الحنبلي عزيز –تنوير – متابعة
تكشف قراءة مجالية للنتائج التي أفرزتها الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 عن تفاوت واضح بين حضور الأحزاب في الدوائر ذات الطابع الحضري وتلك المرتبطة بالقرى والبوادي، بالتوازي مع إعادة رسم الخريطة السياسية لمجلس النواب الجديد.
فوفق المعطيات ، يتوزع النواب الـ395 بين 222 نائباً عن مناطق مصنفة ضمن القرى والبوادي، و173 نائباً عن المدن والحواضر، مع اختلافات لافتة بين الأحزاب في طبيعة قواعدها الانتخابية ومواقع المقاعد التي حصلت عليها.
وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن حزب الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج المؤقتة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، والاستقلال بـ65، ثم العدالة والتنمية بـ54 مقعداً.
الأصالة والمعاصرة.. 63 مقعداً في القرى مقابل 34 في المدن
ويظهر توزيع مقاعد حزب الأصالة والمعاصرة، وفق الإنفوغراف، حضوراً أكبر في المجال القروي، إذ من أصل 97 مقعداً حصل عليها الحزب، يصنف 63 مقعداً ضمن القرى والبوادي مقابل 34 مقعداً في المدن والحواضر.
وتضع هذه الأرقام المجال القروي في موقع مهم ضمن الخريطة الانتخابية للحزب الذي تصدر تشريعيات 2026 للمرة الأولى بـ97 مقعداً، بزيادة عشرة مقاعد مقارنة بنتيجة انتخابات 2021.
الأحرار والاستقلال.. حضور قروي أكبر أيضاً
ولا يختلف الاتجاه كثيراً لدى التجمع الوطني للأحرار، الذي حصل على 66 مقعداً؛ إذ يصنف الإنفوغراف 40 منها في القرى والبوادي و26 في المدن والحواضر.
وبالنسبة إلى حزب الاستقلال، تبدو الخريطة أكثر تقارباً بين المجالين، مع تقدم نسبي للمقاعد المصنفة قروية: 36 مقعداً في القرى والبوادي مقابل 29 في المدن والحواضر، من أصل 65 مقعداً.
وقد أكدت النتائج الوطنية المعلنة حلول الأحرار ثانياً والاستقلال ثالثاً في الترتيب العام للانتخابات.
العدالة والتنمية.. صورة معاكسة وحضور قوي في المدن
أما حزب العدالة والتنمية فيقدم، بحسب التصنيف نفسه، صورة مختلفة بوضوح عن الأحزاب الثلاثة الأولى.
فمن بين مقاعده الـ54، يصنف الإنفوغراف 43 مقعداً ضمن المدن والحواضر مقابل 11 فقط في القرى والبوادي.
وتبرز هذه المعطيات تركّزاً حضرياً أكبر لمقاعد الحزب في انتخابات 2026، وهي الانتخابات التي شهدت ارتفاع تمثيليته من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً في النتائج المؤقتة الحالية.
الحركة الشعبية تحافظ على ثقل قروي
وتبرز الخريطة نفسها حضوراً قروياً واضحاً لدى الحركة الشعبية. فمن أصل 29 مقعداً، يأتي 22 مقعداً ضمن القرى والبوادي مقابل سبعة مقاعد في المدن والحواضر.
ويمتد الاتجاه نفسه، وإن بدرجات أقل، إلى عدد من الأحزاب الأخرى؛ إذ يسجل الاتحاد الاشتراكي 15 مقعداً قروياً مقابل 11 حضرياً، والتقدم والاشتراكية 11 مقابل 8، بينما يسجل الاتحاد الدستوري 11 مقعداً في المجال القروي مقابل 6 في المجال الحضري.
أما الحركة الديمقراطية الاجتماعية، التي حصلت على ثمانية مقاعد، فتوزعت حصيلتها، بحسب الرسم، بين ستة مقاعد قروية ومقعدين حضريين.
تحالف اليسار.. ستة مقاعد في المدن ومقعدان في البوادي
وعلى النقيض من هذا الاتجاه، يظهر تحالف اليسار بتركيبة يغلب عليها الحضور الحضري. فمن أصل المقاعد الثمانية التي حصل عليها التحالف، يصنف الإنفوغراف ستة في المدن والحواضر مقابل مقعدين في القرى والبوادي.
وهو اتجاه يقترب، من حيث غلبة الحضور الحضري فقط، من توزيع العدالة والتنمية، مع اختلاف كبير بطبيعة الحال في الحجم الإجمالي للتمثيلية؛ إذ حصل تحالف اليسار على ثمانية مقاعد مقابل 54 للعدالة والتنمية. وحصيلة المقاعد الثمانية للتحالف واردة كذلك ضمن النتائج الوطنية المؤقتة المعلنة.
الأحزاب الصغيرة.. حضور محدود وغالباً قروي
أما الأحزاب ذات التمثيلية المحدودة، فيبين الرسم حصول جبهة القوى الديمقراطية على مقعدين مصنفين ضمن القرى والبوادي، فيما توزع مقعدا حزب الإنصاف بالتساوي بين مقعد حضري وآخر قروي.
وحصل كل من حزب الديمقراطيين الجدد وحزب الوحدة والديمقراطية على مقعد واحد، يصنفهما الإنفوغراف ضمن المجال القروي.
وتتطابق أعداد المقاعد الإجمالية لهذه الأحزاب مع الحصيلة الوطنية التي أعلنت عنها وزارة الداخلية، والتي منحت مقعدين لكل من جبهة القوى الديمقراطية وحزب الإنصاف، ومقعداً واحداً لكل من الديمقراطيين الجدد والوحدة والديمقراطية.
القرى والبوادي في قلب المعادلة الانتخابية
ويعيد هذا التوزيع طرح مسألة الوزن الانتخابي للعالم القروي في المغرب. وكان تحليل نشره موقع «لكم» قبيل الانتخابات قد أشار إلى أن الناخبين القرويين يمثلون نحو 45 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية، في حين تبلغ حصة سكان المجال القروي قرابة 37 في المائة من السكان وفق معطيات الإحصاء العام لسنة 2024.
لكن قراءة أرقام «الحضر والقرى» تحتاج إلى قدر من الحذر، بالنظر إلى طبيعة التقطيع الانتخابي في عدد من الدوائر التي قد تجمع داخل الدائرة نفسها مراكز حضرية وجماعات قروية؛ وبالتالي فإن تصنيف المقعد بأنه «حضري» أو «قروي» لا يعني بالضرورة أن كل الأصوات التي صنعت ذلك المقعد جاءت من مجال واحد. وقد شكل ربط المدن بالمناطق القروية داخل بعض الدوائر موضوع نقاش سياسي وانتخابي سابق.
وعليه، فإن الأرقام تقدم مؤشراً على الخريطة المجالية للتمثيلية البرلمانية، لكنها لا تكفي وحدها لاستخلاص طبيعة السلوك الانتخابي أو دوافع تصويت سكان المدن والقرى، وهي مسائل تحتاج إلى تحليل نتائج كل دائرة ومكتب تصويت على حدة.