يشكل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر 2026، عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، حدثاً تتجاوز دلالاته انتقال المسؤولية التنفيذية من حزب إلى آخر. فالمسألة، من زاوية العلوم السياسية، لا تتعلق فقط باسم الشخصية التي ستقود الحكومة المقبلة، وإنما تتصل بطبيعة العلاقة بين المؤسسة الملكية والحكومة والبرلمان والأحزاب والناخبين، وبكيفية إعادة إنتاج التوازنات السياسية داخل نظام دستوري يجمع بين استمرارية الدولة وتداول المسؤولية الحكومية.
وقد جاء التعيين في إطار الفصل 47 من دستور 2011، الذي ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ومن ثم، فإن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري يرتبط مباشرة بالنتيجة الانتخابية التي جعلت حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى، وهو ما يجعل التعيين ممارسة لاختصاص دستوري مرتبط بالمعطى الانتخابي، وليس اختياراً منفصلاً عن نتائج الاقتراع.
غير أن ثمة تمييزاً مؤسساتياً أساسياً ينبغي عدم إغفاله: تعيين رئيس الحكومة ليس هو تشكيل الحكومة، وتصدر الانتخابات لا يعني امتلاك الأغلبية البرلمانية. فحزب الأصالة والمعاصرة، رغم تصدره الانتخابات، لا يملك الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب، الأمر الذي يجعل رئيسة الحكومة المعينة أمام مهمة بناء أغلبية قادرة على منح حكومتها الثقة.
وهنا يبدأ الجزء الثاني من المسار الدستوري. فرئيس الحكومة يدخل في مشاورات سياسية لتشكيل أغلبية، ويقترح أعضاء الحكومة، فيما يتم تعيين أعضاء الحكومة من طرف الملك وفق المقتضيات الدستورية. وبعد ذلك يعرض رئيس الحكومة برنامج حكومته أمام البرلمان، ولا تحصل الحكومة على التنصيب إلا بعد نيل ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه.
وتكشف هذه الثنائية طبيعة النظام التنفيذي المغربي، حيث يمارس الملك اختصاصات دستورية مركزية، من بينها رئاسة مجلس الوزراء وتعيين رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة وفق المقتضيات الدستورية، بينما تمارس الحكومة السلطة التنفيذية تحت سلطة رئيس الحكومة، الذي يقود تنفيذ البرنامج الحكومي ويمارس السلطة التنظيمية في حدود الدستور والقانون. لذلك فإن العلاقة بين الملك ورئيس الحكومة لا يمكن اختزالها في سؤال بسيط من قبيل «من يحكم؟»، لأن الدستور يوزع الوظائف داخل بنية تنفيذية مركبة، تجعل الملك رئيس الدولة وضامناً لمؤسساتها واختصاصاتها الدستورية، وتجعل الحكومة جهازاً تنفيذياً مسؤولاً عن تنفيذ برنامجها أمام البرلمان.
من الناحية السياسية، يمثل انتقال رئاسة الحكومة إلى حزب الأصالة والمعاصرة تحولاً لافتاً في الخريطة الحكومية. فمنذ انتخابات 2021، كان حزب التجمع الوطني للأحرار في موقع قيادة الحكومة، ضمن ائتلاف جمعه أساساً مع الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال. أما انتخابات 2026 فقد أعادت ترتيب مراكز القوى داخل هذا المشهد، إذ أصبح الأصالة والمعاصرة الحزب الأول، فيما تراجع التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الثانية، وجاء الاستقلال ثالثاً.
غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة قطيعة مع المرحلة السابقة، لأن الحزب الذي أصبح في المرتبة الأولى كان نفسه جزءاً من الأغلبية الحكومية السابقة. ومن هذه الزاوية، نحن أمام حالة سياسية مركبة: تداول في قيادة الحكومة داخل فضاء الأغلبية السابقة نفسها، بالتزامن مع إعادة ترتيب انتخابي لمواقع الأحزاب. وهذا ما يجعل انتقال رئاسة الحكومة إلى الأصالة والمعاصرة أقرب إلى إعادة توزيع لمراكز القيادة داخل المجال الحزبي القائم منه إلى انقلاب كامل في بنية النظام الحزبي.
وتزداد أهمية الحدث مع وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب. غير أن القيمة السياسية لهذا الحدث لا تختزل في رمزيته النسائية. أهميته الأعمق تكمن في انتقال المرأة المغربية، على مستوى القيادة التنفيذية، من المشاركة في الحكومة والبرلمان والمجالس المنتخبة إلى قيادة الحكومة نفسها. وهذا يفتح سؤالاً يتجاوز الرمز إلى الممارسة: كيف ستتحول هذه السابقة التاريخية إلى حضور فعلي للنساء في مواقع القرار، وكيف سينعكس ذلك على بنية الحكومة وأولوياتها وأساليب تدبيرها؟
أما على المستوى الحزبي، فإن نتائج 23 شتنبر تكشف عن استمرار التعددية السياسية وتوزيع القوة البرلمانية بين مجموعة من الأحزاب. فالأصالة والمعاصرة تصدر المشهد، لكنه لا يمتلك الأغلبية المطلقة، وهو ما يجعل تشكيل الحكومة عملية تفاوضية بطبيعتها. ومن ثم، فإن الانتخابات لم تنتج حزباً مهيمناً قادراً على الحكم منفرداً، وإنما أنتجت برلماناً متعدد القوى، ستكون فيه التحالفات عاملاً حاسماً في تحديد شكل الحكومة المقبلة.
لكن السؤال الأهم سوسيولوجياً لا يتعلق فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما بما تعنيه هذه المقاعد من حيث طبيعة العلاقة بين الناخب والأحزاب. فالمقعد البرلماني لا ينبغي أن يُقرأ دائماً بوصفه وحدة قياس صافية للثقة في البرنامج الوطني للحزب، لأن الانتخابات المغربية تظل مجالاً تتقاطع فيه البرامج الوطنية مع شخصية المرشح، والعلاقات الاجتماعية والعائلية، والاعتبارات المحلية والجهوية، وشبكات التعبئة الانتخابية.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الحزب باعتباره مؤسسة وطنية، والحزب باعتباره شبكة انتخابية محلية وجهوية. فالفائز في الدائرة الانتخابية لا يحمل معه إلى البرلمان فقط برنامجاً حزبياً، وإنما يحمل أيضاً شبكة من العلاقات والانتظارات والمصالح التي تشكلت داخل المجال الترابي الذي انتُخب فيه. ولذلك فإن صعود حزب أو تراجع آخر قد يعكس، في جانب منه، إعادة توزيع للثقة السياسية، لكنه قد يعكس أيضاً تغيراً في مواقع المرشحين وشبكاتهم وقدرتهم على التعبئة.
ومن الناحية السوسيولوجية، تقدم نسبة المشاركة الانتخابية أحد المفاتيح المهمة لفهم انتخابات 2026. فالمشاركة لا تعبر فقط عن إرادة الذين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع، وإنما تجعل من الذين اختاروا عدم المشاركة جزءاً من الظاهرة الانتخابية نفسها. ولذلك فإن قراءة نتائج الانتخابات ينبغي ألا تكتفي بالسؤال: من صوت لمن؟ بل عليها أن تضيف سؤالاً آخر: من لم يصوت، ولماذا؟
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنسبة إلى الشباب، في ظل استمرار النقاش حول المسافة التي تفصل جزءاً من الأجيال الجديدة عن الأحزاب والمؤسسات السياسية. فالشباب المغربي لا يعيش بالضرورة خارج السياسة، لكنه قد يمارس أشكالاً مختلفة من التعبير والمشاركة لا تمر دائماً عبر القنوات الحزبية والانتخابية التقليدية. وقد تكون هذه الفجوة بين المجتمع المتغير والمؤسسات السياسية من أهم الأسئلة التي ستواجه الأحزاب خلال السنوات المقبلة.
كما أن المال الانتخابي والشبكات العائلية والمحلية والجهوية تظل عناصر ينبغي إدخالها في التحليل، ولكن دون تحويلها إلى تفسير شامل لكل النتائج. فكل انتخاب يجمع بين المصالح الاقتصادية والاجتماعية، والهوية المحلية، وشخصية المرشح، والانتماء الحزبي، والقدرة على التعبئة، وتقييم الناخب للأداء السياسي السابق. ولذلك فإن فهم نتائج 23 شتنبر يحتاج إلى قراءة متعددة المستويات، لا إلى اختزالها في تفسير واحد.
ومن هذه الزاوية، ربما تقول الانتخابات عن المجتمع المغربي أكثر مما تقول عن الأحزاب نفسها. فهي تكشف مجتمعاً تتغير مطالبه بسرعة، فيما تتغير الأحزاب بوتيرة أبطأ. المواطن يقيس السياسة من خلال التشغيل والأسعار والصحة والتعليم والسكن والنقل والخدمات العمومية، بينما تميل الخطابات الحزبية في كثير من الأحيان إلى الاشتغال بلغة المؤسسات والبرامج والوعود. وبين المستويين تتشكل فجوة تحتاج إلى معالجة سياسية ومؤسساتية.
وفي هذا السياق، تكتسب شخصية فاطمة الزهراء المنصوري أهمية خاصة. فهي ليست وافدة على السياسة المغربية من خارج المؤسسات، وإنما نتاج مسار سياسي ومؤسساتي متعدد المستويات؛ من العمل الحزبي، إلى رئاسة مجلس مدينة مراكش، إلى البرلمان، ثم الوزارة، ثم القيادة الحزبية. ولذلك فإن انتقالها إلى رئاسة الحكومة يمثل امتداداً لمسار سابق، لكنه في الوقت نفسه ينقلها إلى مستوى جديد تماماً من المسؤولية.
فالعمل المحلي يفرض منطقاً تدبيرياً مختلفاً عن العمل الحكومي، والعمل الوزاري يختلف بدوره عن قيادة ائتلاف حكومي متعدد الأحزاب. رئيسة الحكومة مطالبة بالتنسيق بين قطاعات ومصالح متعددة، وإدارة العلاقة مع البرلمان، وبناء التوافقات داخل الأغلبية، وتحويل البرنامج الحكومي إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والقياس.
ومن هنا فإن التحدي السياسي أمام المنصوري لا يتمثل فقط في قيادة حكومة جديدة، وإنما في تحويل رصيدها السابق إلى قدرة على بناء ائتلاف سياسي متماسك. فالحكومة المقبلة ستولد من تفاوض حزبي، وهذا التفاوض لن يدور فقط حول عدد الحقائب، وإنما حول طبيعة توزيع المسؤوليات، وموقع كل حزب، والأولويات المشتركة، وحدود التنازل المتبادل.
والفارق هنا مهم بين الأغلبية العددية والأغلبية السياسية. فقد تنجح مجموعة من الأحزاب في الوصول إلى العدد الضروري لتشكيل الحكومة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكها درجة عالية من الانسجام السياسي والبرنامجي. فالحكومة المستقرة تحتاج إلى أكثر من جمع المقاعد؛ تحتاج إلى حد أدنى من التوافق حول الأولويات الكبرى، وآليات اتخاذ القرار، وتقاسم المسؤولية السياسية.
ولهذا فإن المشاورات التي ستجريها رئيسة الحكومة المعينة ستشكل في حد ذاتها مؤشراً على طبيعة المرحلة. فالحساب البرلماني سيحدد إمكانات التحالف، لكن الحساب السياسي سيحدد قابلية هذا التحالف للاستمرار. وبين الاثنين توجد الحسابات الحزبية، والمصالح التنظيمية، والحقائب الوزارية، والانتظارات الانتخابية المقبلة.
وهنا نصل إلى سؤال أعمق يتعلق بالعلاقة بين الانتخابات والحكم. فالانتخابات لا تعيد فقط توزيع المقاعد داخل البرلمان، وإنما يمكن أن تعيد أيضاً ترتيب مواقع الفاعلين داخل المجال السياسي. فمن سيقود اللجان البرلمانية؟ ومن سيتولى الحقائب الأساسية؟ وكيف ستتوزع مراكز القرار داخل الأغلبية؟ وما موقع المنتخبين المحليين والجهويين في الخريطة الجديدة؟ وكيف ستتغير شبكات التأثير السياسي والاقتصادي؟
بهذا المعنى، الانتخابات ليست لحظة اقتراع فقط، وإنما عملية لإعادة توزيع المواقع داخل المجال السياسي والمؤسساتي. غير أن هذا لا يعني أن كل نفوذ هو نفوذ غير مشروع؛ فالتنافس السياسي داخل المؤسسات جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية. أما الممارسات غير القانونية المرتبطة بالمال الانتخابي أو تضارب المصالح أو استغلال النفوذ، فهي مسائل أخرى ينبغي تناولها في إطارها القانوني والمؤسساتي.
ويتيح هذا الحدث أيضاً إعادة التفكير في العلاقة بين استمرارية الدولة وتداول المسؤولية الحكومية وتغير الخريطة الحزبية. فهذه العناصر لا تتناقض بالضرورة. الدولة تستمر بمؤسساتها واستراتيجياتها الكبرى، بينما تتغير الحكومات وفق نتائج الانتخابات والتحالفات البرلمانية. والحكومة ليست الدولة، والحزب الذي يقود الحكومة لا يحتكر المجال السياسي.
وفي المقابل، فإن تداول المسؤولية الحكومية يمنح الانتخابات وظيفة سياسية حقيقية، لأنه يسمح بتغيير قيادة الجهاز التنفيذي، وإعادة ترتيب الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وفتح دورة جديدة من المساءلة السياسية والبرلمانية. ومن ثم فإن انتقال رئاسة الحكومة من التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة يمكن أن يُقرأ باعتباره اختباراً لفكرة الجمع بين استمرارية الدولة وتغير الحكومات.
غير أن الاختبار الأكبر سيبدأ بعد تشكيل الحكومة. فالحكومة الجديدة ستجد أمامها ملفات ثقيلة، في مقدمتها التشغيل، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب، والقدرة الشرائية والأسعار، والتعليم والصحة، والعدالة الاجتماعية والمجالية، والاستثمار، والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الاستعداد للاستحقاقات الكبرى المرتبطة بمونديال 2030.
هذه الملفات لا تتطلب فقط قرارات قطاعية منفصلة، وإنما تحتاج إلى رؤية حكومية متكاملة. فالتشغيل، مثلاً، يرتبط بالتعليم والاستثمار والتحول الرقمي، والعدالة المجالية ترتبط بالبنية التحتية والنقل والصحة والتعليم، بينما أصبح الذكاء الاصطناعي مرتبطاً بالإدارة وسوق الشغل والسيادة الرقمية والأمن السيبراني والإنتاجية.
ويبقى ملف الثقة في المؤسسات من أكثر الملفات عمقاً. فالحكومة تستطيع الحصول على ثقة البرلمان، لكن الثقة السياسية والاجتماعية أوسع من التصويت البرلماني. إنها تُبنى عبر الأداء، والشفافية، والقدرة على التواصل، وربط الوعود بالنتائج، وإشعار المواطن بأن الانتخابات تترك أثراً في حياته اليومية.
ومن هنا فإن السؤال المركزي الذي تطرحه انتخابات 23 شتنبر وتعيين 29 شتنبر لا ينبغي أن يختزل في معرفة ما إذا كان اسم رئيس الحكومة قد تغير أم لا. السؤال الأعمق هو: هل نحن أمام مجرد تغيير في قيادة الحكومة، أم أمام لحظة إعادة تركيب للعلاقة بين الدولة والحكومة والأحزاب والناخب المغربي؟
قد يكون من المبكر تقديم إجابة نهائية. فالمعطيات الانتخابية تحدد بداية المسار، والتعيين الملكي فعلٌ دستوري، والمشاورات الحزبية ستحدد شكل الأغلبية، والبرنامج الحكومي سيحدد أولويات المرحلة، لكن الأداء الفعلي هو الذي سيكشف مدى عمق التحول.
إذا ظلت الانتخابات تنتج النخب والشبكات نفسها، مع تغيير مواقع الأحزاب داخل الحكومة، فإننا نكون أمام تداول حكومي داخل الخريطة السياسية القائمة. أما إذا أفضت المرحلة الجديدة إلى تجديد فعلي للنخب، وتوسيع المشاركة، وتقوية الصلة بين الأحزاب والمجتمع، وربط البرامج الانتخابية بمؤشرات قابلة للمحاسبة، وتعزيز وظيفة البرلمان في الرقابة، فإن انتخابات 2026 تكون قد أنتجت تحولاً يتجاوز تغيير رئيس الحكومة.
ومن هذه الزاوية، فإن فاطمة الزهراء المنصوري لا تبدأ مهمتها من الصفر، كما أن وصولها إلى رئاسة الحكومة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية لمسار، وإنما بداية لمرحلة جديدة من الاختبار المؤسساتي والسياسي. فالرمزية التاريخية لكونها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة تظل مهمة، لكنها لن تكون المعيار الوحيد لقراءة المرحلة. المعيار العملي سيكون في قدرة الحكومة على بناء أغلبية سياسية متماسكة، وصياغة برنامج قابل للتنفيذ، والاستجابة للمطالب الاجتماعية، وإدارة الملفات الوطنية الكبرى، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
لقد أفرزت انتخابات 23 شتنبر حزباً أول، لكنها لم تفرز حكومة جاهزة. والتعيين الملكي لرئيسة الحكومة فعّل القاعدة الدستورية، أما الحكومة نفسها فما زالت تحتاج إلى أن تُبنى عبر التفاوض السياسي، ثم تحصل على ثقة البرلمان، ثم تُختبر أمام المجتمع من خلال الأداء.
وهنا تكمن دلالة المرحلة المقبلة: الانتخابات انتهت، لكن السياسة بدأت. فالمعيار النهائي لأي تحول انتخابي لا يكمن فقط في السؤال: من تصدر الصندوق؟ وإنما في السؤال الأكثر عمقاً: ماذا سيفعل الفائز بالشرعية التي منحه إياها الصندوق؟
وعلى هذا الأساس، قد تكون انتخابات 2026 بداية إعادة ترتيب داخل المجال السياسي المغربي، لكن حجم هذا التحول لن يُحسم يوم إعلان النتائج ولا يوم تعيين رئيسة الحكومة. سيتحدد عبر مسار الحكومة الجديدة، وعلاقتها بالبرلمان والأحزاب والإدارة والمجتمع، وقدرتها على تحويل الشرعية الانتخابية إلى سياسات عمومية محسوسة.
وهكذا يصبح الحدث أكثر من انتقال من اسم إلى اسم؛ إنه اختبار جديد للتوازن المغربي بين استمرارية الدولة، وتداول المسؤولية الحكومية، وتغير الخريطة الحزبية، وتجدد المجتمع.