وجهة نظر

حسن أوريد و«الهروب الكبير» نحو سبتة: حين تكشف الهجرة الوجه الخفي للأزمة الاجتماعية في المغرب

الحنبلي عزيز 

يقرأ حسن أوريد  في مقالة بعنوان “البحر أمامكم..” بالجزيرة الاثنين 3  غشت 2026 موجة العبور الجماعي نحو سبتة باعتبارها حدثاً يتجاوز بكثير حدود الهجرة غير النظامية أو التدبير الأمني للحدود. ففي مقاله، لا يتعامل مع ما وقع بين 29 و31 يوليوز باعتباره حادثاً ظرفياً، بل بوصفه لحظة كاشفة عن أعطاب اجتماعية وسياسية عميقة، وعن اتساع المسافة بين الخطاب الرسمي حول التنمية وبين واقع فئات واسعة من الشباب.

وينطلق أوريد من صورة رمزية تصدرت المشهد: فتاة شابة تمكنت من السباحة من الفنيدق إلى سبتة. بالنسبة إليه، لم تعد الهجرة حكراً على من دفعتهم الحاجة الاقتصادية القصوى، بل باتت تشمل أيضاً شباباً يبحثون عن «سياق تصان فيه كرامتهم وتحاط فيه حريتهم بالاحترام». ومن هنا، ينتقل المقال من تفسير الهجرة بالفقر وحده إلى ربطها بالشعور بانسداد الأفق وفقدان الثقة في المستقبل.

الهجرة بوصفها أزمة كرامة وثقة

من أبرز أفكار المقال أن دوافع العبور لا يمكن اختزالها في البطالة أو ضعف الدخل. فالمهاجر، في قراءة أوريد، لا يغادر فقط بحثاً عن عمل، بل هرباً من إحساس بالتهميش وغياب الاعتراف الاجتماعي.

ويعبر الكاتب عن ذلك حين يرى أن الملمح الجديد للمهاجرين يتمثل في أنهم «ليسوا ممن أقعد بهم الفقر»، بل من يتطلعون إلى بيئة يشعرون فيها بأن كرامتهم وحرياتهم مصونة.

هذه الفكرة مهمة لأنها تنقل النقاش من مستوى المؤشرات الاقتصادية إلى مستوى أعمق يتعلق بعلاقة الفرد بالدولة والمجتمع. فحتى حين تتوفر البنيات التحتية أو المشاريع الكبرى، قد يظل الشعور بالتهميش قائماً إذا لم يلمس المواطن أثراً مباشراً في حياته اليومية، سواء في التعليم أو الصحة أو الشغل أو العدالة.

رفض تفسير الحدث بالمؤامرة الجيوسياسية

يرفض أوريد القراءات التي قدمت موجة العبور باعتبارها عملية جرى تدبيرها للضغط على إسبانيا بسبب مواقفها الخارجية أو علاقاتها مع الجزائر أو القضية الفلسطينية. ويعتبر أن هذه التأويلات غير منطقية، لأن ما جرى أضر بصورة المغرب وأضعف الخطاب الرسمي حول الإنجازات والاستقرار.

ويكتب في هذا السياق أن ما حدث «يسيء للمغرب ولصورته»، ولا يمكن بالتالي فهمه باعتباره مجرد أداة دبلوماسية لتوجيه «قرصة أذن» إلى مدريد.

بهذا الموقف، يحاول الكاتب إعادة النقاش إلى الداخل المغربي. فبدلاً من تفسير الأزمة بمؤامرات خارجية أو حسابات دولية، يدعو ضمنياً إلى مساءلة السياسات الاجتماعية والاقتصادية والقدرة على إدماج الشباب.

الخوف من استثمار اليمين المتطرف للأزمة

يحذر المقال من التداعيات السياسية للأحداث داخل إسبانيا وأوروبا، خصوصاً إمكانية استغلالها من طرف اليمين المتطرف لتغذية خطاب الخوف من المغاربة والمسلمين.

ويرى أوريد أن الأزمة قد تمنح هذا التيار مادة جديدة للحديث عن «خطر المورو» و«أسلمة أوروبا»، وهي خطابات تجد صدى لدى فئات من الناخبين الأوروبيين.

تكمن أهمية هذه الملاحظة في أن الهجرة لا تتوقف آثارها عند الحدود، بل تتحول سريعاً إلى وقود انتخابي. فالمهاجر الذي يخاطر بحياته قد يصبح، بعد وصوله، موضوعاً للدعاية السياسية والتخويف الجماعي، بدل أن ينظر إليه باعتباره شخصاً له قصة ودوافع وظروف اجتماعية.

انهيار البنيات الوسيطة

يشكل غياب الوسائط السياسية والاجتماعية إحدى الأفكار المركزية في المقال. فحسب أوريد، لم تعد الأحزاب والنقابات والجمعيات والمدرسة والصحافة تؤدي دورها في التأطير والتنشئة واحتواء الغضب.

ويختصر هذا الوضع بالقول إن الفعل السياسي أصبح موزعاً بين «السلطة وأدواتها الزجرية» من جهة، و«الشارع وخطابه الهلامي وعنفه غير المنظم» من جهة أخرى.

هذه الصورة تعكس أزمة تمثيل حقيقية: حين يفقد المواطن ثقته في المؤسسات، ولا يجد قناة سياسية أو اجتماعية تنقل مطالبه، يصبح الشارع أو الهجرة أو الاحتجاج المفاجئ وسائل بديلة للتعبير. والخطر، في نظر الكاتب، أن هذا الفراغ يجعل الانفجارات الاجتماعية أكثر احتمالاً وأقل قابلية للتوقع أو الضبط.

المغرب بسرعتين

يستعمل أوريد صورة «الواجهة والحديقة الخلفية» لتفسير التناقض بين صورة المغرب الحديثة والواقع الاجتماعي الذي تعيشه فئات واسعة.

فالمغرب، بحسب المقال، يحقق إنجازات واضحة في البنية التحتية والاستثمارات والمشاريع الكبرى، لكنه يعاني في المقابل من اقتصاد مزدوج لا يستفيد منه جميع المواطنين بالقدر نفسه. ويقول الكاتب إن المواطن لا يمكن إقناعه بالمشاريع الكبرى إذا كان عاجزاً عن الحصول على علاج أو عمل كريم.

وتعد هذه من أقوى أفكار المقال. فالكاتب لا ينكر الإنجازات، لكنه ينتقد توزيع ثمارها. ويشير إلى وجود مغرب ظاهر، حديث ومجهز، ومغرب آخر أقل حضوراً في الخطاب الرسمي، يعاني من البطالة وضعف الخدمات وانسداد الأفق.

وتلخص عبارته هذا التناقض بوضوح:

«المغرب ككل بيت، له واجهة وله حديقة خلفية، والنظرة الحصيفة هي التي تنظر إلى الواجهتين».

الشباب خارج التعليم والعمل

يربط أوريد الأزمة أيضاً بتوسع فئة الشباب غير الموجودين في التعليم أو التكوين أو الشغل، المعروفة اختصاراً بـ«NEET». ويرى أن هذه الفئة لا تحمل الغضب فقط، بل قد تصبح أكثر استعداداً للعنف أو الهجرة والمغامرة.

هذه الفكرة تضع الشباب في صلب الأزمة، لكنها تكشف أيضاً قصور السياسات التي تتعامل معهم بوصفهم أرقاماً إحصائية، لا بوصفهم حالات إنسانية ومسارات فردية لها تجارب وانتظارات ومخاوف.

ويشير الكاتب إلى أن قراءة التحولات الاجتماعية لا ينبغي أن تتوقف عند عدد العاطلين أو نسب التمدرس، بل يجب أن تتناول ما يشعر به الشباب، وكيف يرون المستقبل، وما الذي يجعل بعضهم مستعداً للمخاطرة بحياته في البحر.

سبتة ومليلية وسؤال السيادة

يمنح أوريد جانباً من مقاله للوضع التاريخي والقانوني لسبتة ومليلية، معتبراً أن الأحداث أعادت إلى الواجهة استمرار وضع استعماري لا يجد، في نظره، ما يبرره.

ومع ذلك، يعترف بأن أغلب المهاجرين لم يتحركوا بدافع المطالبة بتحرير سبتة، بل سعوا إلى دخولها باعتبارها بوابة نحو أوروبا. وهنا تظهر مفارقة لافتة: المدينة التي تعد في الخطاب الوطني أرضاً محتلة تتحول، في تصور بعض الشباب، إلى منفذ للهرب من الوطن.

هذه المفارقة كان يمكن أن تكون مدخلاً أكثر عمقاً في المقال لفهم الأزمة النفسية والسياسية التي تجعل مواطناً يعبر إلى مدينة يصفها الخطاب الوطني بالمحتلة، لا لتحريرها، بل بحثاً عن مستقبل داخلها أو عبرها.

ملاحظات حول مقال حسن أوريد

يتميز المقال بقوته في نقل النقاش من المقاربة الأمنية إلى المقاربة الاجتماعية والسياسية. فهو لا يكتفي بالسؤال عن كيفية منع العبور، بل يسأل لماذا يرغب هذا العدد من الشباب في المغادرة أصلاً. كما يحسب له رفض التفسيرات التآمرية، والتنبيه إلى أزمة الوسائط، وإبراز الفجوة بين التنمية المعلنة وبين أثرها الملموس في حياة المواطنين.

لكن المقال يعاني في المقابل من عدة ثغرات منهجية وتحليلية.

أرقام تحتاج إلى توثيق مستقل

يورد الكاتب أرقاماً ضخمة تتعلق بعدد العابرين والضحايا والمفقودين، لكنه لا يقدم داخل النص مصادر تفصيلية تسمح بالتحقق منها. والأرقام في مثل هذه الأحداث ليست مجرد عنصر ثانوي، بل هي أساس بناء الاستنتاجات المتعلقة بحجم الكارثة.

لذلك كان ينبغي التمييز بوضوح بين الأرقام الرسمية، وتقديرات الصحافة، وشهادات شهود العيان، والمعطيات غير المؤكدة.

كما أن اعتماد الملاحظة الشخصية، مثل قوله إنه شاهد «جحافل» تسير بين تطوان والحدود، يمنح النص قوة سردية، لكنه لا يكفي وحده لتقدير الحجم الإجمالي للظاهرة.

تعميمات واسعة حول الشباب

يقدم المقال الشباب، وخصوصاً من هم خارج التعليم والعمل، باعتبارهم فئة مشبعة بالغضب وقابلة للعنف. ورغم وجود مؤشرات اجتماعية قد تدعم القلق من التهميش، فإن هذه الصياغة قد تؤدي إلى وصم فئة واسعة ومتنوعة.

فليس جميع الشباب غير المندمجين في الشغل أو التعليم متجهين إلى العنف، كما أن الهجرة غير النظامية لا تنتج عن مسار واحد. بعض الشباب يتحرك بدافع اقتصادي، وبعضهم بسبب ضغط الأسرة، أو الرغبة في الدراسة، أو التأثر بشبكات التواصل، أو البحث عن الاعتراف، أو الهرب من وضع شخصي معين.

وكان يمكن للمقال أن يكون أكثر دقة لو منح مساحة أكبر لشهادات المهاجرين أنفسهم، بدلاً من تفسير دوافعهم من الخارج.

الربط المتسرع بمدونة الأسرة

أكثر أجزاء المقال إثارة للجدل هو ربطه بين مدونة الأسرة، وتراجع سلطة الأب، وانتشار الأسر ذات الولي الواحد، والعنف والهجرة.

هذا الربط يفتقر في النص إلى أدلة سوسيولوجية أو إحصائية واضحة. فالأسر ذات الوالد الواحد قد تنشأ نتيجة الطلاق أو الوفاة أو الهجرة أو الهجر أو عوامل اقتصادية واجتماعية متعددة، ولا يمكن تحميل إصلاح قانوني واحد مسؤولية الجنوح أو العنف أو موجات الهجرة.

كما أن اعتبار العلاقة الزوجية القائمة على التكافؤ سبباً في تفكك الأسرة ينطوي على حكم قيمي أكثر مما يقدم تفسيراً علمياً. وكان من الأفضل دراسة آثار الفقر، وضعف الحماية الاجتماعية، وصعوبة الولوج إلى السكن والشغل، وأوضاع الأطفال بعد الطلاق، بدلاً من الإيحاء بأن تعزيز حقوق النساء أو تقليص السلطة الأبوية أدى مباشرة إلى الأزمة.

حضور ضعيف للنساء في التحليل

رغم انطلاق المقال من قصة فتاة عبرت البحر سباحة، فإنه لا يعود بصورة معمقة إلى تجارب النساء والفتيات في الهجرة. فدوافعهن ومخاطرهن قد تختلف عن دوافع الشباب الذكور، خصوصاً فيما يتعلق بالعنف الأسري، والقيود الاجتماعية، والتعليم، والبحث عن الاستقلال.

تحولت الفتاة في المقال إلى صورة افتتاحية ورمز للظاهرة، لكنها لم تصبح مدخلاً لتحليل النوع الاجتماعي داخل موجة الهجرة.

الخلط بين التحليل والموقف السياسي

يجمع المقال بين تحليل اجتماعي للأزمة وبين موقف سياسي واضح من وضع سبتة ومليلية. ومن حق الكاتب الدفاع عن هذا الموقف، لكن الفصل بين المستويين كان سيمنح النص قوة أكبر.

فسؤال السيادة على المدينتين يختلف عن سؤال أسباب هجرة الشباب. وقد يؤدي الجمع بينهما دون تمييز إلى إضعاف الحجة الأساسية، لأن الشباب لم يتوجهوا إلى الحدود، وفق المقال نفسه، من أجل المطالبة باسترجاع المدينتين، بل من أجل الوصول إلى أوروبا.

غياب الحلول العملية

يشخص المقال أزمة الثقة، وغياب الوسائط، والاقتصاد المزدوج، وتهميش الشباب، لكنه لا يقدم تصوراً تفصيلياً لما ينبغي فعله.

كان يمكن أن يقترح، مثلاً، إعادة بناء آليات مشاركة الشباب، وتقوية المدرسة العمومية، وتوفير برامج انتقال من التعليم إلى العمل، وإدماج عمال الاقتصاد غير المنظم، وتحسين الصحة النفسية، وإعادة الاعتبار للأحزاب والنقابات والجمعيات المحلية، وتطوير خطاب عمومي أكثر شفافية.

فالتشخيص، مهما كان قوياً، يظل ناقصاً من دون مسارات إصلاح قابلة للنقاش والتنفيذ.

خلاصة

تكمن قيمة مقال حسن أوريد في أنه ينظر إلى موجة الهجرة نحو سبتة كمرآة تعكس أزمة أعمق من مجرد ضعف مراقبة الحدود. الحدث، في قراءته، يكشف تراجع الثقة، وغياب الوسائط، واتساع الفوارق، وشعور جزء من الشباب بأن الإنجازات الكبرى لا تصل إلى حياته اليومية.

غير أن قوة هذه الأطروحة لا تمنع مساءلة بعض استنتاجاتها، خصوصاً عندما تنتقل من تحليل التفاوت الاجتماعي إلى تعميمات غير موثقة حول الشباب والأسرة ومدونة الأحوال الشخصية.

إن الدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه من المقال هو أن منع الهجرة لا يبدأ عند السياج أو الشاطئ، بل يبدأ داخل المدرسة، وسوق الشغل، والمستشفى، والحزب، والنقابة، والأسرة، وفي شعور المواطن بأن له مكاناً وصوتاً ومستقبلاً في بلده. أما المعالجة الحقيقية، فتحتاج إلى معطيات دقيقة، والاستماع إلى المهاجرين أنفسهم، والابتعاد عن التفسيرات الأحادية، سواء كانت أمنية أو أخلاقية أو أسرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى