلالات قانونية ومهنية واجتماعية تهدد جوهر الممارسة الصحافية واستقلالية الكلمة الحرة.التقرير لم يكن مجرد تشخيص عابر، بل بمثابة جرس إنذار حقيقي حول واقع إعلامي بات يزداد تعقيدًا، خاصة مع انتشار الأخبار الزائفة، وتراجع الثقة في عدد من المنابر التي تحولت من فضاءات للتنوير إلى أدوات لتصفية الحسابات والابتزاز والتشهير.وإذا كان التقرير قد تحدث عن الوضع الوطني بشكل عام، فإن مدينة مراكش أصبحت اليوم نموذجًا صارخًا للفوضى الصحافية والعشوائية الإعلامية، في ظل تهميش ممنهج للصحافيين المهنيين وأصحاب الأقلام الحرة، مقابل صعود ظواهر دخيلة على المهنة تستغل غياب الرقابة وضعف التنظيم الذاتي.ففي المدينة الحمراء، لم يعد المشهد الإعلامي محكومًا بقواعد المهنية وأخلاقيات المهنة، بل أضحى في بعض جوانبه رهينًا بمنطق الولاءات والمصالح الضيقة، حيث تحولت بعض الصفحات والمنابر إلى منصات للإشهار المقنع، وتلميع بعض الوجوه، أو مهاجمة الأصوات المزعجة التي ترفض الاصطفاف داخل شبكات النفوذ.الأخطر من ذلك، أن عددا من الصحافيين الذين اختاروا الدفاع عن استقلالية المهنة وفضح الاختلالات، وجدوا أنفسهم عرضة للتهميش أو الاستهداف أو الإقصاء غير المعلن، في وقت يتم فيه فتح المجال أمام أشخاص ينتحلون صفة الصحافي دون تكوين أو احترام للضوابط المهنية.
إن ما تعيشه مراكش اليوم يعكس أزمة أعمق داخل الحقل الإعلامي الوطني، عنوانها غياب رؤية حقيقية لإعادة الاعتبار للصحافة الجادة، وترك المجال مفتوحًا أمام الفوضى الرقمية التي أساءت للمهنة ولصورة الصحافي المهني.كما أن هشاشة الأوضاع الاجتماعية للصحافيين ساهمت بشكل مباشر في إضعاف القطاع، حيث يشتغل العديد منهم في ظروف صعبة، بأجور هزيلة وبدون حماية اجتماعية حقيقية، بينما تستفيد بعض الجهات من الريع الإعلامي والإشهاري بعيدًا عن أي عدالة مهنية أو تكافؤ للفرص.وفي سياق متصل، يثير استمرار متابعة صحافيين بمقتضيات القانون الجنائي مخاوف متزايدة داخل الجسم الإعلامي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا النشر والرأي، ما يطرح أسئلة حقيقية حول مستقبل حرية التعبير بالمغرب، ومدى قدرة المؤسسات على حماية الصحافة باعتبارها سلطة رقابية مستقلة لا أداة للترويض أو التخويف.إن إصلاح قطاع الصحافة لا يمكن أن يتحقق عبر قوانين فوقية أو مقاربات إقصائية، بل يحتاج إلى إرادة حقيقية تنطلق من احترام التنظيم الذاتي للمهنة، وإشراك الفاعلين المهنيين، وضمان استقلالية المؤسسات الإعلامية، مع القطع مع كل أشكال الريع والتوظيف السياسي والإشهاري للإعلام.فالصحافة ليست وسيلة للابتزاز أو تصفية الحسابات، بل رسالة مجتمعية تقوم على نقل الحقيقة والدفاع عن قضايا المواطنين، وترسيخ قيم الديمقراطية والشفافية.ويبقى الرهان اليوم، أكبر من مجرد تعديل قانون أو تغيير مؤسسة، بل يتعلق بإنقاذ ما تبقى من ثقة المواطن في الإعلام، وإعادة الاعتبار للصحافي المهني الذي يدفع ثمن مواقفه واستقلاليته في زمن أصبحت فيه الكلمة الحرة مكلفة أكثر من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى