في الذكرى السادسة لرحيل القائد والمجاهد عبد الرحمن اليوسفي ـ أحمد رباص

توفي الوزير الأول الأسبق عبد الرحمن اليوسفي يوم 29 ماي 2020 بالدار البيضاء عن عمر ناهز 96 عامًا، بعد حياة حافلة بالتحولات والتكيف مع الحركة الاشتراكية العربية الأفريقية. تطورت هذه الحركة من الماركسية اللينينية الثورية إلى ما عرف في أوائل التسعينيات بـ”البيريسترويكا” التدريجية، التي اتخذت مسارًا نحو الديمقراطية الاجتماعية القائمة على اقتصاد السوق. وبقي اليوسفي وزيرا أول في حكومة الائتلاف المغربية المعلن عنها يوم 14 مارس 1998، وزعيما للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لأربع سنوات.
وُلد عبد الرحمن اليوسفي في 8 مارس 1924 بمدينة طنجة، ويُعدّ شخصية بارزة في التاريخ المغربي. فبينما يُجسّد التحول التاريخي، يُعتبر أيضًا رائدًا في الليبرالية الاجتماعية، حيث نجح، بصبرٍ وحزمٍ لا يتزعزع، في الجمع بين المبادئ الأيديولوجية والاحتياجات الوطنية، ورسّخ ثقافة التعايش السياسي، وبذلك تولّى منصب رئيس الحكومة للجميع.
شهد اليوسفي الصعود المطرد للإسلام السياسي منذ ربيع الجزائر عام 1988، ليحل محل الاشتراكية، التي كانت بمثابة أفيون للشباب الطلابي المغاربي والأفريقي، من تونس إلى الدار البيضاء، ومن داكار إلى كانو. في شبابه، وتحت الحماية الفرنسية، كان هذا الريفي ناشطًا في حزب الاستقلال، حزب الاستقلال المغربي بزعامة علال الفاسي، الشخصية البارزة في المغرب الكبير، الذي كان يطمح إلى أن تمتد حدوده من مضيق جبل طارق إلى ضفاف نهر السنغال. ومثل مؤلف البيان الشيوعي عام 1848، بعد إقامته في فرنسا، حيث حصل على شهادة دراسات عليا في التعليم العالي عام 1952، نمّى اليوسفي التزامه بقضية الطبقة العاملة. بين عامي 1953 و1956، انضم إلى المقاومة، شأنه شأن ملايين المغاربة الذين ثاروا ضد خلع محمد الخامس، الذي نُفي إلى مدغشقر. وبعد ثلاث سنوات من الاستقلال، كان له، إلى جانب عبد الرحيم بوعبيد ومهدي بن بركة، دورٌ محوري في تأسيس الاتحاد الوطني للجبهة الشعبية، وهو حزب انبثق من الجناح اليساري لحزب الاستقلال. في العام نفسه، اعتُقل لفترة وجيزة بتهمة “إهانة الملك”.
شغل هذا الناشط البارز منصب وزير أول في الحكومة السادسة والعشرين في المغرب، والمعروفة باسم “حكومة التناوب”، من 14 مارس 1998 إلى 6 نوفمبر 2002. وبذلك قاد أول حكومة في عهد جلالة الملك محمد السادس. ويُعدّ الزعيم السابق للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ناشطًا مخضرمًا في الحركة الوطنية المغربية.
بعد اغتيال بن بركة عام ١٩٦٥، في واحدة من أكثر فصول الحرب الباردة غموضًا، بدأ عبد الرحمن اليوسفي منفىً طويلًا في فرنسا. وعلى خطاه، طالب المدعي العام بعقوبة الإعدام بحقه في محاكمة مراكش، التي بدأت عام ١٩٦٩ وانتهت عام ١٩٧٥. خلال هذه الفترة، شهدت المملكة محاولتي انقلاب أثرتا بشكل كبير على الحياة السياسية.
بعد أن أصبح اليوسفي مندوبًا خارجيًا للحزب، عاد إلى المغرب بعد صدور عفو عنه عام ١٩٨٠. واصل حزب الاتحاد الاشتراكي هيكلته وتحوله، معترفًا بتطور أيديولوجيته التأسيسية.
وفي عام ١٩٩٢، خلف عبد الرحيم بوعبيد في رئاسة الحزب. بعد عام، لجأ اليوسفي إلى المنفى في كان، مندداً بتزوير نتائج الانتخابات التشريعية لعام 1993. وعند عودته عام 1995، قاد حزبه إلى النصر في الانتخابات التشريعية التي جرت في سبتمبر 1997، والتي بشّرت بانفتاح غير مسبوق في المشهد السياسي المغربي. وبعد اعتزاله الحياة السياسية عام 2003 عقب فترة أربع سنوات قضاها وزيرا أول، جسّد اليوسفي الإيمان الراسخ بالالتزام والتوافق الدائم، وهما صفتان تصنعان العظماء.
عندما طلب الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، من عبد الرحمن اليوسفي تشكيل الحكومة الانتقالية في فبراير 1998، لم يكن اختياره مجرد رمزية أو دلالة سياسية فحسب. وفي نوفمبر 2020، منح جلالة الملك السيد اليوسفي وسام العرش من الرتبة الكبرى.
في يوليوز 2016، دشن جلالة الملك محمد السادس شارع عبد الرحمن اليوسفي في طنجة، تخليداً لذكرى رئيس وزراء حكومة الائتلاف (1998-2002). وتأتي هذه الالتفاتة الملكية، التي تتزامن مع احتفال الشعب المغربي بالذكرى السابعة عشرة لتولي جلالة الملك عرش أجداده الأجلاء، تكريماً لابن طنجة، والشخصية البارزة في الحركة الوطنية، ورجل دولة أظهر باستمرار تفانياً وحكمة ونزاهة وإيثاراً استثنائياً في أداء واجباته.
في أكتوبر 2016، وأثناء وجوده في المستشفى بسبب إصابته بالتهاب رئوي، زاره جلالة الملك في مستشفى بالدار البيضاء وقدم له أطيب تمنياته بالشفاء العاجل.



