عندما تم الربط – في المقالة السابقة- بين الحيوية الثقافية في معرض الكتاب وبين سجال المعطب منجب مع الطاهر بن جلون، ربطنا لحظة الاشتباك تلك مع سياستنا اللغوية.
وقد التقط المتتبعون والقراء مغزى قدرة اللغة الفرنسية على اختطاف منجز ضخم بحجم معرض الكتاب السنوي في بلادنا. هل نظن أن السفارة الفرنسية لم تدبج تقريرا جيّدا مطمئنا على الحضور الوازن للغتهم في المغرب؟ كانت لحظة الجنرال ليوطي بامتياز.
كان حدث الاشتباك السجالي بين كاتبين فمغربيين فرنكوفونيين مناسبة للعودة إلى مرحلة بكاملها، عندما انتقل دور الصحافة من تأثير الصحافة الورقية الحزبية باللغة العربية، إلى الصحافة الورقية المستقلة باللغة الفرنسية.
لا ينكر أحد أن الصحافي البارز أبوبكر الجامعي، يردد أكثر من مرة أأن حلمه الصحافي كان سنة 1997، هو إنشاء صحافة مغربية قوية ترافق الانتقال الديمقراطي لحظة قيادة الراحل عبد الرحمن اليوسفي كونه أول معارض بارز يترأس الحكومة. بل يفسر بوبكر كون الحلم الذي سكن مخيلته هو المساهمة في إبراز الانتقال الديمقراطي المغربي كي يصبح نموذجيا في دول الجنوب، مثل الشهرة التي كسبتها اسبانيا الملكية بعد نجاح انتقالها الديمقراطي. يلخص حلمه الجميل فيقول إنه تصوره لجريدة لوجورنال كان نسخة من إلباييس الاسبانية. من لا يصادق بوبكر الجامعي في حلمه هذا إلا من كان عنيدا وضد المستقبل الزاهر لبلدنا الجميل. لكن فشل التجربة يثير التساؤل عن الأسباب التي ساهمت في انطفاء ضوء الحلم.
لقد ساير المتتبعون (يوتوب) وصف بوبكر الجامعي لحلمه كما يصفه هو ويردد ذلك في كل مناسبة، دون إثارة نقط الضعف في ملامح الحلم الصحافي كما وصفه.
ومن وصفه هو لما كان يحلم به، استخرج كل متتبع وجها آخر لسياستنا اللغوية وامتداداتها في الواقع الصحافي الجديد سنة 1997.
ما هي النقطة النشز التي لم ينتبه إليها قط بوبكر الجامعي؟ هي كون الباييس أصدرها الإسبان بلغة مجتمعهم، اللغة الاسبانية التي بها يتكلم الاسبان في المدرسة وفي الحملة الانتخابية. قد تكون اللغة المستعملة في المقاولة الاسبانية انجليزية او فرنسية. لكن في المدرسة وفي الانتخابات وفي التنظيم الحزبي والنقابي وفي المحكمة وفي الإنتاج الادبي وفي الصحافة لم يستعمل الاسبان لإنجاح انتقالهم الديمقراطي لغة غير اللغة الدستورية واللغة الرسمية في اسبانيا. حتى المناطق التي تتمع بالحقوق الثقافية (كاطالونيا والباسك) لم يفكر الاسبان في استعمال لغة من خارج حدود البلد لإنجاح انتقالهم الديمقراطي. رغم التحديث الذي حدث في المؤسسات الاسبانية لحظة وجود احتلال نابليون لاسبانيا. بحيث لم يتم إلغاء محاكم التفتيش الكنسية سوى خلال الاحتلال الفرنسي. رغم ذلك، جاءت الباييس باللغة الاسبانية .
هذه المواصفة في حلم بوبكر الذي سمح لنفسه إصدار لوجورنال باللغة الفرنسية جعلت حلمه في حالة شرود من البداية. ما السبب في هذا التشوه الخلقي الذي خرج مع الجنين الصحافي من بطن فكرة بوبكر الأولى؟
علق جون واتربوري في مقدمة كتابه “أمير المؤمنين” في ترجمته الفرنسية كونه استغرب كيف لم يصدر الفرنسيون أية دراسة عميقة حول المغرب بعد سبعة عشر عاما على استقلاله؟ وأردف أنهم لا يعرفون لغة البلد، ثم ذكر أنه هو الأمريكي عندما حصل على منحة للقدوم الى المغرب لإصدار كتابه من التحضيرات التي هيأ نفسه بها لدراسة المجتمع المغربي تعلمه اللغة العربية. فكيف تناسى بوبكر كل الجهد الذي بدله الفرنسيون منذ سنة 1904 مع البعثة العلمية، بل مسي أن ميشو بيلير سكن مدينة القصر الكبير وتزوج وأصبح يبلس لباس المغاربة وربما اختلق لنفسه اسما عربيا مستعارا كي يتمكن من إنجاز حوالي ألف كتاب حول المغرب؟
إن خفة خريجي المدارس الفرنسية ومن تم الدراسة في المعاهد التي تكتفي بالفرنسية لتخريج خبراء المال والأعمال في الدار البيضاء، زاوجت بين الاستعلاء الاستعماري الفرنسي وبين الكبرياء الاستقراطي من العائلات التي تنهج العنصرية في الدم تجاه الامازيغ وباقي “العروبية” في المغرب الجميل. نعم عندما درس ايف لاكوست حياة وفكر ابن خلدون، كرس بالمعنى السلبي المنهج الانقسامي حول شمال افريقيا ليقف عند مرحلة ما قبل بني هلال (الامازيغية) ومرحلة ما بعد بني هلال “العروبية” (هادي من عندي).
ثم ما لم ينتبه له بوبكر الجامعي، هو أن النخب المغربية عندما تشرب مياه الفكر السياسي الفرنسي، عبر اللغة الفرنسية في التنشئة الفكرية الأولى، ينسى أن الفرنسيين، أمام عقدة الاقتصاد الإنجليزي وفلسفة الألمان القوية، وهما معا مقرونان بالهزائم الفرنسية التي لا تعد ولا تحصى، من هزائم السنوات السبع الأولى (1757-1763) إلى واتيرلوو أمام الانجليز ثم النكبتين أمام الألمان مرتين (1870 و1940)، اشتغل الفرنسيون دائما على السياسة اللغوية.
لا ننسى أن الصيغة الفرنسية النشز داخل حزب الاستقلال كانت من حظ الراحل خالد الجامعي ليشتغل بها في لوبينيون. ولأن التجربة الصحافية للاستقلال لم يكن فيها ليعلى على جريدة العلم، لربما جاءت لوجورنال للانتقام للهامشية العادية التي عاشتها لوبينيون. ولا تخفى المرارة التي يتحدث بها بوبكر كل مرة عن المغرب رغم أنه “ما خصه حتى خير” في تجربته العصامية الشخصية النموذجية المستقلة. والتي أجدها متميزة وذات طابع مغربي قح، لكن بنوع من الكآبة الخفية. تلك علامة صدقه الغائر. لكنه في كثير من ذلك ضحية السياسة اللغوية التي طارت به في سماء الشرود الوطني.
(في الحلقة المقبلة سنتطرق لتجربة “الفرسان الثلاثة)
كلمة: تثير جوديث باتلر في كتابها الإخضاع جدل الذات وسلطة التأثير….فقط من بين تهيئات شخصية تخيلت يوم واءمت تسمية سيمون دو بوفوار البيئة البيولوجية لجان بول سارتر. ينسى الناس الأعطاب الموروثة ويتغنون بالوعي المكتسب فقط. أن يسهو العموم؟ مقبول جدا. أما أن تصر النخب عن التعامي دون أن تتساءل لمّ بكى نيتشه في مدينة البندقية؟ فمن الأعطاب عمى الألقاب. ما كنت لأثير سقوط “حك سارتر على غطاء دو بوفوار” ولا بكاء نيتشه، لو لم يكن لي وهم حول بوبكر كونه قارئا نهما وهو المثقف المرغوب لدى الأمريكان قبل الفرنسيين. وبأكثر من صورة تسقط النخب في لائحة فرويد، لحظة الحسرة والشدة. ذاك مشكل الأجور الذي ساهم في تشتيت تجربة الجريدة التي رغب أصحابها في أن تكون عنوان الانتقال الديمقراطي.