افتتاحية
انتخابات 2026: هل يكون فوزي لقجع ورقة الدولة للبام لطيّ صفحة أخنوش؟

الحنبلي عزيز -تنوير
تقترب الانتخابات التشريعية المقبلة بالمغرب وسط مناخ سياسي مفتوح على كل الاحتمالات، لكنه محكوم بسؤال مركزي: هل انتهت دورة التجمع الوطني للأحرار كما بدأت، أي بصعود سريع أعقبه تآكل واضح في الرصيد السياسي والشعبي؟ وهل يستطيع حزب آخر داخل الأغلبية الحالية، خاصة حزب الأصالة والمعاصرة، أن يتحول إلى الحصان الرابح في سباق رئاسة الحكومة المقبلة؟
منذ انتخابات 2021، دخل التجمع الوطني للأحرار إلى الحكومة من موقع قوة غير مسبوق، بعدما تصدر نتائج الاقتراع وشكل أغلبية ثلاثية إلى جانب الأصالة والمعاصرة والاستقلال. غير أن السنوات التي تلت ذلك لم تكن سهلة على عزيز أخنوش وحزبه. فالحكومة وجدت نفسها في مواجهة موجة غلاء، واحتقان اجتماعي، وانتقادات متواصلة حول القدرة الشرائية، التشغيل، الصحة، التعليم، وتضارب صورة رجل الأعمال مع صورة المسؤول السياسي المفترض أن يكون قريباً من هموم الفئات المتضررة.
لذلك، لم يعد الحديث عن “سقوط” التجمع الوطني للأحرار مجرد شعار معارض، بل أصبح تعبيراً عن حالة سياسية أوسع: حزب وصل إلى القمة بسرعة، لكنه دخل مرحلة اختبار صعب أمام ناخبين لم يعودوا يكتفون بالوعود الانتخابية ولا بالشعارات التقنية حول الدولة الاجتماعية. فالرصيد الانتخابي لا يحافظ عليه المال التنظيمي وحده، ولا تكفي شبكة الأعيان لضمان العودة إلى المرتبة الأولى، خصوصاً عندما يتحول رئيس الحكومة نفسه إلى عنوان للاستياء الشعبي.
الأغلبية الحكومية بدورها تبدو أمام مفارقة لافتة. فهي، من جهة، مطالبة بالدفاع عن حصيلة مشتركة؛ ومن جهة أخرى، تستعد أحزابها لخوض منافسة انتخابية ضد بعضها البعض. التجمع الوطني للأحرار يريد إنقاذ موقعه، حزب الاستقلال يسعى إلى استعادة مكانته التاريخية، أما حزب الأصالة والمعاصرة فيحاول الظهور بمظهر الحزب القادر على تجديد عرضه السياسي واستقطاب أسماء وازنة تمنحه صورة “حزب المرحلة المقبلة”.
غير أن الحديث عن حزب الأصالة والمعاصرة لا يمكن فصله عن نشأته السياسية الخاصة. فالحزب خرج من رحم “حركة لكل الديمقراطيين”، التي ارتبط اسمها بفؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب السابق في الداخلية، والشخصية التي ستصبح لاحقاً مستشاراً لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. ومنذ تأسيسه سنة 2008، قدم البام نفسه كقوة سياسية جديدة تسعى إلى إعادة هيكلة الحقل الحزبي ومواجهة التشتت التنظيمي والضعف الذي أصاب عدداً من الأحزاب التقليدية. لكنه، في المقابل، ظل محاطاً بصورة مزدوجة: حزب يريد التحديث والعصرنة من جهة، وحزب قريب من مراكز القرار من جهة ثانية.
هذه النشأة جعلت حزب الأصالة والمعاصرة مختلفاً عن باقي الأحزاب المغربية. فهو ليس حزباً خرج من رحم الحركة الوطنية مثل حزب الاستقلال، ولا من اليسار النقابي والسياسي مثل الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية، ولا من المرجعية الإسلامية مثل العدالة والتنمية. إنه حزب ولد في لحظة كان فيها النظام السياسي يبحث عن إعادة توازن المشهد الحزبي، وعن قوة قادرة على الحد من صعود الإسلاميين، وعلى تجميع الأعيان والنخب المحلية والتكنوقراط داخل إطار واحد. ولذلك، فإن أي صعود جديد للبام في انتخابات 2026 لن يكون مجرد تقدم انتخابي عادي، بل سيُقرأ أيضاً كعودة قوية لمنطق إعادة ترتيب الحقل السياسي من داخله.
في هذا السياق، برز اسم فوزي لقجع بقوة في التداول السياسي والإعلامي. فالرجل ليس اسماً عادياً داخل الإدارة المغربية؛ إنه وزير منتدب مكلف بالميزانية، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ووجه ارتبط في المخيال الشعبي بنجاحات كروية وتنظيمية كبرى. لذلك، فإن أي حديث عن التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة لا يُقرأ فقط كخبر حزبي، بل كإشارة محتملة إلى إعادة ترتيب أوراق المشهد السياسي قبل انتخابات 2026.
لكن السؤال الأهم ليس: هل سيلتحق لقجع بالبام؟ بل: ماذا سيعني ذلك إذا حدث فعلاً؟
إذا انضم فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فقد يمنح الحزب دفعة رمزية وتنظيمية قوية. فالبام يحتاج إلى شخصية قادرة على مخاطبة الناخبين خارج القواعد التقليدية، وإلى اسم يخفف من صورته كحزب إداري أو حزب بلا زعيم انتخابي واضح. لقجع، بحكم صورته كمسؤول تقني ومالي ورياضي، يمكن أن يقدم للبام ما يفتقده حالياً: واجهة سياسية قابلة للتسويق، وشخصية تجمع بين الكفاءة التدبيرية والحضور الإعلامي.
غير أن رئاسة الحكومة في المغرب لا تُحسم بالأسماء وحدها. الدستور واضح: الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب، مع مراعاة نتائج الاقتراع. لذلك، فإن وصول لقجع إلى رئاسة الحكومة، إن دخل السياسة الحزبية، يمر أولاً عبر شرط أساسي: أن يتصدر الحزب الذي ينتمي إليه الانتخابات التشريعية المقبلة. فإذا التحق بالبام ولم يتصدر الحزب النتائج، فلن يكون ذلك كافياً لجعله رئيساً للحكومة. أما إذا تصدر البام الاقتراع، فقد يصبح اسمه مطروحاً بقوة، خاصة إذا رأت قيادة الحزب أن تقديم وجه تكنوقراطي قوي أفضل من تقديم زعيم حزبي تقليدي.
مع ذلك، يجب التعامل مع هذا السيناريو بكثير من الحذر. فلقجع نفسه نفى، إلى حدود الآن، أن يكون عضواً في حزب الأصالة والمعاصرة أو مرشحاً ضمن لوائحه. وهذا النفي يجعل كل التحليلات الحالية في خانة القراءة السياسية لا الخبر المؤكد. لكن مجرد تداول اسمه يكشف شيئاً مهماً: هناك بحث واضح داخل بعض دوائر المشهد السياسي عن بديل لمرحلة أخنوش، وعن شخصية تستطيع قيادة حكومة جديدة دون أن تكون مثقلة بنفس درجة الاستهلاك الشعبي الذي أصاب جزءاً من الأغلبية الحالية.
أما الحزب “الأوفر حظاً” لرئاسة الحكومة، فلا يمكن حسمه اليوم. التجمع الوطني للأحرار ما زال يمتلك آلة انتخابية قوية، وشبكة واسعة من المنتخبين والأعيان، وقدرة مالية وتنظيمية مهمة. لكنه يدخل الانتخابات المقبلة مثقلاً بحصيلة حكومية صعبة وبصورة رئيس حكومة فقد جزءاً كبيراً من جاذبيته. حزب الاستقلال يملك تاريخاً وقاعدة اجتماعية ورصيداً تنظيمياً، لكنه يحتاج إلى خطاب أكثر قوة ليقنع الناخبين بأنه ليس مجرد شريك في الحكومة الحالية. أما حزب الأصالة والمعاصرة فيبدو، في هذه اللحظة، أكثر الأحزاب بحثاً عن “ضربة سياسية” تعيد تشكيل صورته وتمنحه موقع الصدارة.
في المقابل، لا يمكن اختزال انتخابات 2026 في صراع بين مكونات الأغلبية الحالية فقط. فالمعارضة، رغم تشتتها وضعف حضورها أحياناً، قد تلعب دوراً حاسماً في توجيه المزاج الانتخابي. حزب العدالة والتنمية، الذي عاش هزيمة قاسية في انتخابات 2021، يحاول استعادة جزء من خطابه الاحتجاجي والأخلاقي، مستفيداً من تآكل صورة الحكومة الحالية. غير أن عودته ليست سهلة،الا اذا تحالف انتخابيا مع العدل و الاحسان و باقي الحركات الاسلامية بالمغرب و رغم ذالك فأن جزءاً من الناخبين ما زال يربط تجربته السابقة بمرحلة صعبة من التدبير الحكومي، وبقرارات اجتماعية واقتصادية خلّفت انتقادات واسعة.
أما الحركة الشعبية، فهي تراهن على امتدادها في العالم القروي وعلى شبكاتها المحلية التقليدية، وقد تتحول إلى رقم مهم في تشكيل التحالفات، حتى إذا لم تكن مرشحة لتصدر الانتخابات. هذا الحزب يعرف كيف يتحرك في الهوامش والمجالات الترابية التي لا تظهر كثيراً في النقاش السياسي الوطني، لكنه يظل حاضراً بقوة في الخريطة الانتخابية المحلية.
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يدخل بدوره هذه المرحلة وهو محمل بتاريخ طويل من المعارضة والحكومة معاً. غير أن التحدي المطروح أمامه هو استعادة موقعه كصوت اجتماعي ديمقراطي قادر على مخاطبة الطبقات الوسطى، الشباب، النقابات، والمثقفين. فإذا ظل خطابه باهتاً أو مرتبطاً فقط بالحسابات المؤسساتية، فقد يجد نفسه عاجزاً عن تحويل الاستياء الشعبي إلى رصيد انتخابي حقيقي.
حزب التقدم والاشتراكية، من جهته، قد يستفيد من وضوح خطابه النقدي تجاه الحكومة، خاصة في الملفات الاجتماعية والاقتصادية. فالحزب يحاول تقديم نفسه كمعارضة مسؤولة، قريبة من قضايا العدالة الاجتماعية، التعليم، الصحة، والسكن. لكنه يواجه بدوره محدودية الانتشار الانتخابي وصعوبة المنافسة أمام أحزاب تمتلك إمكانيات تنظيمية ومالية أكبر.
ولا ينبغي إغفال أحزاب اليسار الديمقراطي، وفي مقدمتها فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد. صحيح أن وزنها الانتخابي ظل محدوداً مقارنة بالأحزاب الكبرى، لكنها تحتفظ بأهمية رمزية وسياسية داخل النقاش العمومي. فهي تمثل صوتاً نقدياً يركز على الديمقراطية، الحريات، العدالة الاجتماعية، محاربة الريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ورغم ضعف التمثيلية البرلمانية، فإن حضور هذا اليسار في النقاش السياسي والمدني قد يجعله مؤثراً في صياغة الأسئلة الكبرى للحملة الانتخابية، حتى إن لم يتحول ذلك بالضرورة إلى مقاعد كثيرة.
القوة الحقيقية للمعارضة في انتخابات 2026 لن تكون فقط في عدد المقاعد التي ستحصل عليها، بل في قدرتها على فرض مواضيع الحملة. فإذا نجحت أحزاب المعارضة، من العدالة والتنمية إلى اليسار، مروراً بالحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، في تحويل النقاش من صراع الأشخاص إلى مساءلة الحصيلة، فقد تجعل الأغلبية الحالية في موقع دفاعي صعب. أما إذا بقيت المعارضة مشتتة، مترددة، أو منشغلة بحسابات المواقع، فإنها ستمنح الأغلبية فرصة إعادة إنتاج نفسها بأسماء جديدة وشعارات جديدة.
الانتخابات المقبلة لن تكون فقط معركة مقاعد، بل معركة ثقة. المواطن المغربي، خاصة الشباب، صار أكثر ميلاً إلى محاسبة الأحزاب على نتائج ملموسة: الشغل، الصحة، المدرسة، الأسعار، الكرامة، والعدالة المجالية. لذلك، فإن أي حزب يريد رئاسة الحكومة المقبلة لن يكفيه أن يقدم وجهاً جديداً أو اسماً كبيراً؛ عليه أن يقدم جواباً سياسياً واجتماعياً مقنعاً.
قد يكون البام هو الحزب الأكثر استفادة من تراجع صورة الأحرار إذا نجح في ترتيب بيته الداخلي واستقطاب وجوه قوية. وقد يعود الاستقلال إلى الواجهة إذا أحسن استثمار رصيده التاريخي وخطابه الاجتماعي. وقد يحاول الأحرار تفادي السقوط عبر حملة قوية وإعادة تموقع داخل المشهد. وقد تجد المعارضة في هذه اللحظة فرصة لإعادة بناء الثقة مع جزء من الناخبين الغاضبين أو المترددين. لكن المؤكد أن مرحلة ما بعد 2026 لن تكون نسخة طبق الأصل من مرحلة 2021.
أما فوزي لقجع، فهو اليوم اسم فوق العادة في بورصة التكهنات السياسية. إذا بقي خارج الأحزاب، فسيظل رقماً قوياً داخل الدولة والحكومة. وإذا دخل حزب الأصالة والمعاصرة، فقد يتحول إلى ورقة انتخابية ثقيلة. وإذا تصدر الحزب الذي ينتمي إليه نتائج الاقتراع، فقد يصبح اسمه مطروحاً بجدية لرئاسة الحكومة. لكن بين الاحتمال والواقع مسافة طويلة، اسمها: صناديق الاقتراع، موازين القوى، والقرار الدستوري النهائي.
–الحنبلي عزيز مدير نشر تنوير وباحث في العلوم السياسية




