تنوير -متابعة
أثارت تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير موجة إدانات دولية، بعدما دعا خلال مقابلة مصورة إلى تنفيذ عمليات قتل تستهدف «30 إلى 40 شخصاً» في غزة كل ليلة، مضيفاً أن هناك أشخاصاً في القطاع «لا يستحقون الحياة». وقد أدانت ألمانيا وفرنسا والأمم المتحدة هذه التصريحات، ووصفتها برلين بأنها «لاإنسانية» ومخالفة للقانون الدولي.
وتطرح هذه التصريحات سؤالاً قانونياً بشأن إمكانية مساءلة بن غفير، سواء داخل إسرائيل أو أمام القضاء الدولي.
على المستوى الإسرائيلي، توجد تشريعات تجرّم التحريض على العنف والعنصرية، كما يمكن من حيث المبدأ ملاحقة مسؤول سياسي جنائياً. ويملك المستشار القضائي للحكومة دوراً محورياً في القضايا المتعلقة بالمسؤولين والجرائم المرتبطة بالتحريض، غير أن تطبيق هذه الآليات يبقى مرتبطاً بالمسار القضائي وبالظروف السياسية والمؤسساتية المحيطة بالقضية.
أما دولياً، فالمسألة أكثر تعقيداً. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يجرّم التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية، كما يمكن أن تقع تصريحات مسؤول سياسي ضمن الأدلة التي ينظر إليها المدعي العام عند تقييم جرائم محتملة. لكن صدور تصريح صادم أو عنيف لا يؤدي تلقائياً إلى توجيه اتهام؛ إذ يتطلب الأمر إثبات العناصر القانونية للجريمة، بما في ذلك القصد والسياق والعلاقة بالأفعال المرتكبة.
وتملك المحكمة الجنائية الدولية اختصاصاً بشأن الجرائم الداخلة في ولايتها المرتكبة في الأراضي الفلسطينية، رغم أن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة، لأن فلسطين انضمت إلى نظام روما. غير أن أي ملاحقة لبن غفير تحتاج إلى تحقيق وطلب من الادعاء ثم قرار قضائي من قضاة المحكمة.
وهنا ينبغي تصحيح معلومة متداولة: لا توجد، وفق السجلات العلنية المتاحة للمحكمة الجنائية الدولية، مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة بحق بن غفير حتى الآن. المذكرات المعروفة في الملف الإسرائيلي صدرت بحق مسؤولين آخرين، بينهم بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت.
ويبقى مسار آخر ممكناً عبر بعض المحاكم الوطنية الأوروبية التي تسمح قوانينها، بشروط محددة، بملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة خارج أراضيها. وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية إمكانية ملاحقة مسؤولين أجانب في فرنسا في قضايا من هذا النوع عندما تتوافر شروط الاختصاص.
وعليه، فإن تصريحات بن غفير قد تتحول إلى عنصر في ملفات وتحقيقات قانونية، لكنها لا تعني تلقائياً إدانته أو إصدار مذكرة توقيف بحقه. والفارق هنا أساسي بين الإدانة السياسية والأخلاقية من جهة، والمسؤولية الجنائية التي تحتاج إلى إثبات قضائي من جهة أخرى.