افتتاحية

سبتة في بعض الإعلام الإسباني.. حين تتحول الهجرة من أزمة اجتماعية إلى صناعة للخوف -الحنبلي عزيز

الحنبلي عزيز -تنوير

لم تكن أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة مجرد اختبار للسلطات المغربية والإسبانية في تدبير الحدود، بل تحولت أيضاً إلى اختبار للممارسة الإعلامية. فمع انتشار الصور والفيديوهات بسرعة هائلة، اختارت بعض المنابر الإسبانية عناوين ومفردات مثيرة حولت المهاجر أحياناً إلى «غازٍ»، والأزمة الإنسانية إلى «اجتياح»، والحدود إلى ما يشبه ساحة حرب.

لا يتعلق الأمر بإنكار خطورة الوضع في سبتة أو الضغط الذي أحدثه وصول أعداد كبيرة من المهاجرين، وإنما بطريقة تقديم الوقائع. فقد تصدرت بعض التغطيات عبارات من قبيل «هذا غزو، يجب نشر الجيش»، كما استُعملت عبارة «غزو سبتة» في عناوين صحفية، وهي تعابير تتجاوز الوصف الإخباري إلى لغة ذات حمولة عسكرية وسياسية واضحة.

وظهرت أيضاً عبارة «رجال في سن القتال» في الخطاب السياسي والإعلامي لوصف شباب مهاجرين. ومع إعادة تداول هذه المفردات على مواقع التواصل، أصبح مجرد كون المهاجر شاباً إفريقياً سبباً لتقديمه كمقاتل محتمل أو عنصر تهديد، رغم أن موجات الهجرة نفسها ضمت نساء وقاصرين وأشخاصاً تختلف ظروفهم ودوافعهم بشكل كبير.

الأخطر أن هذا الخطاب سرعان ما انتقل إلى مستوى أكثر تطرفاً على الشبكات الاجتماعية، حيث ظهرت منشورات تتحدث عن «جيش إفريقي» أو عن مهاجرين يُستخدمون كـ«سلاح بيولوجي لتدمير الحضارة الغربية». وهي روايات لا تستند إلى أدلة، لكنها تستثمر صور الحشود الحقيقية لبناء تفسير تآمري مختلف تماماً عن الوقائع.

ولا يتوقف التلاعب عند الصور. فقد أظهرت عمليات التحقق في إسبانيا إعادة استعمال فيديوهات قديمة أو مشاهد مصورة في أماكن أخرى على أنها من أزمة سبتة الحالية، كما جرى تداول محتويات معدلة أو مولدة رقمياً لتضخيم حجم الأحداث. وفي المقابل، لعبت مؤسسات إسبانية للتحقق مثل RTVE وMaldita وغيرها دوراً مهماً في تفكيك عدد من هذه المزاعم، وهو ما يجعل من غير المنصف تعميم الاتهام على الصحافة الإسبانية كلها.

لكن جانباً آخر من التلاعب لا يقل أهمية يتعلق بـأسباب الهجرة نفسها. فبعض الخطابات تختزل آلاف الأشخاص في صورة مهاجر اقتصادي جاء بحثاً عن المساعدات أو «اليد العاملة الرخيصة»، بينما تقدم خطابات مقابلة الجميع تقريباً باعتبارهم لاجئين فارين من الاضطهاد. والحقيقة أكثر تعقيداً.

البطالة والفقر وغياب الأفق عوامل حقيقية لدى جزء من المهاجرين، لكن هناك أيضاً حالات مرتبطة بالعنف الأسري أو الخوف الشخصي أو الرغبة في طلب الحماية. وفي المقابل، لا يمكن اعتبار كل شخص يعبر الحدود لاجئاً بمجرد وصوله، لأن اللجوء يخضع لدراسة فردية وفق شروط قانونية محددة.

كما أن مواقع التواصل ساهمت في خلق دوافع آنية للهجرة من خلال نشر ادعاءات عن «فتح الحدود» أو سهولة الحصول على الإقامة والانتقال إلى أوروبا، ما حول رغبات كامنة في الهجرة إلى تحركات جماعية مفاجئة.

وهنا تصبح مسؤولية الإعلام مضاعفة: ألا يحول المهاجر إلى «غازٍ»، وألا يحول أسباب الهجرة إلى رواية واحدة مريحة سياسياً.

فالصحافة مطالبة بأن تفرق بين الخبر والخوف، وبين الوقائع والتأويل، وبين سبب يدفع شخصاً إلى الهجرة وسبب يمنحه قانونياً الحق في اللجوء.

والسؤال الذي تطرحه أزمة سبتة اليوم ليس فقط: من عبر الحدود؟ بل أيضاً: من يصنع الرواية عن هؤلاء، ومن يختار أسباب هجرتهم نيابة عنهم، ولماذا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى