الحنبلي عزيز -متابعة
كشفت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، في تقرير حقوقي حول عمليات العبور الجماعي نحو مدينتي سبتة ومليلية يومي 30 و31 يوليوز، والتطورات التي شهدها يوم 15 غشت 2026، عن معطيات مقلقة بشأن الوفيات والمفقودين وأوضاع القاصرين والنساء والمهاجرين، داعية المغرب وإسبانيا إلى اعتماد مقاربة حقوقية وإنسانية تتجاوز التدبير الأمني للحدود.
وقالت المنظمة إنها شكلت، منذ بداية الأحداث، لجنة خاصة للرصد والتتبع الميداني وجمع المعطيات والتواصل مع الأطراف المعنية، قبل أن تنجز زيارة ميدانية إلى سبتة في 8 غشت للوقوف على ظروف الأشخاص الذين تمكنوا من العبور.
عشرات الآلاف حاولوا العبور
وبحسب التقرير، سبق موجة نهاية يوليوز تسجيل محاولات متكررة للعبور نحو سبتة خلال الأشهر الأولى من السنة. ونقلت المنظمة عن معطيات إسبانية أن أكثر من 2800 شخص تمكنوا، إلى حدود نهاية يونيو، من الوصول إلى المدينة عبر البحر أو من خلال تجاوز السياج الحدودي.
أما خلال يومي 30 و31 يوليوز، فتباينت الأرقام بشكل كبير؛ إذ تحدثت السلطات الإسبانية، وفق التقرير، عن نحو 70 ألف محاولة عبور، بينما أشارت وزارة الداخلية المغربية إلى رقم يقارب 40 ألف شخص.
وترى المنظمة أن التدفق الاستثنائي لم يكن نتيجة عامل واحد، بل تداخلت فيه عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، إلى جانب الدور المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي.
وسجل التقرير انتشار مقاطع تظهر أشخاصاً وهم يصلون إلى سبتة، إلى جانب حسابات رقمية شجعت الشباب والقاصرين على المحاولة، فضلاً عن تداول معلومات وصفتها المنظمة بـ«المضللة» حول إمكانية البقاء في إسبانيا وتسوية الوضع القانوني بمجرد الوصول بحراً.
كما أشارت إلى مشاركة مهاجرين من جنسيات مختلفة، من بينهم سودانيون ويمنيون وجزائريون وتونسيون وفلسطينيون وأفغان وبنغاليون ومواطنون من دول إفريقيا جنوب الصحراء والساحل، معتبرة أن بعضهم قد يكون في حاجة إلى حماية دولية أو إلى تقديم طلبات لجوء.
أرقام متباينة بشأن الضحايا ومفقودون دون مصير واضح
ومن أبرز الملفات التي توقف عندها التقرير الحق في الحياة، إذ أشار إلى استمرار التفاوت الكبير بين الأرقام المتداولة بشأن الوفيات.
ووفق المنظمة، تحدثت معطيات إسبانية عن نحو مائة حالة وفاة غرقاً، مقابل نحو 14 حالة حسب المعطيات المغربية التي استند إليها التقرير، إضافة إلى عدد من المفقودين ومجهولي المصير.
وشددت المنظمة على ضرورة الكشف عن مصير جميع المفقودين، والتعرف العلمي والقانوني على جثامين الضحايا، بما في ذلك استخدام التشريح الطبي والحمض النووي عند الحاجة، وإنشاء آلية مغربية-إسبانية لتبادل المعلومات وإعادة الجثامين إلى أسرها.
وسجل التقرير كذلك وقوع مواجهات خلفت إصابات في صفوف مرشحين للهجرة وأفراد من القوات العمومية، فضلاً عن إحراق وتخريب مركبات وممتلكات.
وتحدثت المنظمة عن توقيفات ومحاكمات أعقبت الأحداث، مشيرة إلى أن بعض المتابعين تمت محاكمتهم في ظل استمرار توقف المحامين عن تقديم خدماتهم المهنية، وهو ما اعتبرته إشكالاً يمس ضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة، خصوصاً بالنسبة إلى أشخاص لا يتوفرون على معرفة قانونية كافية للدفاع عن أنفسهم.
مطالب بالتحقيق في استخدام القوة
وقال التقرير إن مقاطع مصورة متداولة أظهرت حالات يشتبه في أنها تضمنت استخداماً مفرطاً للقوة أثناء التدخلات الأمنية، داعياً إلى فتح تحقيقات مستقلة للتأكد من مدى احترام مبدئي الضرورة والتناسب.
كما أشار إلى أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان استمع إلى أحد الأشخاص الذين ظهروا في مقطع متداول يتعلق بتهديد سلامته الجسدية من طرف أحد أفراد القوات العمومية، مع إحالة المعطيات، بحسب التقرير، إلى النيابة العامة.
وفي مليلية، سجل التقرير مواجهات عند معبر بني أنصار خلال محاولة للعبور بالقوة، رافقتها إصابات ورشق للقوات بالحجارة وإتلاف منشآت عمومية، وأعقبتها اعتقالات ومتابعات قضائية.
15 غشت.. إجراءات أمنية مشددة ودعوات مجهولة للعبور
وتوقف التقرير عند يوم 15 غشت، بعد تداول دعوات مجهولة على المنصات الرقمية تحث على التوجه مجدداً نحو سبتة.
وقالت المنظمة إن السلطات كثفت عمليات المراقبة والتفتيش في المحاور المؤدية إلى تطوان والفنيدق، وشملت سيارات الأجرة والحافلات وبعض السيارات الخاصة، معتبرة أن بعض الإجراءات أدت إلى عرقلة تنقل أشخاص لم تكن لهم علاقة بمحاولات العبور.
وأفادت المنظمة بأنها عاينت مجموعات، غالبيتها من دول إفريقيا جنوب الصحراء، تحاول الوصول إلى سبتة، لكنها أشارت إلى أن السلطات تمكنت من منع المحاولة دون تسجيل احتكاكات مباشرة، مع اعتماد الحوار مع بعض الأشخاص لإقناعهم بالعدول عن العبور.
وحسب التقرير، جرى في ذلك اليوم توقيف 294 شخصاً، بينهم 248 من دول إفريقيا جنوب الصحراء و46 مغربياً.
كما سجلت المنظمة حالات مرتبطة بحرية العمل الصحافي، من بينها منع صحافي مغربي مؤقتاً من التغطية قبل السماح له باستكمال عمله، إضافة إلى مطالبة مراسلين تابعين لوسيلتين إسبانيتين بمغادرة الفنيدق، وفق ما أورده التقرير.
أوضاع إنسانية صعبة داخل سبتة
وتحتل الأوضاع داخل سبتة حيزاً مهماً من التقرير، بناء على زيارة ميدانية أجراها رئيس المنظمة وعدد من الإفادات التي جرى جمعها.
وقالت المنظمة إنها رصدت أشخاصاً من جنسيات مختلفة يعيشون في ظروف صعبة، مع نقص في الغذاء والماء ومحدودية أماكن الإيواء، ما دفع بعضهم إلى النوم في الشوارع أو في فضاءات مكتظة، بينما تحولت أجزاء من بعض الشواطئ إلى تجمعات شبيهة بالمخيمات البدائية.
وأشار التقرير إلى تدخل جمعيات وفعاليات مدنية وسكان محليين لتقديم الغذاء أو إيواء النساء والأطفال، في ظل ما وصفه بضعف الاستجابة المؤسساتية.
وسجلت المنظمة بشكل خاص هشاشة الأطفال غير المرفقين والنساء والفتيات والأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية أو نفسية.
كما تحدث التقرير عن شهادات بشأن اعتداءات طالت بعض النساء والفتيات، بينها ادعاءات ذات طبيعة جنسية. وأكدت المنظمة أن الأرقام المتداولة متفاوتة، مشيرة إلى خمس حالات معلنة رسمياً ثم تقارير إعلامية تحدثت عن 12 حالة، بينما ورد رقم أكبر في شهادات مدنية لم تتمكن المنظمة من التحقق منه.
وطالبت، على هذا الأساس، بفتح تحقيق قضائي مستقل في جميع الادعاءات، مع ضمان حماية الضحايا المحتملين وعدم التعامل مع المعطيات غير المؤكدة باعتبارها حقائق ثابتة.
مخاوف من تصاعد الخطاب العنصري
وسجلت المنظمة كذلك تصاعد الخطاب المناهض للمهاجرين، خاصة بعد وصول شخصيات ومجموعات محسوبة على اليمين المتطرف الإسباني إلى سبتة.
وانتقد التقرير استخدام أوصاف من قبيل «الغزو» في تناول عمليات العبور، معتبراً أنها قد تغذي العنصرية والتمييز وتساهم في تجريد المهاجرين من إنسانيتهم.
وأكد أن الهجرة نحو سبتة ومليلية ليست ظاهرة جديدة، وأن تشديد الحواجز والأسوار لا يؤدي بالضرورة إلى وقفها، بل يمكن أن يدفع المرشحين للهجرة وشبكات التهريب إلى البحث عن طرق أكثر خطورة.
المقاربة الأمنية وحدها «غير كافية»
وخلص التقرير إلى أن ما وقع يمثل، في جوهره، اختباراً لمدى احترام حقوق الإنسان خلال الأزمات المرتبطة بالهجرة والحدود.
وطالبت المنظمة باحترام الحق في الحياة والسلامة الجسدية، وضمان استخدام القوة فقط عند الضرورة وبشكل متناسب، وتوفير آليات سريعة للإنقاذ والإغاثة.
كما شددت على ضرورة إعطاء الأولوية للقاصرين غير المرفقين وفق مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وتوفير الرعاية الصحية والنفسية والمساعدة القانونية لهم وحمايتهم من الاستغلال والاتجار بالبشر.
ودعت إلى تحقيقات مستقلة في الوفيات والإصابات والادعاءات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان على جانبي الحدود، وإعلان نتائجها وضمان حق الأسر والضحايا في الحقيقة والإنصاف.
وفي ملف اللجوء، شددت المنظمة على ضرورة تمكين الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية من الوصول إلى إجراءات اللجوء، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتوفير الترجمة والمواكبة القانونية.
كما أوصت بتفكيك شبكات تهريب البشر والاتجار بهم، بالتوازي مع حملات توعية تستهدف المعلومات الزائفة التي تنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي وتشجع القاصرين والشباب على خوض رحلات خطرة.
التنمية والشباب في صلب الحل
ويرى التقرير أن مواجهة ظاهرة العبور لا يمكن فصلها عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها جزء من الشباب.
وطالبت المنظمة بمكافحة الهدر المدرسي، وتحسين جودة التعليم، وتوسيع فرص التشغيل، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، إلى جانب برامج تنموية موجهة إلى المناطق التي تشهد ضغطاً متزايداً للهجرة، خاصة الفنيدق والناظور.
واعتبرت أن معالجة المشكلة من زاوية أمنية فقط قد تؤدي إلى تكرار الأزمات، في حين يتطلب الحل المستدام الجمع بين الحقوق والتنمية والتشغيل والتعليم والتوعية الرقمية والتعاون بين ضفتي المتوسط.
وفي توصياتها الخاصة بسبتة، دعت المنظمة إلى توفير الغذاء والماء والإيواء والرعاية الصحية، وفتح مراكز لاستقبال القاصرين والنساء، والتحقيق في الاعتداءات المبلغ عنها، ودعم الجمعيات المحلية التي تقدم المساعدة الإنسانية، إلى جانب التصدي للخطابات العنصرية.
كما طالبت بتسريع التنسيق المغربي الإسباني للتعرف على جثامين الضحايا وتسليمها إلى أسرهم.
وخلصت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى أن الهجرة ظاهرة تاريخية لا يمكن وقفها بالأسوار والإجراءات الأمنية وحدها، معتبرة أن الحد من موجات العبور الخطرة يمر عبر حماية الكرامة الإنسانية، وتوسيع قنوات الهجرة النظامية، ومعالجة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز التعاون المغربي الإسباني والأوروبي وفق مقاربة تجعل حقوق الإنسان في قلب تدبير ملف الهجرة.