اخرى

ضحايا الصمت: الانتهاكات الجنسية بحق الأطفال في عُمان أيقونة -عالية سعيد

يكشف هذا التحقيق عن تزايد الاعتداءات الجنسية على الأطفال في سلطنة عُمان، كما يوثق حالات قضائية حصل فيها جناة من مرتكبي جرائم جنسية بحق أطفال على أحكام بفترات حبس أقل مما ورد في قانون الطفل العُماني. في إحدى الليالي، شعرت "ريما" بيد تمتد إليها، تلمس أجزاء "خاصة" من جسدها، كان الأمر أشبه بكابوس لطفلة لم تتجاوز حينها خمس سنوات. نام الجميع، فتسلل خال الطفلة إلى فراشها ليتحرش بها مستغلاً نوم والدتها في الغرفة الأخرى. حضر الخال ليسكن مع العائلة بسبب غياب الأب وكما يُقال" الخال والد". لم تفهم الطفلة حينها معنى التحرش، لكنّ شعوراً بالخوف والانكسار سيطر عليها، بعد أن امتدت يد "الخال" نحوها، كما أقامت الخالة معهم أيضاً. تعرضت "ريما سالم"، اسم مستعار، للتحرش الجسدي لسنوات لاحقة؛ في كل مرة كان خال الطفلة يتحقق من نوم الجميع قبل أن يتوجه إلى فراش الصغيرة ليقوم بأفعاله خِلسة تحت ستار الليل. حدث ذلك عدة مرات أسبوعياً. في كل صباح، كان الخال يتصرف وكأن شيئاً لم يحدث، أما هي فكانت تخشى حلول الليل. لاحقاً، لم يكتفِ خالها بالتحرش بها أثناء نومها؛ بل راح يلتقط صوراً لمناطق حساسة من جسدها، وفق ما أكدته ريما. بعد سنوات غادر الخال منزل العائلة، كانت ريما قد بلغت العاشرة من عمرها.

تزايد الانتهاكات

لم تجرؤ ريما على إبلاغ والديها. تقول الفتاة بصوت متهدّج: “حسيت بالخوف من كل أحد”. أما عن خالتها، فتوضح الفتاة: “مرات أحس إنها كانت تعرف”. لم يقتصر الأمر على ريما، كان الخال يتحرش بأختها التوأم، وأخيها الذي يكبرها قليلاً، حسب قولها.

تبلغ ريما الآن 19 عاماً، ومع ذلك يختنق صوتها وهي تستعيد تفاصيل ما حدث. تقول إن ما مرت به خلق لديها شعوراً بالعار حتى وقت قريب، وتضيف: “الموضوع جعلني أقسو على نفسي”.

ما تعرضت له ريما لا يمثل حالة منفردة؛ فكشفت دراسة عُمانية شملت 34 طفلاً تعرضوا للإساءة الجنسية، نصفهم تقريباً من ضحايا الاغتصاب، أن الاعتداءات في أغلب الحالات حدثت في مكان السكن.

ووفق الدراسة التي نُشرت عام 2020، وأجراها فريق ضم باحثين من مستشفى المسرة للطب النفسي، وهو المستشفى الحكومي الوحيد للطب النفسي بسلطنة عُمان؛ كان المعتدي من دائرة معارف الطفل في معظم الحالات. كما تبين أيضاً أن المعتدي كان من أقارب “الدرجة الأولى” في نحو ثلث الحالات. وأشار الباحثون إلى أن الغالبية من الأطفال صمتوا عن وقوع تلك الانتهاكات لفترات طويلة.

تصاعدت حالات الانتهاكات الجنسية بحق الأطفال في عُمان بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة. تكشف بيانات دائرة الادعاء العام العُماني عن تضاعف عدد الاعتداءات الجنسية على الأطفال في الأعوام الخمسة الماضية (2021-2025).

ووفق إحصاءات الادعاء العام، فقد ارتفع عدد الجرائم الجنسية المعلنة للضحايا من الأطفال من 245 جريمة إلى ألف و379 جريمة للفترة بين عامي 2021-2025. كما سُجلت 106 حالات اغتصاب بحق أطفال العام الماضي (2025) مقابل 11 حالة عام 2021. وفي عام واحد (2024-2025)، ارتفع عدد الجرائم الجنسية بحق الأطفال بمقدار 980 جريمة.

أحكام مخففة

رصد التحقيق عدداً من قضايا الانتهاكات الجنسية التي نظرت فيها المحكمة العليا في عُمان، وأصدرت قرارات بشأنها خلال الفترة 2019-2022. رفضت المحكمة الطعون المقدمة من محامي الجناة.

وكانت أحكام صدرت في تلك القضايا من محاكم استئناف، بدائرة الجنايات، انتهت بتجريم المتهمين بجنايات التحرش أو هتك العرض بحق أطفال. كانت مدة العقوبة في تلك القضايا أقل مما أورده قانون الطفل العُماني.

وحسب القضايا التي رصدها التحقيق، البالغ عددها ثلاث عشرة قضية؛ تراوحت مدة الحبس بين عام واحد مع وقف التنفيذ وثلاث سنوات. في حين تراوحت أعمار الضحايا البالغ عددهم 15 ضحية، نصفهم من الإناث، بين ثمانية أعوام و16 عاماً، وذلك في القضايا التي أشير فيها إلى سن الضحايا. لم يتضمن الحكم الإشارة إلى المادة 28 من قانون مساءلة الأحداث؛ ما يشير إلى أن المتهمين كانوا بالغين.

في إحدى القضايا لم تُخفِ المحكمة العليا أن الحكم “يعيبه الخطأ في تطبيق القانون”؛ إذ أشارت إلى ذلك في قرارها: “وكان إغفال الحكم المطعون فيه توقيع عقوبة الغرامة بالإضافة لعقوبة السجن المقررة يعيبه الخطأ في تطبيق القانون”، وفق نص القرار.

تقل المدد الزمنية للعقوبة في الجرائم الواقعة على العرض في قانون الطفل العُماني، عن تلك التي حددها قانون الجزاء العام في القضايا المشابهة. يُعرّف القانون العُماني الطفل بأنه كل شخص لم يكمل الثامنة عشرة.

يُحدد قانون الجزاء العُماني، المعدل لعام 2018، عقوبة الجاني في ما يُسمى بالجرائم الواقعة على العرض بالسجن المطلق (المؤبد) في حال المواقعة، إن كانت الضحية لا تتجاوز الخامسة عشرة من العمر، في حين تتراوح مدة العقوبة في قانون الطفل العُماني بين خمس سنوات وعشر سنوات في جرائم الاغتصاب وهتك العرض والتحرش، مع دفع غرامة لا تقل عن خمسة آلاف ريال عُماني، ولا تزيد على عشرة آلاف وفق المادة 72 من قانون الطفل.

يوضح المحامي “أنس علي” أن القانون الخاص، وهو قانون الطفل، يُقدَّم على القانون العام، لأن المشرّع عندما يضع قاعدة خاصة يكون قد قصد تنظيم تلك الحالة تحديداً بطريقة تختلف عن القاعدة العامة.

وأشار “علي” إلى أن النصوص العامة تُطبَّق على جميع الحالات بشكل واسع، لكن إذا وُجد نص خاص يُعالج حالة معينة بشكل أدق، فإنه يُقدَّم عليه ويُستبعد تطبيق العام في حدود هذه الحالة فقط.

ووفقاً للمحامي أنس علي فإن الجرائم الجنسية التي تحدث ضد الأطفال، والمذكورة في قانون الطفل، هي من جرائم الحق العام، وعليه فإن تنازل المجني عليه (الضحية) ليس له أي أثر قانوني ولا تنقضي الدعوى العمومية بناء عليه، سواء في مرحلة التحقيق أو مرحلة المحاكمة. لكنّ القانون العُماني لا يمنع الأخذ بالأعذار المخففة عند الحكم في قضايا الاعتداءات الجنسية للأطفال، وفق المحامي. تشمل الأعذار المخففة التي نص عليها قانون الجزاء العُماني ضعف الإرادة أثناء ارتكاب الجريمة.

كما أوضح “علي” وجود أسباب تخفيف لم ينص عليها القانون حصراً، بل ترك الأمر لقاضي الموضوع لفهم هذه الأمور من ملابسات القضية، التي يقدرها في أثناء نظر الدعوى، ويخفف العقوبة وفقاً لما أعطاه القانون من سلطة؛ ومنها أن لا يعلم الجاني أن الضحية قاصر بسبب هيئتها الجسدية، ولم يصدر ما يدل على معارضتها الفعل الجنسي المرتكب في جرائم الاعتداء على الأطفال. لا يُعتد بالرضا في الجرائم الجنسية ضد الأطفال وفق القانون العُماني.

تشير دراسة عُمانية نشرت عام 2024، إلى أن الأحكام التي صدرت بحق جناة في قضايا اعتداءات جنسية جاءت، في المتوسط، أقل من المدد المنصوص عليها في قانون الجزاء. شملت الدراسة 176 قضية اعتداء جنسي نظرت فيها محاكم عُمانية عام 2017؛ أي بعد ثلاث سنوات من إقرار قانون الطفل. بلغ متوسط مدة الحكم ثلاثين شهراً في القضايا المُدان فيها متهمون، والبالغ عددها 134 قضية. ووفق الدراسة حصل المدانون في نحو خُمس (17%) القضايا على أحكام مخففة. وكانت الدراسة رصدت 269 حالة إساءة جنسية سُجلت في دائرة الادعاء العام خلال عام واحد.

“دكان الحلوى غير آمن”

في منطقة زراعية في إحدى المحافظات العُمانية، كان “خميس راشد” (اسم مستعار)، يتحرش بأطفال الحي الذين يقصدون “دكانه” لشراء الحلوى، وفق “سمر محمد” (اسم مستعار)، التي عاشت طفولتها هناك.

توضح سمر أنهم كانوا يقصدون دكانه الموجود في منزله، فهو يبقى مفتوحاً طوال الوقت. لاحقاً، حرص الأطفال على الذهاب في مجموعات إلى الدكان حتى لا يتعرضون للتحرش. تستذكر سمر قائلة: “نحن الأطفال كنا نتكلم فيما بيننا، كنا واعيين أنه الشخص غير جيد”. وتضيف: “أتذكر كنا نشتري ونطلع ثم نرمي له الفلوس.. ما كان يتحرش فينا لما نكون مجموعة”.

تعتقد سمر أن الأهالي كانوا يعلمون ممارسات صاحب الدكان، وهو مؤذن الحي أيضاً، “كانوا يطلبون منا ألا نذهب إلى دكانه منفردين”. كما عزت عدم اتخاذ إجراء بحقه بسبب غياب الوعي القانوني.

“دكان الحلوى غير آمن”

في منطقة زراعية في إحدى المحافظات العُمانية، كان “خميس راشد” (اسم مستعار)، يتحرش بأطفال الحي الذين يقصدون “دكانه” لشراء الحلوى، وفق “سمر محمد” (اسم مستعار)، التي عاشت طفولتها هناك.

توضح سمر أنهم كانوا يقصدون دكانه الموجود في منزله، فهو يبقى مفتوحاً طوال الوقت. لاحقاً، حرص الأطفال على الذهاب في مجموعات إلى الدكان حتى لا يتعرضون للتحرش. تستذكر سمر قائلة: “نحن الأطفال كنا نتكلم فيما بيننا، كنا واعيين أنه الشخص غير جيد”. وتضيف: “أتذكر كنا نشتري ونطلع ثم نرمي له الفلوس.. ما كان يتحرش فينا لما نكون مجموعة”.

تعتقد سمر أن الأهالي كانوا يعلمون ممارسات صاحب الدكان، وهو مؤذن الحي أيضاً، “كانوا يطلبون منا ألا نذهب إلى دكانه منفردين”. كما عزت عدم اتخاذ إجراء بحقه بسبب غياب الوعي القانوني.

توقفت سمر عن شراء نوع من الحلوى كانت تجلبه من الدكان: “حسيت بالقرف منها”.

وتؤكد سمر، أن الجار ذاته تحرش بها وهي طفلة في السادسة أثناء لعبها بالماء في إحدى القنوات الزراعية. اقترب منها بحجة مساعدتها على ترتيب ملابسها حتى لا تتبلل، وتلمس مناطق حساسة من جسدها. كما تعرضت لاحقاً للتحرش في دكانه.

هوية المعتدي

تشير بيانات دائرة الادعاء العام العُماني الأخيرة إلى أنه في أغلب قضايا الإساءات الجنسية المسجلة لديها كان المعتدي من خارج المنزل.

يرى الباحثون في الدراسة السابقة، المنشورة عام 2024، أن “انتشار الأسرة الممتدة والهوية القبلية والقرابة على نطاق واسع في عُمان، قد يجعل من الصعب التمييز بوضوح بين الاعتداء الجنسي داخل الأسرة وخارجها”. كما يحتمل أن تتجاهل الأسرة صلتها بالجاني عند الإبلاغ عن الاعتداء الجنسي وتوثيقه.

تتعدد طرق وآلية الإبلاغ عن الانتهاكات بحق الأطفال في عُمان؛ فهناك الإبلاغ المباشر في دوائر التنمية الأسرية أو مراكز شرطة ولجان حماية الطفل والادعاء العام، بالإضافة إلى الإبلاغ عن طريق خط حماية الطفل ونوافذ إلكترونية خصصتها وزارة التنمية الاجتماعية لهذا الغرض. كما يمكن الإبلاغ عن طريق المؤسسات الشريكة التي يرد إلى علمها أو إبلاغها بأي انتهاك لحقوق الطفل كالمؤسسات التعليمية أو المستشفيات.

تتباين الأرقام الرسمية المعلنة المتعلقة بحوادث الاعتداءات الجنسية على الأطفال؛ في العام الماضي (2025) سجل الادعاء العام العُماني ألفاً و379 جريمة “اعتداء جنسي” بحق الأطفال، في حين لم يتجاوز عدد حالات “الإساءة الجنسية”، التي تعاملت معها لجان حماية الطفل بوزارة التنمية الاجتماعية 176 حالة حتى منتصف العام، ولم تنشر بعدها الوزارة أي تحديثات بشأن ذلك.

يوضح باحثون في دراسة اجتماعية حول المعوقات في حماية حقوق الطفل في عُمان، أن المجتمع العُماني مجتمع “جماعي”؛ وهي المجتمعات التي تنظر إلى الأسرة، لا الدولة، على أنها المحور الأساسي في حماية رفاهية الفرد. وأضافوا أن القيود الاجتماعية والثقافية، ومنها التربية السلطوية والتنشئة القائمة على الشعور بالعار، قد تُعرّض الأطفال لخطر الإيذاء.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية “بحوث مؤشرات الطفل” يتطلب الإبلاغ عن حالات الاعتداء على الأطفال “شجاعة استثنائية” من جانب أسرة الضحية؛ إذ إنهم يضعون سلامة الضحية وحقها فوق “شرف العائلة وعارها”.

وقد تكون “ثقافة الصمت” هي التي تدفع الطفل أو أسرته إلى عدم الإبلاغ عن الإساءة التي تعرض لها، خصوصا ما يقع منها في محيط الأسرة، حسب الدراسة.

يؤكد المحامي “أنس علي” وجود لجنة لحماية الطفل في كل ولاية داخل عُمان، تتمثل مهمتها في تلقي الشكاوى في حالات الإساءة للأطفال، ومع ذلك لا يتم الإبلاغ في العديد من الحالات لأسباب منها ما يتعلق بالسمعة أو عدم أخذ كلام الطفل على محمل الجد، بالإضافة إلى نقص الوعي وعدم فهم العلامات النفسية عند الضحية.

كما قد يتم التستر على الجاني إن كان من الأقارب، وهذا يحدث في غالبية الدول العربية، وفق رأيه.

ويشير المحامي إلى أنه بالرغم من التطور الذي تشهده عُمان في التعاطي مع حالات الإساءة للأطفال في المدارس في السنوات الأخيرة وتقديم البلاغات، ما يزال هناك تسامح في التعامل مع الإساءات بحق الأطفال عموماً في سياق العُرف الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى