الحنبلي عزيز-تنوير
يبدو أن المشهد الحزبي في المغرب يسير، منذ سنوات، في اتجاه مقلق، حيث لم يعد التنافس السياسي يقوم على البرامج والرؤى المجتمعية بقدر ما أصبح رهيناً بالامكانيات المالية و بالاعيان وحتى بمنطق مواجهة الأشخاص. وفي قلب هذا المنطق، تحوّل عبد الإله بنكيران إلى ما يشبه “المرآة” التي تُقاس بها القيادات الحزبية الأخرى: من يستطيع مجاراته في الخطاب؟ ومن يملك القدرة على الاشتباك اللفظي ومجاراة أسلوبه الشعبوي؟
في هذا السياق، لا يبدو أن التجمع الوطني للأحرار أو حزب الأصالة والمعاصرة منشغلان فعلياً بإنتاج قيادة سياسية جديدة تحمل مشروعاً واضح المعالم، بقدر ما يبدوان في سباق لإيجاد من يستطيع الفوز بالمقاعد و الوقوف في مواجهة بنكيران في ساحة الخطاب ، و يتقن فن الرد والمناكفة السياسية، ويعرف كيف يخوض معارك الكلام داخل الفضاء العمومي.
بهذا المنطق تُدار السياسة في بلادنا: تلاسن، تراشق خطابي، وصراعات شخصية، مقابل غياب النقاش الجاد حول السياسات العمومية، وضعف النقاش العمومي حول البدائل الاقتصادية والاجتماعية. وفي خضم هذا الضجيج، يبقى المواطن خارج المعادلة، متفرجاً على صراعات لا تُغيّر من واقعه اليومي شيئاً، ولا تمسّ جوهر انشغالاته المرتبطة بالعيش الكريم، والعدالة الاجتماعية، والقدرة الشرائية.
وسط هذا السياق المشحون، أعلن رئيس الحكومة وزعيم حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، عن قراره عدم الترشح لولاية جديدة على رأس الحزب، في خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية. القرار قُدِّم باعتباره تجسيداً لمبدأ التداول الديمقراطي وتجديد النخب داخل التنظيم الحزبي، لكنه في الآن ذاته فتح باب التساؤلات حول خلفياته السياسية وتوقيته.
فعندما يُسأل عن الخليفة المحتمل لأخنوش على رأس الحزب، يأتي الجواب: “ليس هناك أي خليفة يمكن الحديث عنه بالاسم إلى حد الآن”.
جواب يثير أكثر مما يطمئن، ولا يُقنع شريحة واسعة من المتابعين.لماذا؟
لأن ما يُسمّى بـ”التنحي التلقائي” أو “الرحيل الذاتي” يظل سلوكاً سياسياً نادراً في التجربة الحزبية المغربية. فالتاريخ القريب يُظهر أن السياسي كلما أكثر الحديث عن رغبته في المغادرة، كان ذلك غالباً تمهيداً للبقاء لا للرحيل. وكثيرون ممّن أعلنوا نيتهم الاكتفاء بولاية واحدة، انتهى بهم الأمر إلى تمديد ولاياتهم الثانية والثالثة، وربما أكثر، دون حرج أو مساءلة.
هذا السلوك لا يقتصر على حزب بعينه، بل يكاد يشمل معظم الأحزاب السياسية، وربما حتى بعض تنظيمات الإسلام السياسي، كما يمتد إلى مسؤوليات وانتدابات محلية أصغر، حيث يتحول المنصب من أداة لخدمة المشروع العام إلى غاية في حد ذاته.
من جهة أخرى، لا ينظر الشارع المغربي إلى مسألة القيادة الحزبية بمعزل عن الحصيلة الحكومية. فبالنسبة للمواطن، لا معنى لتغيير الوجوه إذا لم يُترجم ذلك إلى تحسن ملموس في شروط العيش، والحد من غلاء المعيشة، ومواجهة البطالة، واستعادة الثقة في العمل السياسي.
من هنا يظل السؤال مشروعاً:
هل يشكّل إعلان عزيز أخنوش عدم الترشح مجدداً بداية فعلية لتصحيح المسار السياسي داخل الحزب؟
أم أن الأمر لا يعدو أن يكون خطوة تكتيكية لإعادة ترتيب الأوراق وامتصاص الغضب، استعداداً لاستحقاقات مقبلة بوجوه جديدة وخطاب مُحدَّث؟
سؤال سيبقى مفتوحاً، في انتظار أفعال واضحة لا تصريحات فضفاضة، تعيد للسياسة معناها الحقيقي، وللمواطن مكانته في قلب النقاش العمومي، لا على هامشه.