وجهة نظر

بين الكذب المنحاز والحياد الكاذب: كيف نواجه تسطيح الإعلام؟ بقلم:حميد قاسمي

  في زمن تتقاطع فيه الروايات وتتضارب المصالح، باتت المتابعة الإعلامية تضع المتلقي في مهبّ التناقضات الصارخة. فمن يشاهد قناة العربية أو سكاي نيوز، سرعان ما يتوهم أن إسرائيل منتصرة في كل جولة، ومن يتجه صوب الجزيرة أو الميادين، يخرج بانطباع راسخ أن إيران تفرض هيمنتها وتنتصر في كل ساحة. أما القناة الأولى، فتختار الهروب من المشهد الدولي الصاخب، لتنقل ربورطاجا مطولا عن سيدة رائدة في تربية الدجاج والحجل البري في قرية بامحمد.

ليست هذه المفارقة إلا تجليا من تجليات العبث الإعلامي والتسطيح الذي يطبع الكثير من المعالجات الصحفية في عصرنا. وهنا تبرز إشكالية جوهرية تتجاوز طبيعة الانحياز، لتطرح سؤالا أكثر عمقا: كيف نبني وعيا نقديا قادرا على التمييز بين الانحياز المشروع للقضايا العادلة، وبين الانسياق وراء اختلاق الأكاذيب وتزييف الحقائق؟

ليس المطلوب من المتلقي أن يكون محايدا تجاه القضايا المصيرية، فذلك في حد ذاته ضرب من الخذلان. المطلوب هو أن يتسلح بعقل نقدي، يرفض تسطيح الأحداث، ويدرك أن الواقع أكثر تعقيدا من أن يُختزل في ثنائية الخير المطلق والشر المطلق. إذ ليس ثمة طرف نقي في السياسة، ولا يوجد طرف ينتصر دوما مهما تجندت المنصات لتلميعه أو شيطنته.

الخطوة الأولى لمواجهة الأخبار المفبركة تبدأ من الداخل، من مقاومة التحيز العاطفي لما يرضي رغباتنا، ومن الجرأة على النظر في الروايات التي لا تساير أهواءنا. لأن الإصرار على تصديق الأكاذيب يضر بالقضايا التي نؤمن بها، ويضعف جاذبيتها أمام الرأي العام، بل ويمنح الخصوم مادة للطعن والمزايدة.

لقد آن الأوان لأن ننتقل من الاستهلاك الانفعالي للأخبار إلى تربية ذوق إعلامي رصين، يميز بين الدعاية والمعلومة، ويحرص على الانحياز الواعي لا العشوائي، وعلى التضامن العاقل لا الغوغائي. فالتحليل الرصين لا يقل أهمية عن الموقف الأخلاقي، بل هو شرط من شروط بناء رأي عام ناضج ومؤثر.

إن التسطيح هو العدو الأول للوعي، ومن لا يدرك تعقيد الواقع، سيظل فريسة سهلة لمعادلات مضللة، يحسب فيها الانتصار مجرد مسألة صوت أعلى أو صورة أكثر تأثيرا. وهذا وهم لن يصمد أمام اختبار الزمن، لأن الحقيقة تظل، في النهاية، أقوى من الضجيج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى