الحنبلي عزيز -تنوير
شهدت فرنسا تكريماً وطنياً للفيلسوف وعالم الاجتماع والكاتب الفرنسي إدغار موران، الذي وافته المنية يوم 29 ماي الماضي عن سن ناهز 104 سنوات، بعد مسار فكري وإنساني استثنائي جعله واحداً من أبرز وجوه الفكر المعاصر، ليس في فرنسا وحدها، بل في العالم بأسره.
وجاء هذا التكريم الوطني اعترافاً بمكانة رجل جمع بين الفلسفة والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والسياسة والتاريخ، ورفض طوال حياته الانغلاق داخل تخصص واحد، مؤمناً بأن فهم الإنسان والعالم لا يمكن أن يتم إلا عبر الربط بين المعارف، وتجاوز الحدود الصلبة بين العلوم، والإنصات لتعقيد الحياة بدل اختزالها في أجوبة جاهزة.
ولد إدغار موران سنة 1921 بباريس باسم إدغار ناهوم، في أسرة يهودية سفاردية، وعاش طفولة صعبة بعد فقدان والدته في سن مبكرة، وهو حدث ترك أثراً عميقاً في شخصيته ونظرته إلى الحياة والموت والإنسان. وخلال الحرب العالمية الثانية، انخرط في صفوف المقاومة ضد النازية، وهناك اتخذ اسم “موران”، الذي سيصبح لاحقاً اسماً فكرياً عالمياً مرتبطاً بالشجاعة والحرية والنقد.
لم يكن إدغار موران مفكراً منعزلاً في برج أكاديمي، بل كان شاهداً على قرن كامل من التحولات الكبرى: الحرب، المقاومة، الشيوعية، الستالينية، ماي 1968، العولمة، أزمة البيئة، تحولات الشباب، الإعلام الجماهيري، وتصدعات الحداثة. لذلك ظل فكره مشدوداً إلى أسئلة الواقع، وإلى قلق الإنسان أمام عالم يزداد تعقيداً واضطراباً.
وتُعد موسوعته الفكرية الكبرى “المنهج” من أبرز أعماله، حيث بلور من خلالها ما يعرف بـ“الفكر المركب”، وهو تصور معرفي يدعو إلى تجاوز التفكير التبسيطي الذي يعزل الظواهر عن سياقاتها، ويفصل الإنسان عن الطبيعة، والمجتمع عن التاريخ، والعلم عن الأخلاق. فبالنسبة إلى موران، لا يمكن فهم الواقع إلا باعتباره شبكة من العلاقات المتداخلة، حيث يلتقي اليقين بالشك، والنظام بالفوضى، والعقل بالعاطفة، والفرد بالجماعة.
لقد دافع موران، طيلة عقود، عن ضرورة إصلاح الفكر والتعليم، معتبراً أن المدرسة والجامعة لا ينبغي أن تكتفيا بتلقين المعارف المجزأة، بل يجب أن تعلما الإنسان كيف يفكر، وكيف يربط بين الأشياء، وكيف يواجه اللايقين. ومن هنا جاءت أهمية كتاباته حول “المعارف الضرورية لتربية المستقبل”، التي وجدت صدى واسعاً في الأوساط التربوية والفكرية عبر العالم.
وكان إدغار موران أيضاً مثقفاً ملتزماً بقضايا الإنسان والعدالة والكرامة. فقد انتقد الشموليات والاستبداد، وابتعد عن كل أشكال الدوغمائية، حتى عندما كان ذلك يكلفه الاصطدام بمحيطه السياسي أو الفكري. كما ظل وفياً للنزعة الإنسانية الكونية، مدافعاً عن السلم، وعن البيئة، وعن التضامن بين الشعوب، وعن ضرورة بناء حضارة أكثر رحمة وتواضعاً أمام هشاشة الإنسان والكوكب.
وتكمن فرادة موران في كونه لم يقدم نظرية مغلقة، بل فتح طريقاً للتفكير. كان يعتبر أن المعرفة الحقيقية تبدأ حين يعترف الإنسان بحدود معرفته، وأن الحكمة لا تعني امتلاك الأجوبة النهائية، بل القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة. ولهذا ظل، رغم تقدمه في السن، حاضراً في النقاشات العمومية، متفاعلاً مع قضايا العصر، ومحذراً من مخاطر الانغلاق والهويات القاتلة والتدمير البيئي وفقدان المعنى.
إن التكريم الوطني الذي خُص به إدغار موران لم يكن مجرد وداع رسمي لمفكر كبير، بل كان لحظة اعتراف بمسار رجل عاش أكثر من قرن وهو يحاول أن يفهم الإنسان في ضعفه وقوته، في تناقضاته وأحلامه، في نزعاته المدمرة وقدرته الدائمة على الأمل.
برحيل إدغار موران، تفقد فرنسا والعالم أحد آخر كبار المفكرين الذين جمعوا بين عمق الفيلسوف، وصرامة الباحث، وحساسية الكاتب، والتزام المواطن. غير أن أثره سيبقى ممتداً في الجامعات، وفي النقاشات الفكرية، وفي كل محاولة جادة لفهم عالم لا يكف عن التعقيد.
لقد غادر موران الحياة، لكنه ترك وراءه درساً فكرياً وإنسانياً بالغ الأهمية: لا خلاص للإنسان إلا بفكر يربط ولا يفصل، يفهم ولا يختزل، ينتقد ولا يتعصب، ويؤمن بأن مستقبل البشرية يمر عبر الوعي بتعقيد مصيرها المشترك.