وجهة نظر
حسن أوريد و«الهروب الكبير» نحو سبتة: حين تكشف الهجرة الوجه الخفي للأزمة الاجتماعية في المغرب
منذ ساعتين
65 6 دقائق

الحنبلي عزيز
يقرأ حسن أوريد في مقالة بعنوان “البحر أمامكم..” بالجزيرة الاثنين 3 غشت 2026 موجة العبور الجماعي نحو سبتة باعتبارها حدثاً يتجاوز بكثير حدود الهجرة غير النظامية أو التدبير الأمني للحدود. ففي مقاله، لا يتعامل مع ما وقع بين 29 و31 يوليوز باعتباره حادثاً ظرفياً، بل بوصفه لحظة كاشفة عن أعطاب اجتماعية وسياسية عميقة، وعن اتساع المسافة بين الخطاب الرسمي حول التنمية وبين واقع فئات واسعة من الشباب.
وينطلق أوريد من صورة رمزية تصدرت المشهد: فتاة شابة تمكنت من السباحة من الفنيدق إلى سبتة. بالنسبة إليه، لم تعد الهجرة حكراً على من دفعتهم الحاجة الاقتصادية القصوى، بل باتت تشمل أيضاً شباباً يبحثون عن «سياق تصان فيه كرامتهم وتحاط فيه حريتهم بالاحترام». ومن هنا، ينتقل المقال من تفسير الهجرة بالفقر وحده إلى ربطها بالشعور بانسداد الأفق وفقدان الثقة في المستقبل.
الهجرة بوصفها أزمة كرامة وثقة
من أبرز أفكار المقال أن دوافع العبور لا يمكن اختزالها في البطالة أو ضعف الدخل. فالمهاجر، في قراءة أوريد، لا يغادر فقط بحثاً عن عمل، بل هرباً من إحساس بالتهميش وغياب الاعتراف الاجتماعي.
ويعبر الكاتب عن ذلك حين يرى أن الملمح الجديد للمهاجرين يتمثل في أنهم «ليسوا ممن أقعد بهم الفقر»، بل من يتطلعون إلى بيئة يشعرون فيها بأن كرامتهم وحرياتهم مصونة.
هذه الفكرة مهمة لأنها تنقل النقاش من مستوى المؤشرات الاقتصادية إلى مستوى أعمق يتعلق بعلاقة الفرد بالدولة والمجتمع. فحتى حين تتوفر البنيات التحتية أو المشاريع الكبرى، قد يظل الشعور بالتهميش قائماً إذا لم يلمس المواطن أثراً مباشراً في حياته اليومية، سواء في التعليم أو الصحة أو الشغل أو العدالة.
رفض تفسير الحدث بالمؤامرة الجيوسياسية
يرفض أوريد القراءات التي قدمت موجة العبور باعتبارها عملية جرى تدبيرها للضغط على إسبانيا بسبب مواقفها الخارجية أو علاقاتها مع الجزائر أو القضية الفلسطينية. ويعتبر أن هذه التأويلات غير منطقية، لأن ما جرى أضر بصورة المغرب وأضعف الخطاب الرسمي حول الإنجازات والاستقرار.
ويكتب في هذا السياق أن ما حدث «يسيء للمغرب ولصورته»، ولا يمكن بالتالي فهمه باعتباره مجرد أداة دبلوماسية لتوجيه «قرصة أذن» إلى مدريد.
بهذا الموقف، يحاول الكاتب إعادة النقاش إلى الداخل المغربي. فبدلاً من تفسير الأزمة بمؤامرات خارجية أو حسابات دولية، يدعو ضمنياً إلى مساءلة السياسات الاجتماعية والاقتصادية والقدرة على إدماج الشباب.
الخوف من استثمار اليمين المتطرف للأزمة
يحذر المقال من التداعيات السياسية للأحداث داخل إسبانيا وأوروبا، خصوصاً إمكانية استغلالها من طرف اليمين المتطرف لتغذية خطاب الخوف من المغاربة والمسلمين.
ويرى أوريد أن الأزمة قد تمنح هذا التيار مادة جديدة للحديث عن «خطر المورو» و«أسلمة أوروبا»، وهي خطابات تجد صدى لدى فئات من الناخبين الأوروبيين.
تكمن أهمية هذه الملاحظة في أن الهجرة لا تتوقف آثارها عند الحدود، بل تتحول سريعاً إلى وقود انتخابي. فالمهاجر الذي يخاطر بحياته قد يصبح، بعد وصوله، موضوعاً للدعاية السياسية والتخويف الجماعي، بدل أن ينظر إليه باعتباره شخصاً له قصة ودوافع وظروف اجتماعية.
انهيار البنيات الوسيطة
يشكل غياب الوسائط السياسية والاجتماعية إحدى الأفكار المركزية في المقال. فحسب أوريد، لم تعد الأحزاب والنقابات والجمعيات والمدرسة والصحافة تؤدي دورها في التأطير والتنشئة واحتواء الغضب.
ويختصر هذا الوضع بالقول إن الفعل السياسي أصبح موزعاً بين «السلطة وأدواتها الزجرية» من جهة، و«الشارع وخطابه الهلامي وعنفه غير المنظم» من جهة أخرى.
هذه الصورة تعكس أزمة تمثيل حقيقية: حين يفقد المواطن ثقته في المؤسسات، ولا يجد قناة سياسية أو اجتماعية تنقل مطالبه، يصبح الشارع أو الهجرة أو الاحتجاج المفاجئ وسائل بديلة للتعبير. والخطر، في نظر الكاتب، أن هذا الفراغ يجعل الانفجارات الاجتماعية أكثر احتمالاً وأقل قابلية للتوقع أو الضبط.
المغرب بسرعتين
يستعمل أوريد صورة «الواجهة والحديقة الخلفية» لتفسير التناقض بين صورة المغرب الحديثة والواقع الاجتماعي الذي تعيشه فئات واسعة.
فالمغرب، بحسب المقال، يحقق إنجازات واضحة في البنية التحتية والاستثمارات والمشاريع الكبرى، لكنه يعاني في المقابل من اقتصاد مزدوج لا يستفيد منه جميع المواطنين بالقدر نفسه. ويقول الكاتب إن المواطن لا يمكن إقناعه بالمشاريع الكبرى إذا كان عاجزاً عن الحصول على علاج أو عمل كريم.
وتعد هذه من أقوى أفكار المقال. فالكاتب لا ينكر الإنجازات، لكنه ينتقد توزيع ثمارها. ويشير إلى وجود مغرب ظاهر، حديث ومجهز، ومغرب آخر أقل حضوراً في الخطاب الرسمي، يعاني من البطالة وضعف الخدمات وانسداد الأفق.
وتلخص عبارته هذا التناقض بوضوح:
«المغرب ككل بيت، له واجهة وله حديقة خلفية، والنظرة الحصيفة هي التي تنظر إلى الواجهتين».



