الحنبلي عزيز
في خضم الجدل المتصاعد بين المغرب وإسبانيا حول الهجرة غير النظامية وما يرافقها من خطابات سياسية وإعلامية متبادلة، يبرز وجه آخر للمشكلة لا يقل أهمية: الشبكات الإجرامية التي تنشط انطلاقاً من الأراضي والسواحل الإسبانية، وقدرتها على توفير القوارب السريعة والوقود والدعم اللوجستي لعمليات تهريب البشر والمخدرات عبر غرب المتوسط.
وإذا كانت بعض وسائل الإعلام والأوساط السياسية الإسبانية تركز على مسؤولية الضفة الجنوبية في تدفقات الهجرة، فإن عمليات أمنية إسبانية وأوروبية حديثة تكشف في المقابل عن وجود بنية لوجستية مهمة لشبكات التهريب داخل إسبانيا نفسها.
ففي ماي 2026، أعلنت الشرطة الوطنية والحرس المدني الإسباني، بدعم من «يوروبول»، تفكيك شبكة في إقليم ألميريا كانت توفر القوارب والوقود والدعم اللوجستي لشبكات متخصصة في الهجرة غير النظامية والاتجار بالمخدرات بين الجزائر وإسبانيا. وأسفرت العملية عن توقيف تسعة أشخاص وحجز أكثر من 50 ألف لتر من الوقود إلى جانب قوارب ومخدرات.
وسبق للحرس المدني أن أعلن، مطلع السنة نفسها، توقيف 17 شخصاً في عملية أخرى بألميريا مرتبطة بتسهيل الهجرة غير النظامية والتهريب، تم خلالها حجز أكثر من 10 آلاف لتر من البنزين موزعة على مئات العبوات، إضافة إلى خمسة قوارب.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية أكبر في ظل ما كشفه تقرير للأمن القومي الإسباني عن نشاط أكثر من 600 قارب سريع يستخدم في أنشطة التهريب في منطقة مضيق جبل طارق، في مؤشر على الحجم الذي بلغته شبكات الجريمة المنظمة وقدرتها المتزايدة على الحركة والتمويه.
وحديثاً، أعلنت السلطات الإسبانية، بتنسيق أوروبي، عن تفكيك واحدة من أكبر شبكات تهريب المهاجرين بحراً في غرب المتوسط، بعد عملية أسفرت عن 78 توقيفاً وحجز 18 قارباً سريعاً. وبحسب المعطيات المنشورة، نفذت الشبكة ما لا يقل عن 64 عملية تهريب ونقلت أكثر من ألفي مهاجر، إلى جانب تورطها في أنشطة مرتبطة بالمخدرات والأسلحة وغسل الأموال.
هذه الوقائع تعيد إلى الواجهة سؤالاً مشروعاً حول فعالية مراقبة السواحل ومصادر تموين شبكات التهريب: كيف تتمكن قوارب سريعة محملة بكميات كبيرة من الوقود من الحصول على الدعم اللوجستي والتحرك لفترات طويلة في مناطق تخضع لمراقبة أمنية وبحرية متطورة؟ وأين تبدأ مسؤولية شبكات الجريمة المنظمة وأين تنتهي مسؤولية أجهزة المراقبة في منع نشاطها؟
والأكثر حساسية أن التحقيقات في إسبانيا كشفت في بعض الملفات عن شبهات فساد مست عناصر أمنية. ففي قضية «عملية هاديس» المرتبطة بنفق لتهريب المخدرات في سبتة، أعلنت السلطات الإسبانية عن توقيف عنصرين من الحرس المدني ضمن تحقيق أوسع، مع الاشتباه في حصولهما على أموال مقابل التغاضي عن عمليات تهريب، وهي اتهامات تظل خاضعة للمسار القضائي ولم يصدر بشأنها حكم نهائي.
كما كشفت عمليات أخرى عن شبكات دولية للاتجار بالمخدرات استفادت، وفق التحقيقات، من تعاون عناصر أمن وجمارك فاسدين؛ ففي إحدى القضايا جرى توقيف خمسة عناصر من الحرس المدني، إلى جانب شرطي وموظف جمارك، للاشتباه في ارتباطهم بشبكة كبيرة لتهريب الكوكايين والحشيش إلى أوروبا.
غير أن هذه الوقائع، على خطورتها، لا تسمح بتعميم الاتهام على الدولة الإسبانية أو الحرس المدني كجهاز، خصوصاً أن عدداً كبيراً من عمليات تفكيك هذه الشبكات نفذته الأجهزة الإسبانية نفسها، أحياناً بالتنسيق مع السلطات المغربية. ففي يونيو الماضي، على سبيل المثال، أعلنت إسبانيا والمغرب إحباط عملية لتهريب نحو 4.8 أطنان من الحشيش في مضيق جبل طارق عبر تدخل مشترك بحري وجوي وبري.
لكنها، في المقابل، تكفي لطرح أسئلة جدية حول مدى تغلغل اقتصاد التهريب على الضفة الشمالية للمتوسط، وطرق الحصول على القوارب والوقود والمعدات، والثغرات التي تسمح لهذه الشبكات بالعمل، فضلاً عن مخاطر اختراق بعض عناصرها للمؤسسات المكلفة أصلاً بمحاربتها.
وعليه، فإن معالجة ملف الهجرة غير النظامية لا يمكن اختزالها في تبادل الاتهامات أو إعطاء الدروس من ضفة إلى أخرى. فالشبكات التي تحول البشر إلى سلعة وتعرض حياتهم للموت في البحر عابرة للحدود، وتملك امتدادات لوجستية ومالية على أكثر من ضفة.
وقبل اختزال المأساة في مسؤولية بلد واحد، تفرض الوقائع سؤالاً أكثر إلحاحاً: من يملك القوارب؟ من يوفر آلاف اللترات من الوقود؟ من يمول الرحلات؟ ومن يسمح لهذه السلسلة الإجرامية بأن تستمر؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة، وليس الخطاب السياسي المتبادل، هي المدخل الحقيقي لتفكيك شبكات الاتجار بالبشر ووضع حد لمآسي البحر التي يدفع ثمنها، في النهاية، أشخاص يبحثون عن العبور وحياة أخرى.