اخرى
محمد بنراضي.. مناضل عاش للوطن ورحل في صمت

الحنبلي عزيز -متابعة
كانت الصرخة الأولى لمحمد بنراضي في قبيلة مدغرة بمنطقة تافيلالت سنة 1935، حيث رضع من أرضها قيم الصبر والصدق والتحدي والمجابهة والتمرد على الظلم، وقول الحق دون خوف أو تردد.
في بلدته الأم، تلقى تعليمه الأولي في الكتاب وحفظ القرآن الكريم، قبل أن يرسله والده إلى مدينة مكناس لمتابعة دراسته في مدارسها العتيقة. وفي سنة 1950، شد الرحال إلى تونفيت لمواصلة مساره التعليمي، حاملاً معه شغف المعرفة وبذور الوعي المبكر.
اختار محمد بنراضي درب النضال من أجل مغرب حر وديمقراطي، يتسع لجميع أبنائه دون تمييز أو إقصاء. كان يرفض منطق الثنائيات الجائرة: سيد وعبد، حاكم ومحكوم، غني وفقير، آمر ومأمور، مركز وهامش. وبسبب هذا الاختيار، أدى ثمناً باهظاً من حريته، إذ تعرض للاعتقال سنوات 1955 و1957 و1958 و1960 و1961 و1963 و1965 و1967 و1973 و1975 و1981 و1983.
ومن اللافت أنه رفض تعويض هيئة الإنصاف والمصالحة المخصص لضحايا سنوات الجمر والرصاص، انطلاقاً من قناعته بأنه لم يكن يناضل من أجل المال، بل من أجل التغيير، والكرامة، والحرية، والعدالة.
كان محمد بنراضي هادئاً في طبعه، شجاعاً في مواقفه، قادراً على التواصل مع مختلف الشرائح الاجتماعية بلغة بسيطة، واضحة وقوية، تصل إلى القلب قبل العقل. ولم يكن يتردد في مواجهة الفساد والمفسدين بكل جرأة وبسالة، مجسداً في مساره قول المتنبي:
تمرّستُ بالآفاتِ حتى تركتُها
تقولُ: أماتَ الموتُ أم ذُعرَ الذُّعرُ
لم يكن محمد بنراضي يسكن الوطن فقط، بل كان الوطن يسكنه. لذلك أخلص له في نضاله، وحلم بأن يراه متقدماً في كل المجالات، متحرراً من الظلم، ومتجهاً نحو نهضة حقيقية تليق بأبنائه.
كثيراً ما جالسته، وطالما قدم لي نصائح ظلت عالقة في الذاكرة، منها:
قل كلمتك دون جبن.
أدر ظهرك للتافهين.
لا تستجدِ أحداً إذا كنت صاحب حق.
البلاد تحتاج إلى مناضلين حقيقيين، لا إلى مناضلين حربائيين.
احذر الذين يبالغون في تقبيل الوجوه، لأنهم غالباً متعددو الوجوه.
في 18 ماي 2012، رحل محمد بنراضي جسداً، لكنه لم يرحل من ذاكرة النضال. فقد بقي اسمه منقوشاً بإزميل من ذهب في سجل المناضلين الصادقين، أولئك الذين عاشوا من أجل المبادئ، لا من أجل المكاسب.
المحجوب عرفاوي
الذكرى 14 لرحيل فقيدنا سي محمد بنرادي
