افتتاحية

خطاب العرش.. خريطة طريق لمرحلة دقيقة بين طموح الدولة الصاعدة وضغط الانتظارات الاجتماعية- الحنبلي عزيز

يمكن تلخيص الخطاب الملكي في خمس رسائل أساسية: أولا، التأكيد على أن المغرب دخل مرحلة جديدة من مساره التنموي، تقوم على الثقة، الاستقرار، نجاعة المؤسسات، والنظر إلى المستقبل بروح إيجابية. ثانيا، إبراز المكاسب الاقتصادية المحققة، خاصة في الصناعة، السيارات، الطيران، السياحة، الطاقات المتجددة، الهيدروجين الأخضر، الأمن الغذائي والدوائي. ثالثا، التشديد على السيادة الوطنية بمعناها الجديد، أي السيادة الاقتصادية، الصناعية، الطاقية، الدفاعية والرقمية. رابعا، ربط التنمية الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية والمجالية، عبر تعميم الحماية الاجتماعية وبرامج التنمية الترابية المندمجة. خامسا، توجيه رسالة سياسية لما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، مفادها أن الحكومة المقبلة مطالبة بتحصين المكاسب ومواصلة الإصلاحات الكبرى، لأن الرؤية التنموية تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني.

 الحنبلي عزيز

جاء الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء الملك محمد السادس العرش محملا برسائل سياسية واقتصادية واستراتيجية واضحة. فهو لم يكن خطابا احتفاليا فقط، بل قراءة مركزة لمسار دولة، وتقييما لمرحلة، وتوجيها للسنوات المقبلة. وقد اختار الملك أن يبني خطابه على ثنائية أساسية: الاعتزاز بما تحقق، والوعي بما يجب استكماله. لذلك، لم يكن الخطاب مجرد عرض للمؤشرات الاقتصادية، بل محاولة لوضع هذه المؤشرات داخل تصور أوسع لمغرب يريد أن يتحول من بلد يبحث عن الاستقرار إلى بلد يصنع مكانته داخل نظام دولي مضطرب.

أول ما يلفت الانتباه في الخطاب هو مركزية مفهوم الاستقرار. فالملك قدم الاستقرار السياسي والمؤسسي باعتباره “عملة نادرة” في محيط إقليمي ودولي مليء بالتقلبات. هذه العبارة ليست تفصيلا لغويا، بل مفتاح لفهم فلسفة الخطاب. ففي زمن تتزايد فيه الحروب، الأزمات الاقتصادية، النزاعات الإقليمية، وصعود السياسات الحمائية، يقدم المغرب نفسه كبلد مستقر، قادر على التخطيط، واستقطاب الاستثمار، وتنظيم التظاهرات الكبرى، ومواجهة الأزمات الطبيعية والاجتماعية. هنا يصبح الاستقرار ليس فقط قيمة سياسية، بل رأسمالا اقتصاديا واستراتيجيا.

على المستوى الوطني، يربط الخطاب بين الاستقرار ونجاعة المؤسسات. فالملك تحدث عن المغرب كـ “دولة أمة” ذات تقاليد راسخة، تعمل مؤسساتها في إطار من الانسجام والتكامل. هذه الصيغة تؤكد أن الدولة المغربية تقدم نفسها باعتبارها بنية تاريخية متماسكة، لا مجرد جهاز إداري. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن “المذهب في الحكم” القائم على المبادرة، المتابعة الدقيقة، النقد الذاتي، والتطلع إلى المستقبل. فالخطاب يريد أن يقول إن ما تحقق لم يكن نتيجة ظرفية عابرة، بل نتيجة تراكم استراتيجي طويل.

اقتصاديا، يبرز الخطاب صورة “المغرب الصاعد”. فقد توقف عند نسبة النمو، التي بلغت حسب الخطاب حوالي 4,9 في المائة سنة 2025، مع توقع استمرارها في مستوى قريب أو أعلى خلال 2026. وهذه الأرقام تجد سندا في معطيات المندوبية السامية للتخطيط، التي أشارت إلى نمو بلغ 4,9 في المائة سنة 2025، وإلى بلوغ النمو 5 في المائة في الفصل الأول من 2026، كما أكد البنك الدولي أن 2025 سجلت أقوى أداء اقتصادي للمغرب منذ عقد تقريبا.

غير أن الخطاب لم يقدم النمو باعتباره رقما معزولا، بل ربطه بتحول بنيوي في الاقتصاد الوطني. فالمغرب، حسب مضمون الخطاب، لم يعد يعتمد فقط على القطاعات التقليدية، بل أصبح يبني قوته على الصناعة، السيارات، الطيران، البطاريات الكهربائية، الصناعات الغذائية، الأدوية، الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر. هنا تظهر فكرة أساسية: المغرب لا يريد فقط أن يستهلك التحولات العالمية، بل يسعى إلى أن يجد لنفسه موقعا داخل سلاسل الإنتاج الجديدة.

وتحضر صناعة السيارات والطيران كرمزين لهذا التحول. فالخطاب أشار إلى أن المغرب أصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، وأن صادرات السيارات والطيران تجاوزت 40 في المائة من إجمالي الصادرات، متقدمة على الفوسفاط. هذه الإشارة تحمل دلالة قوية: الاقتصاد المغربي ينتقل تدريجيا من اقتصاد مرتبط بالموارد الطبيعية والمواد الأولية إلى اقتصاد صناعي مندمج في سلاسل القيمة العالمية. وهذا التحول، إذا استمر، يمكن أن يعيد تشكيل مكانة المغرب داخل إفريقيا والعالم العربي والمتوسط.

أما السياحة، فقد وردت في الخطاب باعتبارها قطاعا حقق إنجازا تاريخيا باستقبال ما يقارب 20 مليون سائح سنة 2025، بما في ذلك أفراد الجالية المغربية بالخارج. وهذا الرقم أكدته وزارة السياحة المغربية التي تحدثت عن رقم قياسي غير مسبوق سنة 2025، مع مداخيل سياحية قياسية بلغت 124 مليار درهم إلى غاية نهاية نونبر 2025. ويعني ذلك أن المغرب لم يعد يقدم نفسه فقط كوجهة سياحية تقليدية، بل كمنصة جذب عالمية مرتبطة بالاستقرار، البنية التحتية، الثقافة، الرياضة، وتنظيم التظاهرات الكبرى.

لكن البعد الأعمق في الخطاب هو مفهوم السيادة الوطنية. فالسيادة هنا لا تقتصر على معناها الترابي أو السياسي، بل تمتد إلى الاقتصاد، الصناعة، الغذاء، الدواء، الطاقة، الدفاع، والأمن السيبراني. في سياق عالمي يعرف عودة الحمائية، اضطراب سلاسل التوريد، وتنافسا قويا على المعادن والطاقة والتكنولوجيا، يصبح الاكتفاء الاستراتيجي جزءا من الأمن الوطني. لذلك، عندما يشير الخطاب إلى أن الصناعات الغذائية والدوائية أصبحت تغطي نحو 80 في المائة من الحاجيات الوطنية، فهو يتحدث عن حماية المجتمع من الصدمات الخارجية، وليس فقط عن نجاح صناعي.

ويزداد هذا المعنى وضوحا في الحديث عن الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني. فالمغرب يريد أن يبني قاعدة صناعية وتكنولوجية قادرة على تعزيز السيادة الدفاعية وخلق فرص تنموية جديدة. هذه النقطة تضع المغرب داخل سياق عالمي تتحول فيه التكنولوجيا إلى مجال سيادي، ولم تعد فيه القوة تقاس فقط بالجيش أو الاقتصاد، بل أيضا بالقدرة على إنتاج المعرفة، حماية البيانات، امتلاك التكنولوجيا، وتأمين البنيات الرقمية.

في السياق الإفريقي، يحمل الخطاب رسالة واضحة: المغرب يقدم نفسه كقوة إقليمية صاعدة، لا من خلال الخطاب السياسي فقط، بل عبر الاقتصاد، الصناعة، الطاقة، الاستثمار، والتعاون. فحين يصبح المغرب مركزا لصناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة، فإنه يعزز موقعه كبوابة صناعية نحو إفريقيا، وكشريك مطلوب في سلاسل الإنتاج الدولية. كما أن رهان الهيدروجين الأخضر يفتح أمامه موقعا استراتيجيا في القارة، خاصة أن إفريقيا تمتلك مؤهلات كبيرة في الطاقة الشمسية والريحية، لكنها تحتاج إلى نماذج ناجحة لتحويل هذه المؤهلات إلى مشاريع صناعية قابلة للتمويل.

وفي هذا الإطار، لا يبدو “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر” مجرد مشروع طاقي، بل جزءا من تموقع جيو-اقتصادي جديد. فقد أطلقت الحكومة المغربية إطار “عرض المغرب” لتطوير هذا القطاع، وتم لاحقا الإعلان عن مشاريع كبرى وانتقاء مستثمرين في هذا المجال، في انسجام مع التوجه الملكي نحو تسريع هذه الصناعة الواعدة. بهذا المعنى، يحاول المغرب أن يكون حاضرا في الاقتصاد الأخضر العالمي، لا بوصفه موردا للطاقة فقط، بل فاعلا في صناعة المستقبل.

أما عربيا، فيأتي الخطاب في لحظة تعرف فيها المنطقة سباقا نحو التنويع الاقتصادي، الأمن الغذائي، الطاقات الجديدة، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، وتوطين الصناعات الاستراتيجية. وفي هذا السياق، يقدم المغرب نموذجا مختلفا نسبيا: نموذج يجمع بين الاستقرار السياسي، الإصلاح التدريجي، الاستثمار في البنيات التحتية، والبحث عن شراكات متوازنة. لا يملك المغرب الإمكانات المالية نفسها التي تملكها بعض دول الخليج، لكنه يحاول أن يعوض ذلك بالموقع الجغرافي، الرأسمال البشري، القرب من أوروبا، العمق الإفريقي، والتراكم الصناعي.

عالميا، يتفاعل الخطاب مع لحظة دولية عنوانها الكبير هو نهاية العولمة الساذجة. فالدول لم تعد تثق تماما في الأسواق المفتوحة ولا في سلاسل التوريد الممتدة بلا حدود. الحرب، الأوبئة، أزمة الطاقة، التضخم، والحمائية التجارية جعلت كل دولة تبحث عن أمنها الصناعي والغذائي والطاقي. ومن هنا تأتي أهمية حديث الملك عن “تأمين سلاسل التوريد والإنتاج” و”تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي”. فالخطاب يقرأ التحول الدولي بوضوح: من لا ينتج جزءا أساسيا من حاجياته، يصبح تابعا ومعرضا للصدمات.

مع ذلك، لا يغفل الخطاب البعد الاجتماعي. فقد ربط الملك التحول الاقتصادي بتعميم الحماية الاجتماعية، تحسين ظروف عيش المغاربة، العدالة الاجتماعية والمجالية، والتنمية الترابية المندمجة. وهذه نقطة أساسية في التحليل، لأن التحدي الأكبر أمام المغرب لا يكمن فقط في إنتاج السيارات أو جذب السياح أو إطلاق مشاريع الهيدروجين، بل في تحويل هذه الدينامية الاقتصادية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين: شغل، دخل، صحة، تعليم، نقل، سكن، وكرامة اجتماعية.

وهنا تبرز المسافة بين “المغرب الصاعد” كمشروع اقتصادي و”المغرب الاجتماعي” كتحد يومي. فالخطاب ينتبه إلى أن النمو وحده لا يكفي، وأن الاستثمارات الكبرى لا تكتمل قيمتها إلا إذا انعكست على الجهات والمناطق والفئات التي ما زالت تشعر بالتفاوت أو الهشاشة. لذلك جاء التشديد على برامج التنمية الترابية المندمجة، وعلى ضرورة أن تشمل كل المناطق والجهات دون استثناء. هذه الإشارة تحمل بعدا سياسيا واجتماعيا مهما، لأنها تعترف ضمنيا بأن معركة التنمية المقبلة ستكون في المجال الترابي، لا فقط في المؤشرات الماكرو-اقتصادية.

كما يوجه الخطاب رسالة مباشرة إلى القطاع المالي الوطني. فالملك دعا إلى تعبئة التمويل الداخلي، وتوسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية، خاصة لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، الابتكار، التصنيع والتصدير. هذه الرسالة تكشف أن الدولة تريد اقتصادا أكثر إنتاجا وأقل اعتمادا على الريع أو الانتظار. كما تؤكد أن المقاولات الصغيرة والمتوسطة يجب أن تكون جزءا من “المغرب الصاعد”، لا مجرد هامش بجانب المشاريع الكبرى.

سياسيا، يحمل الخطاب إشارات واضحة إلى المرحلة المقبلة. فالملك تحدث عن الانتخابات التشريعية المقبلة وعن حكومة جديدة، لكنه وضعها داخل منطق الاستمرارية لا القطيعة. الرسالة هنا واضحة: المكاسب الاقتصادية والاجتماعية تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، لأنها ثمرة اختيارات استراتيجية طويلة المدى. وبالتالي، فإن الحكومة المقبلة لن تبدأ من الصفر، بل ستكون مطالبة بتحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى. هذا المعنى مهم جدا، لأنه يضع الانتخابات داخل سقف الدولة الاستراتيجية، لا داخل منطق التنافس الحزبي وحده.

ومن الناحية الإخبارية، يمكن القول إن الخطاب يؤسس لسردية سياسية عنوانها: “الثقة بدل اليأس”. فقد افتتح الملك الجزء التنموي بالحديث عن ضرورة أن تسود روح الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط. هذه العبارة موجهة إلى الرأي العام بقدر ما هي موجهة إلى النخب. فهي تعترف بوجود خطاب اجتماعي ناقد أو متشائم، لكنها ترد عليه بلغة الإنجاز، الاستقرار، والأفق. غير أن نجاح هذه السردية سيبقى مرتبطا بقدرة السياسات العمومية على إقناع المواطن العادي بأن المؤشرات الكبرى تنعكس فعلا على معيشه اليومي.

في النهاية، يمكن قراءة خطاب العرش باعتباره خطابا عن المرحلة الجديدة للمغرب الصاعد. إنه خطاب يضع الاستقرار في قلب التنمية، والسيادة في قلب الاقتصاد، والعدالة الاجتماعية في قلب الشرعية، والشراكات الدولية في قلب التموضع العالمي. كما أنه خطاب يربط الداخل بالخارج: فالمغرب يريد أن يكون قويا داخليا حتى يكون مسموعا خارجيا، ويريد أن يكون فاعلا دوليا لأنه يملك استقرارا ومؤسسات ومشاريع.

غير أن الرهان الحقيقي بعد الخطاب سيكون في التنفيذ. فالمؤشرات الإيجابية تحتاج إلى توزيع عادل لثمار النمو، والمشاريع الكبرى تحتاج إلى أثر اجتماعي واضح، والسيادة الاقتصادية تحتاج إلى تعليم قوي وبحث علمي وابتكار، والتنمية الترابية تحتاج إلى حكامة محلية فعالة. لذلك، فإن الخطاب لا يعلن نهاية الطريق، بل يفتح مرحلة جديدة عنوانها: كيف نجعل الصعود الاقتصادي صعودا اجتماعيا أيضا؟ وكيف نحول الثقة التي يدعو إليها الخطاب إلى تجربة يومية يشعر بها المواطن في عمله، مدرسته، مستشفاه، إدارته، وجهته؟

بهذا المعنى، فإن خطاب العرش ليس فقط حصيلة سبع وعشرين سنة، بل خريطة طريق لمرحلة دقيقة، يتحرك فيها المغرب بين طموح الدولة الصاعدة وضغط الانتظارات الاجتماعية، وبين فرص التحول الصناعي العالمي وتحديات العدالة المجالية، وبين الرغبة في لعب دور إفريقي وعربي ودولي أكبر، والحاجة إلى تحصين الداخل باعتباره أساس كل قوة خارجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى