الحنبلي عزيز -متابعة
أعاد مقتل الحبيب ولد عبد العزيز، نجل الزعيم السابق لجبهة البوليساريو محمد عبد العزيز، فتح النقاش حول طبيعة التحركات العسكرية التي تقوم بها الجبهة في المنطقة العازلة، وحول الصراعات الداخلية التي يعرفها التنظيم، في ظل تغير موازين القوى الميدانية بالصحراء بعد دخول الطائرات المسيرة المغربية على خط مراقبة وتأمين المنطقة.
ويأتي هذا الحادث في سياق عسكري وسياسي حساس، بعدما باتت أي محاولة للتسلل نحو المنطقة العازلة محفوفة بمخاطر كبيرة، نتيجة التطور النوعي في قدرات المراقبة والاستهداف لدى القوات المسلحة الملكية، وهو ما جعل تحركات عناصر البوليساريو محدودة التأثير ومكلفة بشرياً.
ويرى متابعون أن مقتل الحبيب ولد عبد العزيز لا يمكن قراءته فقط في إطار المواجهة العسكرية التي تحاول الجبهة تسويقها، بل يكشف أيضاً عن توترات داخلية وصراعات مرتبطة بمواقع النفوذ داخل قيادة البوليساريو، خاصة أن الراحل كان يحمل اسماً رمزياً داخل التنظيم، بحكم كونه نجل أحد أبرز قادته التاريخيين.
وتذهب قراءات سياسية إلى أن قيادة البوليساريو تواصل الدفع بعناصر من أبناء المخيمات نحو عمليات عسكرية محدودة وغير محسوبة، رغم إدراكها لتغير المعادلة الميدانية، وذلك في محاولة لإبقاء النزاع مفتوحاً وعرقلة المسار الأممي الرامي إلى إيجاد حل سياسي واقعي ودائم للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
كما يعتبر محللون أن هذه التحركات تتعارض مع التوجه الدولي المتزايد نحو دعم الحل السياسي، وعلى رأسه مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمها المملكة المغربية باعتبارها أساساً جدياً وواقعياً لتسوية الملف تحت إشراف الأمم المتحدة.
وتثير وفاة الحبيب ولد عبد العزيز أسئلة إضافية حول طريقة تدبير القيادة الانفصالية لخلافاتها الداخلية، خاصة في ظل تداول معطيات تشير إلى أنه كان يحظى بمكانة خاصة داخل بعض الأوساط، بالنظر إلى تكوينه العسكري وصلاته العائلية والسياسية. ويرى بعض المتابعين أن الدفع بشخصية من هذا الحجم نحو منطقة عسكرية خطيرة قد يحمل أكثر من دلالة، سواء من حيث الحسابات الميدانية أو الصراعات المرتبطة بمستقبل القيادة داخل الجبهة.
وفي الوقت ذاته، أثار بيان الجبهة الذي وصف الراحل بـ“الشهيد” انتقادات داخلية، بعدما اعتبر بعض سكان المخيمات أن القيادة تعاملت بانتقائية مع الحادث، وركزت على رمزية الاسم، في حين تجاهلت أسماء آخرين قُتلوا في العملية نفسها أو في ظروف مماثلة.
وتعكس هذه التطورات، بحسب مراقبين، مأزق البوليساريو بين خطاب سياسي وعسكري قديم، وواقع ميداني جديد فرضته التحولات العسكرية والدبلوماسية في المنطقة. فالجبهة، التي ترفع شعارات المواجهة، تجد نفسها أمام ميزان قوى لم يعد يسمح بمغامرات عسكرية مفتوحة، بينما يتجه المجتمع الدولي أكثر نحو الحلول السياسية الواقعية بدل منطق التصعيد.
كما تكشف هذه الوقائع حجم المعاناة التي يعيشها شباب المخيمات، الذين يجدون أنفسهم، وفق شهادات عديدة، أمام خيارات محدودة بين الانخراط في تحركات عسكرية خطيرة، أو البحث عن منافذ للعيش في بيئة مغلقة تفتقر إلى آفاق واضحة.
وبين استمرار القيادة الحالية في نهج التصعيد، وتزايد الضغوط الدولية من أجل تسوية سلمية، يبدو أن مقتل الحبيب ولد عبد العزيز قد يتحول إلى مؤشر جديد على عمق الأزمة داخل البوليساريو، وعلى عجزها عن مواكبة التحولات الميدانية والسياسية التي يعرفها ملف الصحراء.
ويخلص متابعون إلى أن الحادث لا يغير شيئاً في التوازنات العسكرية، لكنه يسلط الضوء على كلفة استمرار النزاع، وعلى الثمن البشري الذي يدفعه سكان المخيمات، في وقت تتجه فيه الجهود الدولية نحو حل سياسي يضمن الاستقرار والتنمية في المنطقة.