مجتمع

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان :غلاء الأضاحي يكشف اختلالات السياسة الفلاحية ويعمق معاناة الأسر المغربية.

تنوير -متابعة

عرفت أسعار أضاحي العيد، خلال هذه السنة، ارتفاعاً كبيراً في مختلف الأسواق، بما فيها الفضاءات التجارية الكبرى، بشكل تجاوز القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنات والمواطنين، في سياق يتسم أصلاً بغلاء غير مسبوق شمل مختلف المواد الأساسية.

وقد تفاجأ العديد من الأسر بهذا الارتفاع المهول، الذي حرم فئات كثيرة من اقتناء أضحية العيد، رغم الخطاب الرسمي الذي تحدث عن وفرة القطيع، وعن إجراءات الدعم والاستيراد ومحاربة المضاربات. غير أن الواقع كشف عكس ذلك، من خلال تسجيل زيادات كبيرة في الأثمان مقارنة بالسنوات الماضية، تزامناً مع ارتفاع الطلب على مختلف المواد الفلاحية، من خضر وفواكه ولحوم، خلال فترة العيد.

ورغم الدعم المالي الكبير الذي خصصته الحكومة لعمليات استيراد الأغنام، والترويج لوفرة العرض، ومحاربة ما يعرف بـ“الشناقة”، إضافة إلى تحسن نسبي في التساقطات المطرية وتوفر الكلأ، فإن أسعار الأضاحي واصلت ارتفاعها. وقد بلغت، في بعض الأسواق الكبرى، مستويات قياسية، حيث تراوحت أسعار بعض السلالات بين 77 درهماً و100 درهم للكيلوغرام، حسب النوع والجودة.

وأمام هذا الوضع، اضطر عدد كبير من المواطنات والمواطنين إلى اللجوء إلى شراء اللحوم من المجازر كبديل عن الأضاحي، بعدما أصبحت أسعارها خارج متناولهم. وقد شهدت عدد من المجازر والأسواق والشوارع اكتظاظاً وإقبالاً غير مسبوق، ما ساهم بدوره في ارتفاع أسعار اللحوم، في ظل ضعف واضح في آليات المراقبة والتدخل للحد من المضاربة والاحتكار.

إن هذا الوضع لا يمكن فصله عن حصيلة السياسات العمومية المتعاقبة في المجال الفلاحي، والتي لم تحقق الأهداف المعلنة في حماية الأمن الغذائي، ودعم صغار الفلاحين، وضمان استقرار الأسعار. فقد اعتمد المغرب منذ سنة 2008 ما سمي بـ“مخطط المغرب الأخضر”، الذي رُصدت له موارد مالية ضخمة من المال العام، بهدف جعل الفلاحة رافعة للاقتصاد الوطني، ودعم الفلاحين الصغار والمتوسطين، ومحاربة الفقر والهشاشة في الوسط القروي.

غير أن نتائج هذا المخطط، في نظرنا، استفاد منها أساساً كبار الفلاحين والمنتجون الموجهون نحو التصدير، بينما ظل صغار الفلاحين والكسابة يواجهون الهشاشة وارتفاع تكاليف الإنتاج. كما ساهم التركيز على تلبية حاجيات الأسواق الخارجية في تعميق اختلالات السوق الداخلية، خاصة في ما يتعلق بالخضر والفواكه واللحوم.

وبعد ذلك، تم اعتماد ما يسمى بـ“استراتيجية الجيل الأخضر”، بما تضمنته من برامج دعم مباشر للمنتجات والمواد الفلاحية والحيوانية، غير أن هذه السياسة، بدل أن تعالج الأزمة، ساهمت في تعميقها بسبب استمرار منطق الريع، وخدمة مصالح اللوبيات والاحتكارات، وغياب مراقبة فعالة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

إن استمرار هذا الوضع يعكس غياب إجراءات ناجعة لمواجهة الغلاء، وحماية القدرة الشرائية، والحد من التضخم، وتطبيق القانون في حق المضاربين والمحتكرين. كما يكشف استمرار اختيارات اقتصادية قائمة على المديونية وتمويل مشاريع ضخمة لا تنعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين.

وأمام تدهور الأوضاع المعيشية، واتساع رقعة الفقر والهشاشة، وضعف الحماية الاجتماعية، واستمرار مظاهر الفساد والريع، فإن الوضع ينذر باحتقان اجتماعي متزايد، خاصة في ظل فقدان الثقة في التصريحات الحكومية التي لم تعد تقنع المواطنات والمواطنين أمام واقع الأسعار الملتهبة.

وبناءً على ذلك، فإن المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان يعلن ما يلي:

أولاً: إدانته لاستمرار تحكم لوبيات المصالح وأصحاب النفوذ في السياسات العمومية، ويدعو إلى فتح تحقيق حر وشفاف حول مبالغ الدعم المخصصة لاستيراد الأضاحي والمواد الفلاحية، مع الكشف عن الجهات المستفيدة، ومآل هذه الأموال، وترتيب المسؤوليات القانونية والمؤسساتية والفردية.

ثانياً: دعوته السلطات العمومية إلى مراجعة سياساتها الاقتصادية والاجتماعية بما يخدم مصالح المواطنات والمواطنين، خاصة الفئات الهشة، من خلال الرفع من الأجور، وتخفيض الضريبة على الدخل، وإعفاء المواد الأساسية من الضريبة على القيمة المضافة والضريبة الداخلية على الاستهلاك.

ثالثاً: مطالبته بإخضاع كبار الفلاحين للضرائب المناسبة، ووضع حد لاقتصاد الريع، ومحاربة الفساد، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان عدم الإفلات من العقاب.

رابعاً: دعوته الدولة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمحاربة تهريب الأموال، والعمل على استرجاع الأموال المودعة في الأبناك الخارجية، وفك الارتباط المفرط بالمؤسسات المالية الدولية، بما يعزز السيادة الاقتصادية والأمن الغذائي الوطني.

خامساً: تأكيده على ضرورة الاهتمام بالعالم القروي، من خلال توفير البنيات التحتية الأساسية، من طرق ومسالك وماء، وتسهيل الولوج إلى التعليم والصحة، وتوفير الأعلاف والأسمدة والمواد الأولية بأثمنة مناسبة، مع محاربة الاحتكار والمضاربة والوساطة التي تضر بصغار الفلاحين والكسابة.

سادساً: دعوته إلى إعادة تفعيل الدور الاجتماعي لصندوق المقاصة، وضمان توجيه دعمه نحو المواد الأساسية والخدمات الحيوية التي تهم الفئات الشعبية والطبقات الهشة، بما يساهم في حماية القدرة الشرائية والحد من آثار الغلاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى