مجتمع

من التشطيب إلى التزكية البديلة.. أزمة فاروق المهداوي تكشف توتراً داخل فيدرالية اليسار بالرباط

الحنبلي عزيز -متابعة 

فجّر قرار المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي تزكية عمر بنجلون وكيلاً للائحة دائرة المحيط–الرباط، بدلاً من فاروق المهداوي، أزمة داخلية حادة خرجت تفاصيلها من دواليب التنظيم الحزبي إلى الفضاء العام، بعدما وجّه المهداوي انتقادات لاذعة إلى قيادة الحزب واتهمها بتجاوز إرادة القواعد المحلية والتراجع عن نتائج المسار الديمقراطي الذي أفرز ترشيحه.

وتعود بداية الخلاف إلى اختيار المجلس الإقليمي للحزب بالرباط، في اجتماعه المنعقد يوم 4 يونيو 2026، فاروق المهداوي وكيلاً للائحة دائرة المحيط، عقب عملية تصويت أشرف عليها عضوان من المكتب السياسي. غير أن التشطيب على اسم المهداوي من اللوائح الانتخابية دفع قيادة الحزب، مع اقتراب آجال إيداع الترشيحات، إلى تعويضه بعمر بنجلون، الذي كان قد حل ثانياً في عملية الاختيار الداخلية.

المهداوي: ما صدر عن المكتب السياسي «مهزلة سياسية»

في أول رد فعل له، رفض فاروق المهداوي اعتبار النقاش الجاري مجرد شأن تنظيمي داخلي، مؤكداً أن المكتب السياسي هو من نقل القضية إلى المجال العام بإصداره بلاغاً رسمياً بشأنها.

ووصف المهداوي بلاغ القيادة الحزبية بـ«المهزلة السياسية الحقيقية»، معتبراً أن قرار استبداله لا يرتبط فقط بالتشطيب عليه من اللوائح الانتخابية، بل يكشف، بحسب موقفه، عن محاولة لإقصائه سياسياً بعد الدينامية الحزبية والشعبية التي رافقت ترشيحه في دائرة المحيط.

وأوضح أنه علم، يوم 18 يونيو 2026، بوجود مساعٍ للتشطيب عليه، قبل أن يتأكد في اليوم الموالي أن الأمر يتجاوز مجرد إشاعات. وقدم نفسه باعتباره مستهدفاً بسبب مساره النضالي والسياسي، معلناً أن الصمود في مواجهة ما وصفه بـ«محاولات الإعدام السياسي» سيظل خياره الدائم.

كما اتهم المهداوي المكتب السياسي بخرق قاعدة تنظيمية يعتبرها جوهرية، تتمثل في أحقية القواعد الحزبية والمجلس الإقليمي في اتخاذ القرار المتعلق بالتزكية. وقال إن القيادة كانت تدرك أن القواعد المحلية لن تستجيب لرغبتها، لذلك اتخذت قرارها من دون العودة إلى المجلس الإقليمي.

وتوقف القيادي الحزبي أيضاً عند ما اعتبره تناقضاً في مواقف المكتب السياسي، مشيراً إلى أن هذا الجهاز التزم الصمت إزاء حكم قضائي صدر في حقه على خلفية نشاطه السياسي، في حين تحرك سريعاً لإصدار بلاغ رداً على تدوينة انتقد فيها قرار التزكية البديلة.

سؤال «التشطيب الذي لا رجعة فيه»

تركز جانب مهم من انتقادات المهداوي على العبارة الواردة في بلاغ المكتب السياسي، والتي تحدثت عن «التأكد من أن التشطيب لا رجعة فيه من قبل السلطات».

وتساءل المهداوي عن الجهة التي أكدت للحزب استحالة التراجع عن التشطيب، في وقت ما تزال فيه مسطرة الطعن، وفق روايته، معروضة على محكمة النقض. واعتبر أن الحسم في الملف يجب أن يكون قضائياً، لا بناء على تقديرات سياسية أو اتصالات غير معلنة.

ويكشف هذا التساؤل عن إحدى النقاط الأكثر حساسية في الأزمة؛ إذ لم يعد الخلاف مقتصراً على هوية وكيل اللائحة، بل أصبح متعلقاً أيضاً بكيفية حصول قيادة الحزب على المعلومات التي بنت عليها قرارها، ومدى احترامها للمسار القضائي الذي لم يستنفد جميع مراحله.

خطاب تصعيدي واتهامات داخلية

وذهب المهداوي إلى أبعد من الاعتراض التنظيمي، إذ استخدم عبارات حادة في وصف المرشح البديل، متهماً إياه بالانتهازية والعمل ضده وضد الحزب، ومعلناً عزمه كشف ما قال إنها ممارسات سابقة قام بها.

غير أن هذه الاتهامات تظل صادرة عن المهداوي في سياق نزاع حزبي محتدم، ولم يقدم النص المنشور أدلة تفصيلية تسمح بالتحقق المستقل منها. كما أن الطرف المعني لم يرد، ضمن المعطيات المتاحة، على ما نُسب إليه.

وحذّر المهداوي من أن قرار المكتب السياسي قد يشكل «نقطة تحول» في مسار الحزب، معتبراً أن جزءاً من القيادة اختار فرض مرشح لا يحظى، بحسب قوله، بتأييد المناضلين محلياً وجهوياً ووطنياً، ولا بدعم القاعدة الجماهيرية للحزب في الرباط.

وبهذه اللغة، نقل المهداوي الخلاف من مستوى الاعتراض على قرار انتخابي ظرفي إلى مستوى التشكيك في شرعية الاختيارات التنظيمية للقيادة وفي مستقبل المشروع الحزبي نفسه.

المكتب السياسي: القرار فرضته الضرورة الانتخابية

في المقابل، قدم المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي رواية مختلفة لمسار اختيار وكيل لائحة المحيط.

وأكد، في بلاغ توضيحي، أن عملية اختيار وكلاء اللوائح انطلقت بعد انتهاء الآجال المحددة في التعميم الموجه إلى الفروع والأقاليم وأعضاء المجلس الوطني. وأضاف أنه حرص على احترام الإرادة الحرة للمناضلين، سواء من خلال التصويت أو التوافق، من دون توجيه النتائج أو التأثير فيها.

وأقر المكتب السياسي بأن المجلس الإقليمي للرباط اختار فاروق المهداوي وكيلاً للائحة، وأن القيادة اعتمدت هذه النتيجة وفق القوانين الحزبية. كما أعلن إدانته لقرار التشطيب عليه وعدم إنصافه قضائياً، بحسب تعبير البلاغ.

لكن المكتب أوضح أن اقتراب موعد إيداع الترشيحات، والتزام الحزب بالمشاركة في الانتخابات التشريعية ضمن تحالف اليسار، إلى جانب ما اعتبره استحالة التراجع عن التشطيب، دفعه إلى دراسة البدائل المتاحة.

وبعد نقاش جرى خلال اجتماعه يوم السبت فاتح غشت، قرر المكتب تزكية عمر بنجلون، الذي حل ثانياً في عملية التصويت، مستنداً إلى صفته كاتباً إقليمياً للحزب بالرباط وعضواً في المجلس الوطني ولجنة تنسيق قطاع المحامين الحزبيين.

رفض ترك دائرة المحيط من دون مرشح

رفض المكتب السياسي المقترح الداعي إلى عدم تقديم مرشح في دائرة المحيط احتجاجاً على التشطيب على المهداوي، معتبراً أن هذا الخيار لا يحقق أي جدوى سياسية أو تنظيمية، ولن يؤثر في القرار الإداري المتخذ.

ورأى أن ترك الدائرة من دون مرشح سيضر بحظوظ الحزب، ولن ينعكس فقط على اللائحة المحلية، بل قد يؤثر أيضاً في أصوات مرشحته بالدائرة الجهوية للنساء بجهة الرباط–سلا–القنيطرة، سعاد فريقش.

وبذلك، بنت قيادة الحزب موقفها على منطق انتخابي عملي: الحفاظ على المشاركة في الدائرة وعدم التضحية بالحضور الحزبي بسبب منع مرشح بعينه، بينما يرى المهداوي أن هذا التبرير لا يمكن أن يعلو على إرادة القواعد وعلى ضرورة مواجهة قرار التشطيب سياسياً وقضائياً.

صراع بين الشرعية التنظيمية والشرعية القاعدية

تكشف الأزمة عن مواجهة بين تصورين مختلفين للشرعية داخل الحزب. يستند فاروق المهداوي إلى شرعية انتخابه من طرف المجلس الإقليمي، وإلى الدعم الذي يقول إنه حظي به داخل دائرة المحيط. أما المكتب السياسي فيستند إلى صلاحياته القانونية والتنظيمية، وإلى مسؤوليته عن ضمان مشاركة الحزب واحترام آجال الترشيح.

ويبدو أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بمن يملك حق منح التزكية، بل بكيفية ممارسة هذا الحق. فالمهداوي يرى أن القرار المركزي ألغى عملياً اختيار القاعدة، في حين تؤكد القيادة أنها احترمت النتيجة الأصلية، ولم تلجأ إلى المرشح الثاني إلا بعد تعذر ترشيح الفائز.

كما يعكس الخلاف توتراً بين منطق الاحتجاج ومنطق المشاركة. فبالنسبة إلى أنصار المهداوي، كان يمكن تحويل التشطيب إلى معركة سياسية والدفاع عن المرشح إلى نهاية المسار القضائي، وربما مقاطعة الترشح في الدائرة تعبيراً عن الرفض. أما القيادة، فترى أن الانسحاب سيمنح خصوم الحزب أفضلية انتخابية من دون أن يغير القرار المتخذ.

الشفافية وحدود نشر الخلافات

شدد المكتب السياسي على أن مسطرة الطعن في قرار التزكية ما تزال مفتوحة، وأن الهيئات الحزبية المختصة يمكنها دراسة الملاحظات والدفوع بكل استقلال. كما دعا المناضلين إلى رص الصفوف وتجنب ما وصفه بالتضليل والإساءة والعنف في الخطاب.

غير أن لجوء الطرفين إلى البيانات والتدوينات العلنية يطرح سؤالاً حول مفهوم الشفافية داخل الأحزاب. فالشفافية قد تعني إطلاع القواعد والرأي العام على أسباب القرارات، لكنها قد تتحول، عندما يغيب الحوار الداخلي أو تتصاعد الاتهامات الشخصية، إلى صراع مفتوح يضعف صورة الحزب وتماسكه.

ويقدم مؤيدو موقف المكتب السياسي بلاغه باعتباره تعبيراً عن الوضوح والاحتكام إلى المؤسسات والمساطر، بينما يرى المهداوي أن هذه الشفافية شكلية، لأنها جاءت بعد اتخاذ قرار فوقي لم يحترم، بحسب قوله، إرادة التنظيم المحلي.

اختبار حقيقي للديمقراطية الداخلية

تضع أزمة دائرة المحيط فيدرالية اليسار أمام اختبار يتجاوز الاستحقاق الانتخابي المقبل. فالحزب الذي يجعل من الديمقراطية الداخلية ومحاربة السلطوية أساساً لخطابه السياسي مطالب بإظهار قدرته على إدارة الخلاف داخلياً، وحماية حق أعضائه في الاعتراض، مع منع تحول النزاع إلى تشهير وتبادل للاتهامات غير المثبتة.

كما أن استمرار الغموض بشأن المسار القانوني للتشطيب، والأساس الذي اعتمده المكتب السياسي لاعتباره نهائياً، يضاعف الحاجة إلى توضيحات دقيقة. فالخروج من الأزمة لا يمر فقط عبر تثبيت مرشح جديد، بل عبر الإجابة عن أسئلة القواعد بشأن احترام التصويت، وحدود صلاحيات القيادة، ومستقبل الطعن، والضمانات التي تمنع تكرار الوضع نفسه.

وفي المحصلة، تكشف القضية عن مفارقة داخل حزب يرفع شعار مواجهة الفساد والاستبداد: فبينما تؤكد قيادته أنها تحمي المشاركة الانتخابية ووحدة التنظيم، يرى أحد أبرز أطره الشبابية أن القرار يكرس البيروقراطية ويضرب إرادة القواعد. وستتوقف تداعيات الأزمة على قدرة الطرفين على إعادة الخلاف إلى المؤسسات الحزبية، قبل أن يتحول من نزاع حول تزكية انتخابية إلى انقسام سياسي وتنظيمي أعمق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى