افتتاحية

حكومة المنصوري.. ليست مجرد تحالف مع «البام»، بل رهان على حكومة سياسية تستحضر التناوب وتواجه اختبار المعارضة

الحنبلي عزيز –تنوير – رأي وتحليل سياسي

ليس كل تحالف حكومي مشروعاً سياسياً، وليس كل اجتماع للأحزاب حول أغلبية برلمانية تعبيراً عن توافق حقيقي بشأن تدبير الشأن العام. فقد تنجح الأحزاب في جمع المقاعد وتوزيع الحقائب، لكنها قد تفشل في إنتاج رؤية سياسية مشتركة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والاستجابة لانتظارات المواطنين.

ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الدائر حول الحكومة المرتقبة لفاطمة الزهراء المنصوري لا ينبغي اختزاله في مجرد التحاق أحزاب الكتلة الديمقراطية التاريخية بحزب الأصالة والمعاصرة، أو في توافق ظرفي فرضته نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، بل يستحق قراءة سياسية أعمق تستحضر التاريخ وتستشرف مستقبل الممارسة الحكومية والحزبية بالمغرب.

فالصيغة التي تتجه نحو الجمع بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية ليست مجرد عملية حسابية لتأمين أغلبية من 207 مقاعد او اكثر داخل مجلس النواب، وإنما تشكل، من حيث تركيبتها السياسية، محاولة لإعادة بناء تحالف يجمع أحزاباً ذات امتدادات تاريخية ووطنية ويسارية مع الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات.

وهنا يكمن جوهر النقاش: هل نحن أمام حكومة سياسية تتأسس على تقاطع البرامج والرؤى والإرادات الإصلاحية، أم أمام أغلبية انتخابية تتقاسم مسؤولية تدبير المرحلة دون أن تمتلك بالضرورة مشروعاً سياسياً موحداً؟

من ذاكرة التناوب إلى تحديات الحاضر

يصعب قراءة التحالف الحكومي المرتقب دون العودة إلى تجربة الكتلة الديمقراطية، التي شكلت خلال تسعينيات القرن الماضي إحدى أبرز محطات العمل السياسي المشترك بين أحزاب الحركة الوطنية واليسار المغربي.

لقد كانت الكتلة، في سياقها التاريخي، أكثر من مجرد تنسيق بين أحزاب، إذ ارتبطت بمطالب الإصلاح الدستوري وتوسيع المشاركة السياسية وتطوير المؤسسات، قبل أن تتوج تلك المرحلة بتجربة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة الراحل عبد الرحمن اليوسفي.

غير أن التاريخ لا يتكرر بالصيغة نفسها، ولا يمكن استدعاء رمزية التناوب لتقديم أي تحالف حكومي جديد باعتباره امتداداً تلقائياً لتلك التجربة.

فالتناوب التوافقي جاء في ظروف سياسية ومؤسساتية خاصة، بينما تتشكل حكومة المنصوري في ظل دستور 2011، وبعد انتخابات تشريعية أفرزت خريطة حزبية مختلفة، وفي سياق تحولات اقتصادية واجتماعية ومجتمعية تفرض أولويات جديدة.

ولذلك، فإن القيمة السياسية للتحالف المرتقب لا ينبغي أن تقاس بقدرته على استحضار صورة الكتلة التاريخية، وإنما بمدى نجاحه في تحويل ذلك الرصيد الرمزي إلى برنامج حكومي واضح، وإلى ممارسة سياسية تعيد الاعتبار للمسؤولية الحزبية والمحاسبة الديمقراطية.

فالأحزاب التي صنعت جانباً من تاريخ المعارضة المغربية، وخاضت معارك سياسية ونقابية وديمقراطية، ستكون اليوم مطالبة بإثبات قدرتها على تقديم إضافة نوعية داخل الحكومة، وليس فقط استثمار تاريخها لتبرير مشاركتها.

حكومة سياسية لا مجرد أغلبية يقودها «البام»

من المهم التمييز بين حكومة تقودها فاطمة الزهراء المنصوري بحكم تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات، وبين حكومة تختزل هويتها في البرنامج الانتخابي للحزب الأول وحده.

فالدستور يمنح الحزب المتصدر موقع قيادة مشاورات تشكيل الحكومة، غير أن هذا المعطى لا يلغي الطبيعة الائتلافية للعمل الحكومي، ولا يحول الأحزاب المشاركة إلى مجرد امتداد تنظيمي أو انتخابي للحزب الذي يقود الأغلبية.

وإذا كانت أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية قد اختارت التوجه نحو المشاركة، فإن هذا الاختيار يفترض أن يستند إلى تقاطعات سياسية وبرنامجية يمكن ترجمتها إلى التزامات حكومية مشتركة.

وهنا تبرز أهمية مفهوم «الحكومة السياسية»، الذي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعار إعلامي أو تعبير ظرفي يرافق المفاوضات.

فالحكومة السياسية، في تقديرنا، هي تلك التي تمتلك هوية برنامجية واضحة، وتتحمل أحزابها مسؤولية الاختيارات الكبرى بشكل جماعي، وتكون قادرة على الدفاع عن قراراتها أمام البرلمان والرأي العام.

كما أنها حكومة لا تكتفي بالكفاءة التقنية في تدبير القطاعات، على أهميتها، بل تربط التدبير الإداري بالإرادة السياسية، وتمنح للأحزاب والوزراء دوراً فعلياً في تحديد الأولويات وصناعة القرار وتقييم النتائج.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيحصل على وزارة أو قطاع معين، بل بالسؤال عما ستضيفه كل قوة سياسية إلى البرنامج الحكومي، وكيف ستنعكس مرجعياتها وتصوراتها على السياسات العمومية.

الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.. المشاركة تحت اختبار الهوية

تكتسي مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في حال استكمال الترتيبات الحكومية، أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه التاريخي في المعارضة وتجربة التناوب التوافقي.

فقرار المجلس الوطني للحزب الترحيب بالمشاركة، وتفويض الكاتب الأول إدريس لشكر مواصلة المفاوضات، لا يطرح فقط سؤال العودة إلى الحكومة، بل يثير نقاشاً حول طبيعة الدور السياسي الذي يمكن أن يضطلع به حزب ارتبط اسمه بالإصلاح الديمقراطي والدفاع عن الحقوق الاجتماعية.

وسيكون على الاتحاد الاشتراكي أن يوضح، من خلال البرنامج والممارسة، القيمة المضافة لمشاركته، ومدى قدرته على الدفاع عن توجهاته داخل تحالف تتعدد مرجعياته.

والأمر نفسه ينطبق على حزب التقدم والاشتراكية، الذي اختار بدوره المشاركة في الحكومة المقبلة، في خطوة تفتح أمامه مجالاً للمساهمة في تدبير السياسات العمومية، لكنها تضعه أيضاً أمام مسؤولية التوفيق بين هويته اليسارية ومتطلبات التضامن الحكومي.

فالمشاركة السياسية لا تعني بالضرورة التخلي عن المرجعية الحزبية، لكنها تفرض تحويل المبادئ إلى إجراءات وقرارات قابلة للتنفيذ، والقبول بتحمل مسؤولية نتائجها.

ومن هنا، فإن الحكم على طبيعة الحكومة المقبلة ينبغي أن ينطلق من مضمون برنامجها ومن أولوياتها الاجتماعية والاقتصادية، لا من مجرد أسماء الأحزاب المشاركة فيها.

أغلبية فوق 207 مقاعد.. بين المشروعية العددية والحاجة إلى الانسجام

من الناحية البرلمانية، تتوفر الصيغة الرباعية المرتقبة على 207 مقاعد او اكثر من أصل 395، أي بفارق تسعة مقاعد فقط عن عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً.

وهذا الهامش، وإن كان كافياً حسابياً لتكوين أغلبية مطلقة، فإنه يضع التحالف أمام تحدي المحافظة على الانضباط السياسي والتشريعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع إصلاحية قد تثير اختلافات بين مكوناته.

غير أن ضيق الأغلبية لا يعني بالضرورة ضعفها، مثلما أن اتساعها لا يشكل ضمانة تلقائية للاستقرار.

لقد أظهرت التجارب الحكومية المغربية أن الخلافات لا تنشأ دائماً من نقص المقاعد، بل قد تكون نتيجة غياب الوضوح البرنامجي، أو تضارب المصالح الحزبية، أو ضعف آليات التنسيق واتخاذ القرار.

ولهذا، فإن استقرار حكومة المنصوري لن يتحدد بعدد النواب الذين يدعمونها فقط، بل بقدرتها على بناء ميثاق سياسي يحدد الأولويات والمسؤوليات وقواعد تدبير الاختلاف.

وستكون ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار من أبرز المجالات التي يمكن أن يظهر فيها مدى الانسجام بين الشعارات الانتخابية والاختيارات الحكومية الفعلية.

بين التناوب و«البلوكاج».. دروس لا ينبغي تجاهلها

إذا كانت تجربة التناوب التوافقي لسنة 1998 تستحضر إمكانية بناء توافق سياسي حول مشروع إصلاحي، فإن أزمة تشكيل الحكومة سنة 2016 تقدم درساً مختلفاً يتعلق بمخاطر تعثر التفاوض بين الأحزاب.

فقد كشفت أزمة «البلوكاج» التي واجهها عبد الإله بنكيران آنذاك أن اختلاف الشروط السياسية بين الشركاء المحتملين قد يتحول إلى عائق أمام تشكيل الحكومة، حتى عندما تكون نتائج الانتخابات واضحة.

لكن الخطر لا يقتصر على التأخر في التشكيل؛ فقد تنجح الأحزاب في تجاوز خلافاتها خلال المفاوضات، ثم تعيد إنتاجها داخل الحكومة عند مناقشة القرارات والإصلاحات الكبرى.

ومن ثم، فإن الاستفادة من التجارب السابقة تتطلب الاتفاق منذ البداية على طبيعة المشروع الحكومي، وليس الاكتفاء بتوزيع المسؤوليات وتأجيل النقاش حول القضايا الخلافية.

المعارضة المقبلة.. اختبار آخر للحكومة السياسية

في مقابل التحالف الحكومي المرتقب، تتشكل خريطة معارضة برلمانية تحمل بدورها دلالات سياسية مهمة، خاصة مع عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة بحصوله على 54 مقعداً، وحضور تحالف اليسار بثمانية مقاعد.

وتمنح هذه النتائج العدالة والتنمية موقعاً مهماً في العمل الرقابي والتشريعي، بعد التراجع الذي شهده خلال انتخابات 2021، لكنها تضعه أيضاً أمام تحدي تقديم بدائل سياسية واقتصادية واجتماعية، بالنظر إلى تجربته السابقة في قيادة الحكومة بين 2011 و2021.

أما تحالف اليسار، فيواجه اختباراً من طبيعة مختلفة، إذ سيكون مطالباً بتقديم خطاب يساري معارض، في وقت تتجه فيه أحزاب يسارية تاريخية نحو المشاركة الحكومية.

ورغم اختلاف المرجعيات بين العدالة والتنمية وتحالف اليسار، فإنهما قد يلتقيان في مساءلة الحكومة بشأن بعض الملفات الاجتماعية والاقتصادية، مع استمرار التباين بين تصوراتهما في قضايا سياسية ومجتمعية أخرى.

ولا تعني المقاعد الـ62 التي يمتلكها الطرفان وجود جبهة معارضة موحدة، كما أن المعارضة البرلمانية لا تختزل فيهما، بالنظر إلى وجود قوى سياسية أخرى خارج التحالف، من بينها التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، فضلاً عن اختيار الاتحاد الدستوري موقع المساندة النقدية.

وفي تقديرنا، فإن قوة الحكومة السياسية لا تقاس فقط بانسجام أغلبيتها، بل أيضاً بقدرتها على التفاعل مع المعارضة واحترام أدوارها الدستورية، والانفتاح على النقاش العمومي والمساءلة.

فالمعارضة ليست مجرد طرف يعترض على قرارات الحكومة، بل تشكل جزءاً أساسياً من التوازن الديمقراطي، ومن آليات تقييم السياسات العمومية ومراقبة العمل التنفيذي.

الرهان الحقيقي.. استعادة المعنى السياسي للمشاركة الحكومية

إن ما تحتاجه المرحلة المقبلة ليس فقط حكومة تستكمل ولايتها التشريعية، بل ممارسة حكومية تعيد الاعتبار للبرنامج السياسي وللمسؤولية الحزبية وللعلاقة بين المؤسسات والمواطنين.

فالأحزاب المشاركة في الحكومة مطالبة بتوضيح ما يجمعها من اختيارات، وما تلتزم بتحقيقه من أهداف، وكيف ستدبر الاختلافات التي قد تظهر خلال ممارسة السلطة.

وفي المقابل، ستكون المعارضة مطالبة بإثبات قدرتها على ممارسة رقابة فعالة وتقديم تصورات بديلة، بدل الاكتفاء بتحويل البرلمان إلى فضاء للمواجهة الخطابية.

إن استحضار التناوب التوافقي لا ينبغي أن يكون مجرد استدعاء للذاكرة السياسية، وإنما فرصة للتفكير في شروط بناء توافق حكومي حقيقي، يقوم على المسؤولية والوضوح والقدرة على الإنجاز.

كما أن تجاوز تجربة «البلوكاج» لا يتحقق بمجرد الإسراع في إعلان التحالف، بل بتأسيس علاقات سياسية واضحة بين الشركاء تضمن استمرارية العمل الحكومي، وتمنع تحول الخلافات الحزبية إلى أزمات مؤسساتية.

إن حكومة المنصوري، إذا استقرت على الصيغة الرباعية المتداولة، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد تحالف لأحزاب الكتلة التاريخية مع «البام»، بل باعتبارها تجربة سياسية جديدة ستُختبر بمدى قدرتها على إنتاج برنامج مشترك وتحمل المسؤولية الجماعية أمام المواطنين.

فالتاريخ السياسي المغربي غني بتجارب تؤكد أن الوصول إلى الحكومة شيء، والنجاح في الحكم شيء آخر.

وبين إرث عبد الرحمن اليوسفي، ودروس أزمة 2016، وتحديات المرحلة المقبلة، يبقى السؤال الذي يستحق أن يكون في صلب النقاش العمومي:

هل تستطيع حكومة المنصوري أن تنتقل من منطق تجميع الأحزاب إلى بناء مشروع سياسي مشترك، يعيد الاعتبار للعمل الحكومي والحزبي، ويؤسس لعلاقة أكثر وضوحاً بين الأغلبية والمعارضة والمواطنين؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي للحكومة السياسية: ليس فقط أن تتوفر على أغلبية داخل البرلمان، بل أن تكون لها رؤية واضحة، ومسؤولية مشتركة، وحصيلة قابلة للتقييم والمحاسبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى