الحنبلي عزيز -متابعة
تعود قضية مشروع معالجة وتدوير مخلفات الدواجن إلى واجهة النقاش المحلي بمدينة برشيد، بعد إدراجها ضمن النقطة السادسة عشرة من جدول أعمال الدورة العادية لمجلس الجماعة لشهر أكتوبر 2026، في خطوة أثارت تساؤلات لدى فعاليات مدنية وحقوقية حول الأسباب التي دفعت المجلس إلى إعادة فتح ملف سبق أن صدر بشأنه قرار بالرفض.
وبحسب المعطيات الواردة في البلاغ الصادر عن التنسيقية الإقليمية للمجتمع المدني بإقليم برشيد، يتعلق الأمر بمشروع يخص الترخيص لشركة متخصصة في معالجة وتدوير مخلفات الدواجن، سبق لمجلس جماعة برشيد أن رفضه بموجب المقرر رقم 30/2025 الصادر بتاريخ 7 ماي 2025. غير أن الملف يعود اليوم إلى المجلس من خلال مقترح يرمي إلى العدول عن القرار السابق، وهو ما فتح نقاشاً حول المستجدات التقنية أو القانونية أو البيئية التي يمكن أن تكون قد طرأت منذ تاريخ الرفض.
وتطالب فعاليات المجتمع المدني بتوضيح الأسباب الدقيقة التي تبرر هذا التحول، وما إذا كانت الشركة قد أدخلت تعديلات على طبيعة المشروع أو طاقته الإنتاجية أو آليات معالجة المخلفات، وما إذا كانت دراسات بيئية أو خبرات تقنية جديدة قد أنجزت منذ قرار ماي 2025.
وتعتبر التنسيقية أن حساسية المشروع لا ترتبط فقط بطبيعته الصناعية، بل أيضاً بكونه يتعامل مع مخلفات مجازر الدواجن، وما قد يرتبط بذلك من قضايا الروائح والانبعاثات والمياه العادمة وحركة الشاحنات وتأثير النشاط الصناعي على المحيط السكني.
وفي هذا السياق، دعت التنسيقية إلى تنظيم وقفة احتجاجية يوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026، على الساعة الثانية عشرة والنصف زوالاً، أمام قاعة الاجتماعات التابعة للمعهد العالي لتقنيات الإعلاميات والتجارة والتسيير ببرشيد، بالتزامن مع انعقاد دورة المجلس الجماعي، للتعبير عن رفض المشروع والمطالبة بضمان حق السكان في بيئة سليمة.
وتستحضر الأصوات المعارضة للمشروع تجارب سُجلت في مدن أوروبية تضم منشآت لمعالجة مخلفات الحيوانات والدواجن. ففي فرنسا، أوردت تقارير صحفية شهادات لسكان بالقرب من منشآت من هذا النوع تحدثوا عن معاناتهم من الروائح، من بينها شهادة لسيدة مسنة بمدينة Vaiges، قالت إن الروائح الصادرة عن منشأة لمعالجة مخلفات الدواجن كانت تصل إلى منزلها بشكل متكرر.
وفي مدينة Agen الفرنسية، تحدث أصحاب مقاه ومطاعم، بحسب شهادات إعلامية متداولة، عن تأثير الروائح المنبعثة من منشأة لمعالجة مخلفات الحيوانات على نشاطهم اليومي وعلى راحة الزبائن.
غير أن هذه التجارب، وإن كانت تثير مخاوف مشروعة بشأن الآثار المحتملة لهذا النوع من الأنشطة، لا تشكل في حد ذاتها دليلاً على أن المشروع المزمع إنجازه ببرشيد ستكون له الآثار نفسها، إذ يبقى تقييم ذلك مرتبطاً بطبيعة التكنولوجيا المعتمدة، وموقع المنشأة، وشروط المعالجة، ومدى احترام المعايير البيئية والصحية وآليات المراقبة.
ومن بين أبرز الأسئلة التي يطرحها المجتمع المدني اليوم: ما الذي تغير بين قرار الرفض الصادر في ماي 2025 وإعادة إدراج الملف في أكتوبر 2026؟ وهل توصل المجلس بمعطيات أو دراسات جديدة تبرر مراجعة قراره؟ وهل استوفى المشروع جميع الموافقات والآراء التقنية والبيئية المطلوبة؟
كما تطالب الأصوات المدنية بالكشف عن حجم الاستثمار والطاقة اليومية للمعالجة، وطبيعة المواد التي ستستقبلها المنشأة، وكيفية التخلص من المياه العادمة، وآليات الحد من الروائح والانبعاثات، إضافة إلى عدد الشاحنات المتوقع دخولها وخروجها من الموقع يومياً.
وفي مقابل ذلك، يثار على المستوى المحلي حديث عن علاقات محتملة بين بعض المنتخبين وأشخاص على صلة بالمشروع. وهي معطيات لم تُقدم بشأنها، ضمن المواد المتاحة، أدلة موثقة تسمح بتحويلها إلى اتهامات ثابتة. لذلك تدعو فعاليات محلية إلى التعامل معها بمنطق التحقق والشفافية، من خلال مطالبة كل من يهمه الأمر بتوضيح طبيعة علاقاته، عند الاقتضاء، والتأكد من احترام القواعد المرتبطة بتفادي تضارب المصالح.
وتشدد هذه الفعاليات على أن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة لأشخاص عبر وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، بل إلى مطالبة المؤسسات المعنية بالكشف عن الوثائق والمعطيات التي بُني عليها القرار، بما يسمح للرأي العام بتقييم الملف على أساس معلومات دقيقة.
وبالنسبة للتنسيقية الإقليمية للمجتمع المدني، فإن المطلوب في هذه المرحلة يتمثل في نشر الوثائق المرتبطة بالنقطة 16، وتوضيح أسباب العدول عن المقرر السابق، والكشف عن الدراسات والآراء التقنية والبيئية التي يعتمد عليها المجلس، مع التأكد من احترام المساطر القانونية قبل منح أي ترخيص محتمل.
كما تطالب بفتح نقاش عمومي حول الآثار الصحية والبيئية للمشروع، معتبرة أن الحق في الاستثمار لا يتعارض مع حق السكان في الحصول على المعلومات وفي بيئة سليمة.
وبذلك، لم تعد النقطة السادسة عشرة مجرد بند إداري في جدول أعمال دورة المجلس، بل تحولت إلى اختبار لمدى قدرة جماعة برشيد على تقديم قرار معلل وشفاف وقابل للدفاع عنه أمام السكان.
ويبقى السؤال المركزي الذي ينتظر جواباً واضحاً: ما الذي تغير منذ قرار الرفض الصادر في 7 ماي 2025 حتى يعود الملف اليوم من بوابة العدول عنه؟
فالجواب عن هذا السؤال، بالنسبة للساكنة والفعاليات المدنية، لا ينبغي أن يكون في شكل تطمينات عامة، بل عبر وثائق ودراسات ومعطيات تقنية توضح الأساس الذي سيُبنى عليه القرار الجديد.