مجتمع

بعد 27 سنة.. صلاح الوديع يعيد نشر رسالته إلى «جلاد درب مولاي الشريف» ويطالب بعدم طي صفحة سنوات الرصاص دون حقيقة ومساءلة

 الحتبلي عزيز –تنوير – متابعة

أعاد الحقوقي والشاعر والمعتقل السياسي السابق صلاح الوديع فتح واحدة من أكثر صفحات التاريخ المغربي المعاصر إيلاماً، بعدما أعاد نشر رسالته المفتوحة الشهيرة «إلى جلاد معتقل درب مولاي الشريف»، التي كتبها في 16 أبريل 1999، تحت عنوان «الرعب والحرية لا يلتقيان»، مستحضراً من خلالها ذاكرة التعذيب والاعتقال السياسي ومعاناة ضحايا سنوات الرصاص وعائلاتهم.

وتأتي إعادة نشر هذه الرسالة، بعد مرور 27 سنة على صدورها الأول، في سياق الجدل الذي أثارته مداخلات وتصريحات داخل المؤسسة التشريعية بشأن المسؤوليات عن انتهاكات الماضي، وما رافقها من نقاش حقوقي وسياسي حول الحقيقة والمحاسبة ومآلات تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب.

وأوضح الوديع، في تقديمه للرسالة التي أعاد نشرها يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، أن الغاية من استحضار هذا النص ليست مجرد استعادة ذكريات شخصية مؤلمة، وإنما تمكين الأجيال الجديدة من الاطلاع على مرحلة تاريخية طبعتها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، والتذكير بمسؤولية المجتمع والمؤسسات في صون الذاكرة الجماعية ومنع تكرار تلك الممارسات.

واستهل الوديع تقديمه باعتذار للقراء عن قسوة الصور والتعبيرات الواردة في شهادته، مؤكداً أن الحديث عن تلك التجارب يظل ضرورياً حتى لا تتحول الانتهاكات إلى أحداث منسية أو روايات قابلة للإنكار.

رسالة من قلب سنوات الرصاص

تعود الرسالة إلى مرحلة سياسية كان المغرب خلالها يعيش بدايات تجربة التناوب التوافقي بقيادة الوزير الأول الراحل عبد الرحمن اليوسفي، وما رافقها من آمال في الانتقال الديمقراطي وفتح الملفات المرتبطة بالماضي الحقوقي للدولة.

وقد نُشرت الرسالة لأول مرة بجريدة «الاتحاد الاشتراكي»، كما ظهرت نسختها الفرنسية في جريدة «ليبراسيون»، في مبادرة اختار من خلالها الوديع مخاطبة مسؤول أمني سابق اتهمه بالإشراف على عمليات التعذيب داخل معتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء.

ولم تكن الرسالة، في مضمونها، مجرد مواجهة شخصية بين معتقل سابق ومن يتهمه بتعذيبه، بل جاءت مساءلة سياسية وأخلاقية لطبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، وحدود سلطة الأجهزة الأمنية، ومدى إمكانية بناء مجتمع ديمقراطي دون مواجهة إرث الانتهاكات.

وانطلق الوديع من سؤال اعتبره جوهر رسالته: هل يمكن أن تتعايش الحرية مع الخوف الذي ترسخ في المجتمع خلال عقود من القمع؟

ومن خلال هذا التساؤل، حاول إبراز التناقض بين الخطاب الديمقراطي وممارسات التعذيب والاختفاء القسري، معتبراً أن الانتقال إلى دولة القانون يتطلب القطع مع الإفلات من العقاب، لا الاكتفاء بتغيير الخطاب السياسي.

شهادات مؤلمة عن التعذيب ومعاناة الضحايا

خصص الوديع جزءاً مهماً من رسالته لاستحضار تجربته الشخصية داخل معتقل درب مولاي الشريف، حيث وصف ظروف الاحتجاز والتعذيب الجسدي والنفسي التي قال إنه تعرض لها، من تعصيب العينين وتقييد الأطراف إلى الضرب والإهانات والمس بكرامة المعتقلين وعائلاتهم.

واستعاد الكاتب تفاصيل بقيت راسخة في ذاكرته، من بينها روائح المعتقل وأصوات الضحايا وظروف الاحتجاز، مقدماً شهادة إنسانية عن الآثار التي يمكن أن يتركها التعذيب في أجساد المعتقلين ونفوسهم حتى بعد مرور سنوات طويلة.

ولم يقتصر النص على تجربته الشخصية، بل استحضر أسماء عدد من ضحايا الاعتقال السياسي والاختفاء القسري، وفي مقدمتهم عبد اللطيف زروال، الذي تناول ظروف وفاته ومعاناة أسرته في البحث عن الحقيقة ومعرفة مكان رفاته.

كما استحضر معاناة عائلات عبد الحق الرويسي والحسين المانوزي، وغيرهم ممن ظلت أسرهم، لسنوات طويلة، تطالب بالكشف عن مصير أبنائها أو معرفة أماكن دفنهم.

ومن خلال هذه الشهادات، نقل الوديع مركز الاهتمام من معاناة المعتقلين وحدهم إلى معاناة الأمهات والآباء والأبناء، الذين عاشوا انتظاراً طويلاً ومريراً، في ظل غياب الأجوبة عن مصير ذويهم.

وتكتسب هذه الإشارات أهمية خاصة بالنظر إلى استمرار مطالب حقوقية بالكشف الكامل عن مصير عدد من المختفين قسرياً، وهو ما تؤكده تقارير ومواقف صادرة عن منظمات حقوقية مغربية.

من ذاكرة التعذيب إلى سؤال مسؤولية الدولة

لم يتوقف الوديع عند سرد الوقائع المؤلمة، بل وسّع دائرة النقد لتشمل الأثر السياسي والاجتماعي لثقافة الخوف.

ففي نظره، لا يستهدف التعذيب الشخص المعتقل وحده، بل يسعى إلى نشر الرعب في المجتمع، وإضعاف قدرة المواطنين على التعبير والاحتجاج والمشاركة في الحياة العامة.

واعتبر أن الخوف حين يتحول إلى أداة في تدبير العلاقة بين السلطة والمجتمع، فإنه ينتج رقابة ذاتية قد تكون أشد تأثيراً من الرقابة المباشرة، لأن المواطن يصبح متردداً في ممارسة حقوقه حتى دون وجود تهديد ظاهر.

كما ربط الرسالة بين القمع السياسي واختلالات التنمية، مستحضراً مؤشرات اجتماعية واقتصادية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، بهدف إبراز الكلفة التي يدفعها المجتمع عندما تتراجع قيم الحرية والمساءلة وسيادة القانون.

وبذلك تحولت الرسالة من شهادة فردية إلى نقد أوسع لمنظومة الحكم والتدبير خلال تلك المرحلة، ومن مطالبة بإنصاف الضحايا إلى دعوة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين.

جنيف والتناقض بين الخطاب الحقوقي والممارسة

ومن أبرز المحطات التي توقف عندها الوديع في رسالته واقعة مرتبطة بأشغال لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة في جنيف.

فقد تحدث عن مشاركة المسؤول الذي يوجه إليه اتهاماته ضمن وفد رسمي مغربي مكلف بعرض موقف الدولة بشأن التزاماتها في مجال مناهضة التعذيب، معتبراً أن حضوره، بحسب شهادته، يجسد تناقضاً صارخاً بين الخطاب الرسمي بشأن احترام حقوق الإنسان وما قال إنه عايشه شخصياً داخل المعتقل.

وتطرح هذه الواقعة، كما يقدمها الكاتب، سؤالاً حول آليات المساءلة داخل المؤسسات، ومدى كفاية الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق الإنسان دون ضمان التطبيق الفعلي لمقتضياتها.

وتظل هذه الاتهامات الشخصية جزءاً من شهادة الوديع وروايته للأحداث، ولا تعني في حد ذاتها ثبوت المسؤولية الجنائية للشخص المعني دون إجراءات قضائية وأدلة تتيح تحديد المسؤوليات.

هيئة الإنصاف والمصالحة.. إنجازات وأسئلة لم تُحسم

تكتسب إعادة نشر الرسالة دلالات إضافية بالنظر إلى التحولات التي شهدها المغرب منذ سنة 1999، خصوصاً بعد إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، التي اشتغلت على ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بالماضي، وقدمت توصيات تتعلق بكشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاحات المؤسساتية وضمان عدم التكرار.

وقد تقرر نشر التقرير الختامي للهيئة سنة 2006، وتم تكليف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بمتابعة تنفيذ توصياتها، في خطوة شكلت محطة بارزة في مسار العدالة الانتقالية المغربية.

غير أن الوديع يرى، في تقديمه الجديد، أن النقاش حول سنوات الرصاص لا يمكن اعتباره منتهياً ما دامت بعض الوقائع والمسؤوليات موضع إنكار أو خلاف، وما دامت ذاكرة الضحايا تستدعي مزيداً من الإنصاف والاعتراف.

واعتبر أن التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة يشكل مرجعاً تاريخياً وحقوقياً ينبغي استحضاره عند مناقشة الانتهاكات، بدل التعامل مع هذه القضايا باعتبارها مجرد اتهامات سياسية متبادلة.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة التمييز بين الاعتراف المؤسساتي بوقوع انتهاكات جسيمة، وهو ما وثقته أعمال الهيئة، وبين تحديد المسؤولية الفردية عن كل واقعة، الذي يتطلب أدلة وإجراءات مستقلة تحترم الضمانات القانونية.

الصفح لا يعني النسيان

لعل أكثر ما يميز رسالة الوديع هو محاولته الجمع بين المطالبة بالحقيقة والمساءلة من جهة، والاستعداد للصفح والمصالحة من جهة أخرى.

فقد أكد، في ختام نصه، أنه لا يكتب بدافع الانتقام، وأنه لا يرفض من حيث المبدأ الصفح عمن ألحقوا به الأذى، لكنه يرفض أن يتحول الحديث عن المصالحة إلى دعوة للنسيان أو تجاهل آلام الضحايا.

ووجّه إلى مخاطبه دعوة واضحة تقوم على خيارين: إما تقديم ما يفند الوقائع المنسوبة إليه بالحجة والبرهان، مع الاستعداد لمواجهة علنية، أو الاعتراف بالأفعال التي يتهمه بارتكابها، وطلب الصفح من الضحايا، وتحمل المسؤولية عن الماضي.

وبالنسبة إلى الوديع، فإن المصالحة الحقيقية لا تقوم على إخفاء الحقيقة، بل على الاعتراف بها، ورد الاعتبار للضحايا، وترسيخ ضمانات تمنع عودة التعذيب والاعتقال التعسفي والانتهاكات الجسيمة.

ويحمل هذا التصور بعداً إنسانياً واضحاً، إذ لا ينظر إلى المحاسبة باعتبارها وسيلة للانتقام، وإنما بوصفها خطوة لاستعادة كرامة الضحية، وفتح المجال أمام مراجعة الماضي على أسس من الصدق والمسؤولية.

بعد 27 سنة.. لماذا تعود الرسالة اليوم؟

إن عودة رسالة صلاح الوديع إلى التداول، بعد أكثر من ربع قرن على كتابتها، تعكس استمرار حضور ذاكرة سنوات الرصاص في النقاش العمومي المغربي.

فالأحداث التي عرفتها البلاد خلال عقود سابقة لا تزال تثير أسئلة تتجاوز أصحابها المباشرين، لتشمل معنى المصالحة وحدود المسؤولية السياسية والأخلاقية وموقع حقوق الإنسان في بناء المؤسسات الديمقراطية.

كما تكشف إعادة نشر النص عن أهمية الشهادات الشخصية في حفظ الذاكرة الجماعية، باعتبارها مصدراً يساعد على فهم التجارب الإنسانية للضحايا، إلى جانب الوثائق الرسمية والأرشيفات والتقارير الحقوقية والأبحاث التاريخية.

وتبقى قيمة هذه الشهادات مرتبطة أيضاً بإخضاعها للتوثيق والمقارنة والتحقق، بما يحفظ حق الضحايا في التعبير، ويضمن في الوقت نفسه حقوق الأشخاص الذين ترد أسماؤهم في الاتهامات.

وبين رسالة كُتبت سنة 1999 ونقاش يتجدد سنة 2026، يظل السؤال الذي طرحه صلاح الوديع محتفظاً بأهميته: كيف يمكن بناء ديمقراطية قائمة على الثقة والحرية إذا لم تتم مواجهة إرث الخوف والانتهاكات بشجاعة ووضوح؟

إنها رسالة تتجاوز صاحبها ومخاطبها، لتعيد التأكيد على أن حفظ الذاكرة ليس استغراقاً في الماضي، بل جزء من مسؤولية المجتمع تجاه مستقبله، وأن المصالحة المستدامة تحتاج إلى الحقيقة والإنصاف وضمانات عدم التكرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى