الحنبلي عزيز
تشهد تونس تصاعداً جديداً في حدة الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار واتساع دائرة الاعتقالات التي طالت معارضين وصحافيين ونشطاء في المجتمع المدني.
وفي 16 ماي 2026، خرج مئات المحتجين في مسيرة وسط العاصمة تونس، رافعين شعار: «الشعب جائع والسجون ممتلئة»، في تعبير واضح عن تداخل المطالب الاجتماعية المرتبطة بتحسين ظروف العيش مع المطالب السياسية الداعية إلى إطلاق سراح المعتقلين واحترام الحريات العامة.
ولا تشير المعطيات المتاحة إلى اندلاع أعمال شغب واسعة أو اضطرابات معممة في مختلف أنحاء البلاد، إذ اتخذت التحركات الأخيرة أساساً شكل مظاهرات ومسيرات واعتصامات وإضرابات. غير أنها تعكس مستوى مرتفعاً من الاحتقان، خصوصاً في العاصمة ومناطق قفصة وصفاقس وعدد من محافظات الوسط الغربي، التي تعاني منذ سنوات البطالة والتهميش وضعف الاستثمارات العمومية.
غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية
تُعد الأزمة الاقتصادية وتدهور القدرة الشرائية من أبرز أسباب الاحتجاجات. ويواجه عدد كبير من التونسيين صعوبات متزايدة بسبب ارتفاع أسعار المواد الأساسية، ونقص بعض الأدوية والمنتجات الغذائية، إلى جانب تراجع جودة الخدمات العمومية، خاصة في قطاعات الصحة والنقل والماء والبنيات التحتية.
ويرى المحتجون أن الإجراءات الحكومية المتخذة لم تنجح في الحد من الضغوط اليومية التي تواجه الأسر، كما لم تقدم حلولاً ملموسة لمشكلة البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتشكل البطالة أحد أهم مصادر الغضب الاجتماعي، إذ بلغ معدلها نحو 15 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، بينما ارتفع إلى 37.5 في المائة في صفوف الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة، وإلى أكثر من 24 في المائة لدى حاملي الشهادات الجامعية.
وتتفاقم الأزمة بصورة أكبر في صفوف النساء المتعلمات، حيث تصل نسبة البطالة بين خريجات التعليم العالي إلى حوالي 32 في المائة، وهو ما يفسر الحضور القوي للشباب وأصحاب الشهادات المعطلين في مختلف أشكال الاحتجاج.
وكانت السلطات التونسية قد أعلنت عن زيادات تدريجية في الأجور والمعاشات خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2028، بهدف دعم القدرة الشرائية وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. غير أن هذه التدابير لم تتمكن من تبديد المخاوف المرتبطة بالفقر والهشاشة وغياب فرص الشغل.
الاعتقالات تفجر الاحتقان السياسي
إلى جانب الصعوبات الاقتصادية، ساهمت الاعتقالات والأحكام القضائية الصادرة في حق عدد من المعارضين والمحامين والصحافيين والنشطاء الحقوقيين في تأجيج الاحتجاجات.
ويرفع المتظاهرون مطالب بإطلاق سراح المعتقلين، متهمين السلطات باستعمال القضاء والأجهزة الأمنية للحد من الأصوات المعارضة. كما يعبرون عن مخاوفهم من تراجع حرية التعبير والصحافة واستقلالية القضاء.
وتعيش تونس توتراً سياسياً متزايداً منذ الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في 25 يوليوز 2021، قبل حل البرلمان سنة 2022 وتركيز جزء واسع من السلطات في يد مؤسسة الرئاسة.
ويتهم معارضو الرئيس هذه الإجراءات بإضعاف المؤسسات الديمقراطية التي نشأت بعد ثورة 2011، بينما يؤكد قيس سعيد أن قراراته كانت ضرورية لمواجهة الفساد واستعادة هيبة الدولة ومنع البلاد من الانزلاق إلى الفوضى.
وقد ساهم انخراط المحامين والصحافيين والنقابات والمدافعين عن حقوق الإنسان في توسيع دائرة الاحتجاج، فلم تعد التحركات مقتصرة على الأحزاب السياسية، بل أصبحت تجمع فئات مختلفة، من بينها الشباب العاطلون وحاملو الشهادات والمواطنون المتضررون من الأزمة الاقتصادية.
تراكم الغضب وراء اندلاع الاحتجاجات
لا ترتبط الاحتجاجات التونسية الأخيرة بحادث واحد أو سبب منفرد، بل جاءت نتيجة تراكم طويل لجملة من الأزمات، تشمل ارتفاع الأسعار والبطالة والفقر وتراجع الخدمات العمومية ونقص بعض المواد الأساسية، إضافة إلى الشعور بتقلص الحريات العامة.
ويختصر شعار «الشعب جائع والسجون ممتلئة» طبيعة الأزمة المزدوجة التي تعيشها البلاد، إذ يجمع بين المطالب الاجتماعية المرتبطة بالعيش الكريم، والمطالب السياسية المتعلقة بالحريات والإفراج عن المعتقلين.
ويبدو أن جزءاً من التونسيين لم يعد يفصل بين الأزمة الاقتصادية والوضع السياسي، معتبراً أن غياب الحوار وضعف الثقة في المؤسسات يزيدان من حدة الاحتقان.
وتقف تونس اليوم أمام تحديات اجتماعية وسياسية معقدة، ستتوقف تطوراتها على قدرة السلطات على تقديم حلول ملموسة لمشكلات البطالة والأسعار والخدمات العمومية، إلى جانب فتح حوار جدي مع القوى السياسية والاجتماعية.
وفي حال استمرار الأوضاع الحالية وغياب استجابة واضحة لمطالب المحتجين، قد تتحول التحركات القطاعية والمتفرقة إلى موجة احتجاج أوسع، يصعب احتواؤها بالحلول الأمنية وحدها.