افتتاحية

مسلمو أمريكا من الهامش إلى دوائر القرار.. صعود سياسي يعيد رسم المشهد الانتخابي

 الحنبلي عزيز -متابعة 

خلال أقل من عام، حقق سياسيون مسلمون اختراقات غير مسبوقة في المشهد الأميركي؛ فقد وصل زهران ممداني إلى رئاسة بلدية نيويورك، وفازت غزالة هاشمي بمنصب نائبة حاكم فرجينيا، بينما اقترب عبد الرحمن السيد من كسر آخر الحواجز أمام المسلمين الأميركيين، بعد فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان.

ورغم اختلاف أصولهم وتجاربهم ومساراتهم السياسية، فإن صعود هذه الأسماء يثير سؤالاً يتجاوز نجاحاتهم الفردية: هل بدأ المسلمون يتحولون إلى قوة سياسية مؤثرة في الولايات المتحدة؟

انتُخب ممداني، في نوفمبر 2025، أول عمدة مسلم لنيويورك، وأول أميركي من أصول جنوب آسيوية ومولود في إفريقيا يتولى قيادة أكبر مدينة أميركية. وفي الليلة نفسها، حققت غزالة هاشمي إنجازاً تاريخياً بفوزها بمنصب نائبة حاكم فرجينيا، لتصبح أول امرأة مسلمة تصل إلى منصب تنفيذي على مستوى ولاية.

وفي 5 غشت 2026، حسم عبد الرحمن السيد ترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ عن ميشيغان، بعد سباق انتخابي شديد التقارب. وعقب إعلان النتيجة، وقف أمام تمثال «روح ديترويت» مردداً عبارة الملاكم محمد علي: «لقد هززنا العالم».

غير أن هذه النجاحات لا تعني بالضرورة ولادة كتلة سياسية مسلمة موحدة. فالمسلمون الأميركيون لا ينتمون إلى أصل عرقي واحد، ولا يتحركون وفق برنامج سياسي موحد، كما لا يصوتون دائماً للحزب نفسه. وتُظهر تقديرات مركز «بيو» أن نحو 53 في المائة منهم يعرفون أنفسهم ديمقراطيين أو يميلون إلى الحزب الديمقراطي، مقابل 42 في المائة يقتربون من الجمهوريين.

كما تتباين مواقفهم بحسب القضايا؛ إذ يميل قسم واسع منهم إلى الديمقراطيين في ملفات الهجرة والتنوع ودور الدولة في الاقتصاد، بينما يقترب بعضهم من الجمهوريين في قضايا الأسرة والمجتمع. ولذلك لا يمكن اختزال المسلمين الأميركيين في جماعة انتخابية متجانسة أو في هوية سياسية واحدة.

وتكمن أهمية الصعود الجديد في أن المرشحين المسلمين لم يعتمدوا فقط على أصوات أبناء جالياتهم، التي لا تمثل سوى نسبة محدودة من سكان الولايات المتحدة، بل نجحوا في بناء تحالفات اجتماعية وعرقية أوسع. فقد قدموا أنفسهم بوصفهم مرشحين لقضايا السكن والصحة والتعليم والنقل وكلفة المعيشة، لا ممثلين لجماعة دينية مغلقة.

لم يخض ممداني حملته تحت عنوان هويته الإسلامية، بل ركز على أزمة ارتفاع تكاليف الحياة، ووعد بتجميد بعض الإيجارات، وتوفير حضانات وحافلات مجانية، وإنشاء متاجر غذائية تديرها المدينة. بدورها، ركزت غزالة هاشمي على خفض النفقات وتحسين الصحة والتعليم، بينما رفع عبد الرحمن السيد شعار إخراج المال من السياسة وإعادته إلى جيوب المواطنين، إلى جانب الدفاع عن التغطية الصحية الشاملة.

وقد حافظ هؤلاء السياسيون على هويتهم الدينية، لكنهم لم يحولوها إلى برنامج حكم منفصل، بل قدموها بوصفها مصدراً للقيم المرتبطة بالعدالة والمساواة والتضامن. وبذلك تمكنوا من مخاطبة ناخبين لا ينتمون إلى الإسلام، لكنهم يتقاسمون معهم المخاوف الاجتماعية والاقتصادية نفسها.

وساهمت حرب غزة في تسريع الحضور السياسي للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة، بعدما دفعت عدداً كبيراً منهم إلى ترجمة غضبهم من دعم واشنطن لإسرائيل إلى تحرك انتخابي منظم. ومن هذا المناخ ظهرت حركة «غير ملتزم» داخل الحزب الديمقراطي، التي دعت الناخبين إلى عدم منح أصواتهم للرئيس السابق جو بايدن خلال الانتخابات التمهيدية لعام 2024، احتجاجاً على موقف إدارته من الحرب.

وفي ميشيغان، اختار أكثر من 13 في المائة من المشاركين في الانتخابات التمهيدية خانة «غير ملتزم»، في رسالة أظهرت أن أصوات العرب والمسلمين يمكن أن تصبح مؤثرة في الولايات المتأرجحة. غير أن هذا التحول لم يبدأ مع غزة؛ فقد سبق أن دخل كيث إليسون الكونغرس سنة 2007 بوصفه أول نائب مسلم، ثم انضم إليه أندريه كارسون، قبل أن تصل إلهان عمر ورشيدة طليب إلى مجلس النواب سنة 2019.

ومع افتتاح الكونغرس الجديد مطلع 2025، بلغ عدد النواب المسلمين أربعة، قبل أن ينتقل الحضور من البرلمان الفدرالي إلى المناصب التنفيذية وإدارة المدن والولايات. ومع ذلك، بقي مجلس الشيوخ المؤسسة الوحيدة التي لم يصل إليها أي مسلم حتى الآن.

ولا تفسر الهوية وحدها هذه الانتصارات. فقد لعب التنظيم الميداني دوراً حاسماً في مواجهة نفوذ المال السياسي. توسعت حملة ممداني من نحو 300 متطوع إلى أكثر من عشرة آلاف، وعملت على طرق أبواب مليون منزل. أما حملة عبد الرحمن السيد، فانطلقت بأربعة موظفين فقط، قبل أن تزور 110 مدن وتنظم أكثر من 500 فعالية وتبني شبكة تضم نحو 12 ألف متطوع.

وخاض السيد معركته في مواجهة منافسة استفادت من إنفاق خارجي تجاوز 60 مليون دولار، ما جعل حملته تقدم السباق بوصفه مواجهة بين التنظيم الشعبي والمال السياسي. وقد لخص السيد هذا المعنى بقوله لمتطوعيه: «ما نبنيه هو حركة الكثرة في مواجهة المال».

لكن الاختبار الأصعب ما يزال أمامه في انتخابات نوفمبر. فولاية ميشيغان متأرجحة، وكان دونالد ترامب قد فاز بها سنة 2024، كما أن نتيجة السباق قد تؤثر في توازن القوى داخل مجلس الشيوخ. وسيكون على السيد توحيد الناخبين الديمقراطيين، وجذب المستقلين، ومواجهة حملات تتهمه بمعاداة السامية بسبب مواقفه من إسرائيل.

وفي الوقت نفسه، أثار صعود السياسيين المسلمين رد فعل مضاداً داخل جزء من الحزب الجمهوري. فقد توسع ما يسمى «تكتل أميركا الخالية من الشريعة» ليضم عشرات النواب، رغم عدم وجود تهديد قانوني حقيقي من الشريعة الإسلامية داخل النظام الدستوري الأميركي. ويعكس هذا الخطاب استمرار توظيف الخوف من المسلمين وسيلةً للحشد الانتخابي.

ومع ذلك، فإن التحول الأبرز لا يكمن في ارتفاع عدد المرشحين المسلمين فقط، بل في انتقالهم من البحث عن التمثيل إلى التنافس على القيادة. فهم لم يعودوا يطالبون فقط بمن يتحدث باسمهم داخل المؤسسات، بل أصبحوا يقدمون أنفسهم لإدارة مدن وولايات وتمثيل جمهور متنوع يتجاوز حدود مجتمعاتهم.

لا يبدو أن المسلمين الأميركيين يتجهون إلى تشكيل كتلة سياسية واحدة، لكنهم أصبحوا أكثر قدرة على إنتاج قيادات وبناء تحالفات متعددة الأعراق والطبقات. ولم تعد قوتهم تقاس بعدد أصواتهم داخل جالياتهم، بل بقدرة مرشحيهم على إقناع ناخبين غير مسلمين بأن قضاياهم الاقتصادية والاجتماعية تمثلهم أيضاً.

وهنا تكمن دلالة اللحظة الحالية: لم يفز هؤلاء السياسيون لمجرد أنهم مسلمون، لكنهم نجحوا من دون إخفاء هويتهم، وحولوا حضورهم من رمز للتنوع إلى مشروع سياسي يسعى إلى الحكم وصناعة القرار.

عن : الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى