ثقافة و فن

أقبية الحلكة: من عتمة الوجود إلى سؤال المعنى

د.آمال بوحرب*
تقوم العلاقة بين الفلسفة والرواية والشعر على تداخل عميق في السؤال عن الإنسان والعالم واللغة. فهذه الأجناس الثلاثة رغم اختلاف أدواتها تشترك في السعي إلى فهم الوجود وتمنح الفكر أشكالًا متعددة للتعبير عن القلق والمعنى والحرية والزمن. وقد عرف التاريخ الثقافي منذ القديم هذا التداخل فالفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو كانت تتحاور مع الشعر والخطابة والدراما وتحدد موقعها داخل المدينة والمعرفة كما أن أفلاطون نفسه جعل من الحوار الفلسفي شكلًا أدبيًا قريبًا من المسرح الفكري. وفي التراث العربي ظل هذا التشابك حاضرًا كذلك إذ انفتح الفلاسفة والمتصوفة على البلاغة والتمثيل واللغة الشعرية ثم جاء الشعر العربي الحديث ليجعل من القصيدة أداة تفكير في الوجود تعبيرًا وجدانيًا عميقًا. ومن هنا تصبح الكتابة في الرواية أو الشعر شكلًا من أشكال المعرفة لأن الكاتب يصف العالم ويعيد صياغته داخل اللغة فتغدو الكلمة وسيلة لسؤال المعنى وحدوده ومصيره.
بالانتقال إلى أقبية الحلكة نجد أننا أمام نص ينهل من هذا التداخل العميق بين الشعر والفلسفة ويحوّل الرواية إلى فضاء للتأمل في الوجود والذات والزمن والذاكرة. فالنص لا يكتفي بسرد الحكاية وإنما يبني عالمه على توتر داخلي بين التجريد والعبث والحيرة الوجودية بحيث تتجاور الصورة الشعرية مع الوعي الفلسفي في نسيج واحد. وفي هذا الأفق تتحول الكتابة إلى محاولة لتصحيح ما أصاب العالم ولفرض نظام مؤقت على العبث ولإنقاذ الذات من التمزق الذي يهددها وهو ما يجعل الرواية أقرب إلى تجربة وجودية كاملة منها إلى حكاية تقليدية.
لندخل إلى قراءة الرواية من بابها النصي والجمالي ولنأخذ تجربة أقبية الحلكة أنموذجًا دالًا على هذا التداخل بين الشعر والفلسفة وبين الحكاية والتأمل وبين الوجع الفردي والأسئلة الوجودية الكبرى. فهذه الرواية تفتح أمام القارئ فضاءً رحبًا للتأمل في الوجود والذات والذاكرة وتحوّل اللغة إلى أداة لاكتشاف العتمة الداخلية وما يعتمل فيها من قلق وحيرة وعبث. ومن هنا تصبح أقبية الحلكة نصًا مثاليًا للدخول إلى عوالم السرد الذي يتجاوز الحكاية نحو التفكير ويجعل من التجربة الأدبية وسيلة لفهم الإنسان في مواجهة أزمته.
تجسد رواية “أقبية الحلكة” لخليفة عبد السلام نموذجًا نادرًا للتلاحم العضوي بين الشعر والفلسفة فهي نص شعري فلسفي يتخذ من اللغة الشعرية أداة لاستكشاف أعماق الوجود. وفي هذا التداخل تصبح اللغة نفسها مجالًا للتفكير والتأمل حيث يذيب الكاتب الحدود بين التأمل المجرد والإيقاع العاطفي ويجعل النص قادرًا على التعبير عن الحيرة الوجودية والعبث والعلاقة المعقدة بين الذات والزمن والذاكرة. ومن هنا يغدو العمل تجربة وجودية كاملة تجمع بين جمالية الشعر وعمق الفلسفة في آن واحد.

التجريد
يتجلى التجريد في أقبية الحلكة بوصفه خيارًا جماليًا وفلسفيًا معًا إذ يقدّم النص العالم في صورته غير المباشرة ويعمد إلى تفكيكه إلى ظلال وإشارات وحالات شعورية. فالشخصيات لا تُقدَّم بوصفها ذواتًا مكتملة الملامح وإنما ككائنات متوترة تحمل أثر الغياب والذاكرة والقلق مما يجعلها أقرب إلى رموز وجودية منها إلى شخصيات سردية تقليدية. بهذا المعنى يكون التجريد وسيلة لاختراق سطح الواقع والقبض على ما هو أعمق فيه هشاشته وفراغه وتحولاته الملتبسة.
ويبدأ هذا التشكيل من الغلاف البصري الذي يحمل دلالة فلسفية قوية إذ يغلب عليه حضور داكن مكثف تتخلله بقع زرقاء فاتحة تشبه الفقاعات أو الدموع أو النجوم الغارقة في الظلام فيبدو الغلاف أكثر من مجرد زخرفة لأنه يتحول إلى بيان بصري يجسد “الحلكة” بوصفها حالة وجودية شاملة حالة الغرق في اللايقين والتيه بين الذاكرة والزمن. فالألوان الداكنة ترمز إلى الانهيار والفقدان الناتج عن الحروب والمنافي بينما تشير البقع الزرقاء إلى مقاومة الروح وشرارات الأمل التي تظل تظهر في أعماق الظلام ويتداخل الخط العربي الجميل مع هذه الفوضى البصرية ليؤكد أن الكتابة محاولة حقيقية لفرض نظام على العبث. وعلى هذا النحو تتجلى المقدمة بوصفها بيانًا فلسفيًا مكثفًا يرسم رؤية الكاتب للوجود إذ يصف الواقع بـ“الهشاشة” والإنسان بأنه “مثقل بالحس والعاطفة” واقف “بفوهة العبث” فتتحول الكتابة إلى فعل وجودي أساسي إلى طوق نجاة من الغرق ومحاولة لتصحيح ما أصاب الوجود و“تلطيخ الورق” لإنجاب واقع بديل. ويؤكد الكاتب أن الإنسان “مجبر على أن يفر منا إلينا” وهو تعبير يكشف عن انقسام الذات وحيرتها الوجودية بين الداخل والخارج ويذكر بتصورات كامو في التمرد على العبث من خلال الإبداع وسارتر في مسؤولية الإنسان عن خلق معناه الخاص. ثم يأتي الإهداء محملًا بدلالات عميقة تجمع بين الشخصي والجماعي فيشكر الكاتب “الوقت” على قسوته ويكرم “الذين فقدوا كل شيء فجأة” و“أوفياء الذاكرة” ويهدي العمل إلى أسماء شخصية عزيزة وإلى “وطن يشبه المعجزات” مع جزء فرنسي يوسع الرؤية ليشمل كل من “يزرع الحياة” فيتحول الإهداء إلى مقاومة شعرية للنسيان الذي يفرضه الزمن وإلى تكريم للجرح الجماعي الناتج عن الحرب والمنفى.
العبثية
أما العبثية فتتجلى في اختلال العلاقة بين الفعل والنتيجة وبين السؤال والجواب وبين الرغبة والإنجاز. فالعالم في الرواية يبدو محكومًا بمنطق غير مستقر حيث تتحرك الذات داخل دائرة من الانتظار والتمزق واللايقين وتبدو الجهود الإنسانية في مواجهة الزمن والخراب محدودة الأثر. وتظهر العبثية في شعور الشخصيات بأن ما تفعله يفضي إلى خلاص نهائي وأن المعنى ذاته يظل مؤجلًا أو مهددًا بالانهيار. لذلك تطرح الرواية العبث كخبرة معيشة تجعل الإنسان واقفًا أمام عالم لا يمنحه يقينًا ولا يهب له اكتمالًا.
وفي هذا الإطار يبرز التراسل الحسي بوصفه إحدى أهم تقنيات الكتابة في الرواية حيث يبرع خليفة عبد السلام في تحويل الصورة البصرية إلى صوت والصوت إلى صورة بطريقة شعرية مدهشة لا باعتبارها مجرد زخرفة أسلوبية وإنما باعتبارها وسيلة فلسفية للتعبير عن تشظي الوجود وتداخل الحواس في مواجهة الحلكة. فهو يجعل الألوان والظلال والمشاهد البصرية تنطق وتتردد حتى تغدو الألوان “تتآكل” و“تتلاشى” و“تصهل” ويخترق الغروب الجسد كأنه صرخة ويصبح الفراغ ذا “صوت” يشبه صوت القطار بينما يتحول الصوت نفسه إلى صورة حية عندما يصبح الصمت مشهدًا مرئيًا ثقيلًا والهمس صورة تتحرك والذاكرة أغنية بصرية. ويتجسد هذا التراسل الحسي بوضوح في المشهد الليلي حين يكتب “يفرض نقيضه من هارب على ما حوله كبرياءه تفاصيل الحياة شاردة في نفسها بإفراط شديد… وهذا المساء يسحب آخره خلسة كأن يفر من الألوان لتضمحل ألوانه وتتلاشى في الأفق البعيد…” فالصورة البصرية هنا تتحول إلى حركة صوتية خافتة وكأن الألوان نفسها تصدر صوتًا يتضاءل ويتلاشى الأمر الذي يمنح المشهد كثافة شعورية خاصة.
ومن جهة أخرى يحضر الوطن في الرواية ككيان حي جريح لكنه حاضر في الوقت نفسه لأنه ذاكرة جماعية ووجدان شخصي يُرثى ويُستحضر باستمرار. فهو يظهر من خلال الأسماء والأزقة والأجداد والأرض التي تحمل أسماء الضحايا ويغدو “قصيدة زمانها” و“أغنية مكانها” وطنًا مثخنًا بالجراح محاصرًا بالحلكة ومغادرًا قسرًا. وفي امتداد هذا المعنى تتحدد الغربة باعتبارها الحالة الوجودية الأساسية في النص فهي خارجية كما في المنفى وهي داخلية عميقة غربة الإنسان عن نفسه وعن حاضره وعن وطنه حتى لو كان فيه. لذلك يعيش الراوي حالة “غرباء في حضرة ما حولنا” ويصبح الجميع غرباء عن بعضهم وعن أنفسهم وتتحول الغربة إلى شعور دائم بالتيه والانفصال حيث يطالب الجميع الراوي بأن “يكون آخرًا غيري” فيولد من “خاصرة النسيان” غريبًا عن ماضيه ومستقبله. ثم تأتي الهجرة كتجربة مؤلمة مستمرة سواء كانت قسرية بسبب الحرب والوباء أم وجودية بوصفها هجرة الذات عن ذاتها فتظهر في صور البحر الذي يحفظ أسماء الضحايا وحدائق المنفى والأجداد الذين هجروا أنفاسهم وأسماءهم وتغدو انتقالًا مكانيًا وزمنيًا ونفسيًا في آن واحد من “الأمس الكامل” إلى حاضر هش ومن وطن مفقود إلى واقع يُعاد تشكيله كل لحظة.
ويبرز البعد النفسي في أقبية الحلكة بوصفه عنصرًا مركزيًا وعميقًا إذ يعكس حالة نفسية معقدة للذات الإنسانية المتشظية. فالراوي يظهر في حالة انقسام نفسي حاد بين “الأنا” و“آخري” بما يشير إلى اضطراب الهوية وفقدان التماسك الذاتي وهو انقسام يعبر عن صراع داخلي بين الذات الحاضرة والذات الماضية بين ما كان وما أصبح في مواجهة الصدمات التاريخية من حرب وغياب ومنفى. وتتجلى أعراض الصدمة النفسية في الشعور المستمر بالغربة عن النفس والحنين المؤلم إلى “الأمس الكامل” والخوف من النسيان الذي يشبه عملية محو الذات كما يظهر القلق الوجودي كسمة نفسية أساسية حيث يعيش الراوي في توتر دائم بين الرغبة في التمسك بالذاكرة والشعور بأنها تبتزه وتؤلمه.
ومن هنا ينبع سؤال الحيرة “من أنا، هاهنا؟” من أزمة وجودية نفسية عميقة ويبلغ ذروته في الصفحة 146 حين يصرح “أنا مثلكم تمامًا لازلت أبحث عن الجواب… أنا الذي هو أمامكم من أنا عليه الآن أم أنا أمسي برمته كاملًا دونما نقصان؟” وهو سؤال يحول الذات إلى مرآة مفتوحة على الاحتمال والتمزق معًا. وفي هذا السياق تبدو الكتابة نفسها عملية علاجية يلجأ إليها الكاتب لمواجهة الصدمة وإعادة بناء الذات الممزقة ومقاومة النسيان الذي يهدد بالفناء النفسي فتغدو الكتابة محاولة لإخراج الجرح إلى الضوء وإعادة صياغة التجربة المؤلمة بطريقة شعرية تسمح بتحويل الألم إلى معنى.
وتتآزر في الرواية عناصر التجريد والعبث والحيرة الوجودية لتصنع رؤية سردية ذات عمق فلسفي واضح فالتجريد ينتزع العالم من كثافته الواقعية ليجعله أكثر قابلية للتأمل والعبث يبدد أوهام النظام والغاية والحيرة الوجودية ترد الذات إلى مأزقها الأصلي أن تعيش من دون يقين وأن تبحث عن معنى داخل ظلال المعنى نفسه. ومن ثم تبدو الرواية تجربة فكرية وجمالية في آن واحد تحاكم علاقة الإنسان بزمنه وبذاكرته وبمصيره وتقيم في التخوم بين الحضور والغياب وبين المعنى واللامعنى وبين النجاة والانهيار. ولذلك فإن قوتها تكمن في جعل القارئ شريكًا في السؤال ومقيمًا داخل الحلكة التي تحاول الرواية أن تضيء طرفها دون أن تلغي عتمتها.
إن هذا المسار كله يكشف أن الرواية تكتفي بتصوير مأساة الذات وإنما تحوّل هذه المأساة إلى كتابة قابلة للتأمل والمساءلة. فكل ما في النص من تشظٍ وقلق وانكسار لا يظل مجرد انفعال عابر وإنما يتخذ صورة فكرية وجمالية متماسكة تجعل القارئ أمام تجربة لا يمكن المرور بها بوصفها حكاية فقط بل بوصفها سؤالًا عن جدوى الوجود نفسه. وهنا تتضح قيمة الرواية بوصفها كتابة تنصت إلى الجرح بدل أن تخفيه وتحوّل الألم إلى لغة واللغة إلى أفق للفهم والمعاناة إلى شكل من أشكال المعرفة ولكن إلى أي درجة تجعلنا القصيدة نشفى من أوجاعنا ونحن نكتب أصلا من اجل الارتقاء ؟
———————————————–
(*) باحثة وناقدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى