اقتصاد
أزمة الأضاحي بالمغرب: حين تصطدم الأرقام الرسمية بالحقيقة الميدانية بقلم : هشام فرجي
قراءة تحليلية في اقتصاد ريع الدعم، وفجوة الإحصاء، وأعطاب منظومة الحوكمة

في كل موسم من مواسم عيد الأضحى السنوية، تتجدد في المغرب مفارقة متكررة باتت تحمل طابع البنيوية لا الاستثناء: حيث نجد تصريحات رسمية تتحدث عن وفرة الإنتاج وانخفاض مرتقب في الأسعار، بينما يقف المواطن في الرحبة أمام أسعار تتجاوز طاقته الشرائية. غير أن موسم 2026 حمل نوعاً من الفضيحة الإحصائية الهادئة، إذ تستدعي وقفة تحليلية معمّقة تتخطى السطح الإعلامي لتغوص في هشاشة منظومة الإحصاء الزراعي، وتشابكات ريع الدعم العام، وأعطاب الحوكمة التي تجعل السياسة الفلاحية رهينة أرقام منتفخة لا تعكس الواقع.
أولاً: الإطار المرجعي — برنامج الدعم وأرقامه المُعلنة
في أعقاب سنوات جفاف متتالية مسّت القطيع الوطني في عمقه، أطلقت الحكومة المغربية برنامجاً طارئاً لإعادة تشكيل القطيع الوطني، جاء تنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية الصادرة في المجلس الوزاري بماي 2025. ويرتكز البرنامج على ثلاثة محاور مترابطة: دعم الأعلاف، ومنع ذبح الإناث مع تقديم دعم مباشر بقيمة 400 درهم عن كل رأس من الإناث المرقّمة، وتوفير تأطير تقني وجيني لتحسين السلالات.
وتبدو هذه الأرقام المُعلنة بالغة الطموح، إذ خُصص لهذا البرنامج ما يناهز 3 مليارات درهم في نهاية 2025، تليها 3,2 مليار درهم إضافية سنة 2026، في حزمة إجمالية تتجاوز 12 مليار درهم بحسب التصريحات الوزارية. كما أُعلن عن ترقيم أزيد من 8 ملايين رأس من إناث الأغنام والماعز، وصرف الدعم المباشر لنحو 352 ألف مرب للماشية. وفوق كل ذلك، طُمئن المغاربة بأن القطيع الوطني بلغ حدود 40 مليون رأس، وأن أسعار الأضاحي ستنخفض انعكاساً لهذه الوفرة.
فماذا حدث؟
ثانياً: الفجوة البنيوية —لم يُترجم الدعم إلى عرض حقيقي
إن ما شهدته أسواق الأضاحي قُبيل عيد الأضحى 2026 لا يمكن تفسيره بعامل واحد، وإنما هو محصّلة ثلاث فجوات بنيوية متراكمة:
- فجوة الإحصاء: بين عدد رؤوس الأغنام المُسجَّل وعددها الموجود فعلاً
تُشير كثير من المؤشرات الميدانية إلى احتمال قائم وجدير بالتحقيق الجدي، مفاده أن الأرقام المُعلنة عن حجم القطيع الوطني — والبالغة 40 مليون رأس — قد لا تعكس الحقيقة الميدانية على أرض الواقع. وهذا التضخيم — إن صح — لا يحدث من فراغ، حيث يجد سياقه المنطقي في منطق اقتصادي بسيط: الأعداد الرقمية التي يُصرَّح بها هي في الوقت ذاته أساس احتساب الدعم المستحق.
إن نظام الدعم المرتبط بعدد الرؤوس المُرقّمة يخلق حافزاً قوياً لدى المربين للمبالغة في التصريح. فحين يكون الدعم 400 درهم عن كل رأس أنثى محافظ عليها، فإن التصريح بعشرة آلاف رأس بدلاً من ستة آلاف يعني فارقاً مالياً صافياً يبلغ 1,6 مليون درهم. وهذا ما يُعرّفه الاقتصاديون بظاهرة “الخطر المعنوي” (Moral Hazard) المرتبطة بنظم الدعم غير المُحكمة الإشراف.
- فجوة التحقق بين التسجيلات الرسمية والمتابعة
نصّ البرنامج الحكومي على ترقيم الإناث بوضع الحلقات ومتابعة استمرارية الحفاظ عليها. غير أن الواقع يطرح سؤالاً جوهرياً: هل كانت الطاقة الإدارية للدولة كافية للتحقق الميداني من 8 ملايين رأس موزعة على آلاف الدواوير والبوادي المتفرقة عبر مناطق جغرافية شاسعة؟ إن ضعف الكثافة التفتيشية في القطاع الفلاحي المغربي، الذي يظل يهيمن عليه نسيج من صغار المربين غير الرسميين، يجعل عملية التحقق مهمة شبه مستحيلة بالأدوات التقليدية. وهكذا يتحول الدعم العام من أداة سياسة فلاحية إلى ريع يوزَّع على أساس التصريح الشرفي لا على أساس الحقيقة الإنتاجية.
- فجوة التسويق بين العرض الكامن والعرض الفعّال
حتى في فرضية صحة الأرقام الإجمالية، فإن الأرقام الكلية لحجم القطيع لا تعني بالضرورة وفرة في أسواق الأضاحي. فالعرض الفعّال — أي عدد الرؤوس التي تصل فعلاً إلى نقاط البيع بسعر في متناول المستهلك — يتوقف على منظومة تسويق متكاملة غائبة في السياق المغربي. إذ يتمركز بين المربي والمستهلك وسطاء تقليديون (“الشناقة”) يتحكمون في تحديد السعر خارج أي إطار تنافسي، مما يجعل الوفرة الكمية سراباً مناخياً يخترق التحليل النظري دون أن يصل إلى الجيوب.
ثالثاً: اقتصاد الدعم وريع التصريح — مسألة في الحوكمة العامة
إن المشكلة الجوهرية التي تكشف عنها أزمة 2026 تتخطى قطاع الأغنام لتمس صميم أعطاب الحوكمة العامة في تدبير المال العام. فحين تُبنى سياسات الدعم الزراعي على قاعدة بيانات مستقاة من تصريحات المستفيدين أنفسهم، دون إخضاعها لمنظومة تحقق مستقلة تعتمد التقنيات الحديثة كصور الأقمار الاصطناعية والبيانات الجيومكانية والذكاء الاصطناعي، فإن السياسة العامة تتحول إلى مضخة ريع مقنّعة بخطاب التنمية.
يُضاف إلى ذلك أن غياب المساءلة التشريعية الفعّالة — رغم وجود البرلمان والهيئات الرقابية — يُبقي على نمط ذي وجهين متناقضين: مسؤولون يُعلنون أرقاماً مفخّمة لتحسين صورة السياسة العامة، ومربون يُضخّمون تصريحاتهم لاستيعاب أكبر قدر من الدعم. وفي هذا التقاطع الخطير بين إخفاقات الطرفين، يدفع المواطن ثمن الفجوة من قوته الشرائية.
والأخطر في هذا النمط أنه ذاتي التكريس: فكلما ضُخّمت الأرقام المُعلنة، كلما أُعلن عن نجاح البرنامج، وكلما تُرجم ذلك في مخصصات دعم أكبر في الميزانيات المقبلة، فيما يظل المستهلك يتقلب في غلاء حقيقي لا علاقة له بهذه الأرقام المُعلنة.
رابعاً: في المحاسبة — لماذا يجب أن تُعالَج التصريحات الكاذبة قانوناً؟
إن التصريح بأرقام مضخّمة لحجم القطيع — سواء صدرت عن مربين في إطار الاستفادة من الدعم، أو عن مسؤولين في إطار تسويق السياسة العامة — يندرج في كلا الحالتين ضمن ما تعدّه الأنظمة الحديثة انتهاكاً لمبادئ الشفافية والصدق في التعاملات الإدارية والمالية.
على صعيد المربين: إن التصريح بأعداد زائفة من الرؤوس بهدف الاستفادة من الدعم العام يُشكّل جريمة الغش المالي في حق المال العام، وهو ما تجرّمه المنظومة القانونية المغربية في قانون الالتزامات والعقود، فضلاً عن المرجعيات الجنائية المتعلقة بالاحتيال.
على صعيد المسؤولين: إن تقديم معطيات مُضلِّلة لرأي عام يعتمد عليها في قراراته الاقتصادية والأسرية — كقرار الأضحية — يُعدّ في الأنظمة الديمقراطية الراشدة نوعاً من الإخلال بواجب الإعلام الصادق، الذي يُلزم به المسؤولُ العامُّ أمام الشعب قبل أن يُلزمه به القانون.
إن دولة الحق لا تكتفي بمراقبة الأسعار وتسقيفها في اللحظة الأخيرة كما فعلت حكومة أخنوش في 21 ماي 2026، بل تبني منظومة وقائية تضمن صحة البيانات التي تُبنى عليها السياسات، وتُحاسب على كل تصريح زائف سواء جاء من أسفل هرم الاستفادة أو من أعلاه.
خامساً: نحو سياسة فلاحية للقرن الحادي والعشرين — مقترحات بديلة
انطلاقاً من هذا التشخيص، يمكن طرح جملة من التوصيات ذات الطابع البنيوي:
أولاً: رقمنة منظومة الإحصاء الحيواني عبر نظام وطني لتتبع القطيع يعتمد الترقيم الإلكتروني) رقائق RFID ( مقروناً بقاعدة بيانات مركزية مربوطة بمنظومة الدعم، تجعل من المستحيل تضخيم الأرقام.
ثانياً: استقلالية الإحصاء الزراعي عن وصاية وزارة الفلاحة، وإسناد مهمة إنتاج الأرقام الوطنية للقطيع إلى هيئة إحصائية محايدة — كالمندوبية السامية للتخطيط — تكون تقاريرها مرجعاً إلزامياً للحكومة قبل أي تصريح رسمي.
ثالثاً: مراجعة بنية الدعم بالتحول من نمط “الدعم لكل رأس” إلى نمط “الدعم لكل وحدة ممارسة فعلية مثبَتة”، مع اشتراط التسجيل في نظام التأمين الزراعي كشرط للاستفادة.
رابعاً: تنظيم قطاع التسويق وكسر احتكار الوسطاء عبر إنشاء أسواق جملة منظّمة إلكترونياً تتيح للمربي التواصل المباشر مع المستهلك، على غرار نماذج ناجحة في أوروبا وبعض دول الخليج.
خامساً: المساءلة التشريعية الفعّالة بتفعيل دور البرلمان في مراقبة تقارير تنفيذ البرامج الفلاحية بصرامة، وإخضاع المسؤولين لمساءلة علنية حول الفجوة بين ما وُعد به وما تحقق فعلاً.
خاتمة: سؤال المصداقية في العقد بين الدولة والمجتمع
يبقى السؤال الجوهري الذي تطرحه أزمة الأضاحي 2026 على الرأي العام المغربي هو سؤال المصداقية: أيُّ معنى يحمله الإعلان عن 40 مليون رأس من القطيع إن كانت رحبات المدن والبوادي تشهد شُحّاً وغلاءً؟ وأيُّ قيمة تحملها ميزانية دعم تتجاوز 12 مليار درهم إن ظل المواطن في نهاية المطاف يبحث عن خروف يلائم ذوي الدخل المحدود فلا يجده؟
ففي الاقتصاد السياسي الحديث، تعد المصداقية عملة نادرة تُباع وتُشترى في أسواق السلوك السياسي. وحين تستنزفها الحكومة بتصريحات لا تتطابق مع الواقع، فإنها تراكم عجزاً في رصيد الثقة يكون ثمنه باهظاً على المدى البعيد، لأن الأزمة الاقتصادية التي يمكن تدبّرها، قد تتحول إلى أزمة شرعية يصعب احتواؤها.
والمطلوب اليوم ليس فقط تسقيف الأسعار في اللحظة الأخيرة، وإنما إصلاح المنظومة التي تنتج الأرقام، ومحاسبة من يزيّفها، وبناء سياسة فلاحية تقوم على الصدق الإحصائي والحوكمة الرشيدة، لا على خطاب الطمأنة الذي لا يصمد أمام أول وقفة في الرحبة.




