مجتمع

الحكم على البروفيسور رشيد شرقاب بسنة حبسا نافذاً يشعل الجدل الحقوقي.. والغلوسي يطالب بالإفراج عنه والتحقيق في شكايات الفساد بمستشفى ابن رشد

 الحنبلي عزيز-تنوير | متابعة

أثار الحكم الابتدائي الصادر في حق البروفيسور رشيد شرقاب، المعروف إعلامياً بلقب «طبيب الفقراء»، والقاضي بإدانته بسنة واحدة حبسا نافذاً، موجة من الجدل الحقوقي بشأن ظروف اعتقاله من داخل المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء، بعدما كان يتابع في حالة سراح، وسط مطالب بإطلاق سراحه وفتح تحقيق جدي في الشكايات التي سبق أن تقدم بها بشأن اختلالات مفترضة في تدبير مستشفى ابن رشد.

وأعادت هذه القضية إلى الواجهة النقاش حول حماية المبلغين عن الفساد، وحدود المتابعة القضائية في القضايا المرتبطة بحرية التعبير والتبليغ عن الاختلالات، فضلاً عن التساؤلات المتعلقة بالتعديلات التي عرفها قانون المسطرة الجنائية، وخاصة المقتضيات المنظمة لتحريك الأبحاث والمتابعات في الجرائم المرتبطة بالمال العام.

وفي هذا السياق، عبر محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، عن استنكاره لقرار اعتقال البروفيسور رشيد شرقاب، معتبراً أن القضية لا تتعلق فقط بحكم قضائي صادر في حق طبيب جامعي، وإنما تثير، من وجهة نظره، إشكالات أوسع تتصل بحماية الأشخاص الذين يكشفون عن شبهات الفساد، ومدى قدرة المنظومة القانونية والمؤسساتية على تشجيع التبليغ عن الاختلالات المفترضة دون تعريض أصحابها لضغوط أو متابعات قد تؤثر في استعداد المواطنين للكشف عن وقائع مماثلة.

اعتقال من داخل المحكمة يثير التساؤلات

وفق المعطيات المتداولة بشأن القضية، مثل البروفيسور رشيد شرقاب أمام المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء في حالة سراح، قبل أن تصدر في حقه حكماً ابتدائياً يقضي بسنة واحدة حبسا نافذاً، في ملف يرتبط بتهم التشهير وانتحال الصفة.

وأعقب صدور الحكم اتخاذ قرار بإيداعه السجن، وهو الإجراء الذي أثار انتقادات من طرف الجمعية المغربية لحماية المال العام، بالنظر إلى وضعية الطبيب أثناء المحاكمة وطبيعة الاتهامات موضوع المتابعة.

وأوضح محمد الغلوسي، في موقفه من القضية، أن قرار الاعتقال استند إلى مقتضيات المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية، معتبراً أن اللجوء إلى هذا الإجراء يستدعي نقاشاً قانونياً وحقوقياً بشأن مبرراته ومدى ملاءمته لظروف الملف.

غير أن تقييم سلامة القرار القضائي يظل مرتبطاً بالاطلاع على منطوق الحكم وتعليله والوثائق القضائية ذات الصلة، فضلاً عن الضمانات وطرق الطعن المتاحة وفق القانون.

وتكتسي القضية أهمية إضافية بالنظر إلى الصفة المهنية للطبيب، الذي ارتبط اسمه، بحسب تصريحات الغلوسي، بمبادرات لمساندة المرضى المعوزين والدفاع عن تحسين الخدمات الصحية، إلى جانب إثارته عدداً من الشكايات المرتبطة بتدبير المؤسسة الاستشفائية التي يشتغل بها.

من ملف قضائي فردي إلى نقاش حول حماية المبلغين عن الفساد

لم يقف موقف رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام عند انتقاد قرار الاعتقال، بل ربط القضية بالإشكالات التي تواجه الأشخاص الذين يتقدمون بشكايات أو يبلغون عن شبهات فساد داخل المؤسسات العمومية.

واعتبر الغلوسي أن متابعة أشخاص أثاروا اختلالات مفترضة، في مقابل ما يراه قيوداً قانونية على تحريك الأبحاث في بعض جرائم المال العام، تطرح تساؤلات بشأن فعالية آليات حماية المبلغين وضمان عدم تعرضهم لإجراءات انتقامية بسبب تبليغاتهم.

ويرى رئيس الجمعية أن المطلوب لا يقتصر على مناقشة الملف القضائي للبروفيسور شرقاب، وإنما يمتد إلى ضرورة التحقق من مضمون الشكايات التي سبق أن تقدم بها لدى الجهات القضائية المختصة، والتأكد من الوقائع الواردة فيها ومدى استنادها إلى معطيات تستوجب البحث والتحقيق.

وتظل هذه الشكايات، في غياب نتائج تحقيقات أو أحكام قضائية تثبت مضمونها، ادعاءات تستوجب التحقق، ولا يمكن اعتبارها دليلاً نهائياً على وقوع اختلالات أو تحديد مسؤوليات بشأنها.

كما أن تقديم شكاية تتعلق بشبهات فساد لا يمنح صاحبها حصانة مطلقة من المساءلة القانونية عن أفعال أخرى، لكنه يطرح في المقابل ضرورة توفير ضمانات فعلية تحول دون توظيف المتابعات وسيلة للضغط على الأشخاص بسبب تبليغات مشروعة.

مستشفى ابن رشد في قلب الجدل

يحتل المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء موقعاً أساسياً في خلفيات القضية، بعدما سبق للبروفيسور رشيد شرقاب، وفق ما أورده محمد الغلوسي، أن تقدم بشكايات متعددة بشأن ما يعتبره اختلالات في تدبير هذه المؤسسة الصحية.

وأشار رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام إلى أن الطبيب تنقل بين مؤسسات النيابة العامة بالدار البيضاء ورئاسة النيابة العامة بالرباط، سعياً إلى المطالبة بالبحث في مضمون هذه الشكايات.

وتطرح هذه المعطيات تساؤلات بشأن المآل الذي عرفته الملفات المذكورة، وما إذا كانت قد خضعت لأبحاث أو افتحاصات أو إجراءات قضائية، فضلاً عن مدى إمكانية إطلاع الرأي العام على النتائج التي يسمح القانون بنشرها.

ويؤكد الغلوسي أن معالجة القضية ينبغي ألا تنحصر في متابعة الطبيب، بل يجب أن تشمل كذلك التحقق من طبيعة الاختلالات المبلغ عنها، وتحديد مدى صحتها، وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء وفق نتائج التحقيقات.

وتزداد أهمية هذا الجانب بالنظر إلى الدور الحيوي للمؤسسات الاستشفائية العمومية في ضمان الحق في العلاج، وما يرتبط بتدبيرها من رهانات تتعلق بحسن استعمال الموارد المالية والبشرية، وجودة الخدمات الصحية، وشفافية القرارات الإدارية.

وفي المقابل، يظل من الضروري التمييز بين الانتقادات الموجهة إلى تدبير مؤسسة عمومية وبين إثبات وقوع مخالفات قانونية أو مالية، وهو ما يتطلب تحقيقات مستقلة ومعطيات موثقة، مع ضمان حقوق جميع الأطراف المعنية.

الغلوسي ينتقد مقتضيات المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية

وفي قراءته للأبعاد القانونية للقضية، انتقد محمد الغلوسي مقتضيات المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، التي اعتبر أنها تقيد إمكانية تحريك الأبحاث والمتابعات في بعض الجرائم المرتبطة بالمال العام.

وبحسب تفسيره لهذه المقتضيات، فإن مباشرة الأبحاث في عدد من ملفات المال العام أصبحت مرتبطة بإحالة تقارير صادرة عن جهات رسمية محددة، وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون.

ويرى الغلوسي أن هذا التوجه قد يقلص هامش المبادرة في الكشف عن الاختلالات المالية، إذا أصبحت مباشرة الأبحاث مرتبطة بإجراءات مؤسساتية لا يملك المواطنون أو الهيئات المدنية التحكم في وتيرتها.

وتندرج هذه الانتقادات ضمن نقاش قانوني أوسع حول العلاقة بين حماية المال العام وضمانات المتابعة القضائية، وحدود الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجمعيات الحقوقية والفعاليات المدنية في التبليغ عن شبهات الفساد والمطالبة بفتح التحقيقات.

غير أن تحديد الأثر القانوني الدقيق للمادة الثالثة يستلزم الرجوع إلى صيغتها النافذة وشروط تطبيقها، وعدم الخلط بين القيود المتعلقة بفئات معينة من الجرائم وبين باقي الاختصاصات القانونية المخولة للنيابة العامة.

ويعتبر رئيس الجمعية أن فعالية محاربة الفساد تتطلب تمكين المؤسسات المختصة من الوسائل القانونية الضرورية للتحقيق في الشبهات الجدية، مع حماية الأشخاص الذين يقدمون معلومات أو وثائق يمكن أن تساعد على كشف مخالفات محتملة.

حماية المبلغين بين النص القانوني والواقع العملي

تفتح قضية البروفيسور رشيد شرقاب نقاشاً يتجاوز شخص الطبيب، ليشمل واقع حماية المبلغين عن الفساد داخل المؤسسات العمومية، وخاصة تلك التي تتولى تدبير خدمات أساسية للمواطنين.

فالتبليغ عن شبهات الفساد يعد إحدى الآليات التي يمكن أن تسهم في تحسين الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، شريطة احترام الضوابط القانونية والمهنية المرتبطة بصحة المعلومات وحسن النية وحماية حقوق الأشخاص المعنيين.

وتبرز أهمية هذه الحماية عندما يتعلق الأمر بأشخاص يعملون داخل مؤسسات عمومية، وقد تكون لديهم إمكانية الاطلاع على معطيات تتصل بالتدبير الإداري أو المالي أو المهني.

وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري إيجاد توازن بين تشجيع التبليغ المسؤول عن الاختلالات، وضمان عدم استخدام الاتهامات غير المثبتة للإضرار بسمعة الأفراد والمؤسسات، مع توفير آليات مستقلة للتحقق من الشكايات.

ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الذي أثارته الجمعية المغربية لحماية المال العام يطرح سؤالاً بشأن مدى قدرة المنظومة المؤسساتية على ضمان حماية فعلية للمبلغين، دون المساس باستقلال القضاء أو بحقوق الأطراف المتضررة من أي ادعاءات قد تكون غير صحيحة.

مطالب بالإفراج عن الطبيب وفتح تحقيق في الشكايات

طالب محمد الغلوسي بإطلاق سراح البروفيسور رشيد شرقاب، معتبراً أن استمرار اعتقاله يثير مخاوف حقوقية بالنظر إلى خلفيات القضية كما عرضها.

كما دعا إلى فتح أبحاث جدية بشأن الشكايات التي تقدم بها الطبيب، والتحقق من الوقائع المضمنة فيها، وعدم الاكتفاء بمعالجة الجانب المتعلق بالمتابعة القضائية التي انتهت بصدور الحكم الابتدائي.

وشدد رئيس الجمعية على أهمية حماية المبلغين عن الفساد، داعياً الهيئات الحقوقية والقوى المدنية إلى التفاعل مع القضية، بما يضمن احترام الحقوق والحريات والضمانات القانونية.

واعتبر الغلوسي أن المكان الطبيعي للطبيب هو الجامعة والمستشفى، لمواصلة مهامه العلمية والطبية وخدمة المرضى، مؤكداً أنه سيعود إلى تفاصيل الملف بعد استكمال المعطيات المرتبطة به.

وتعكس هذه المطالب موقف الجمعية المغربية لحماية المال العام، بينما تظل الإجراءات القضائية المتعلقة بالملف خاضعة للمساطر القانونية وطرق الطعن المقررة.

قضية تثير أسئلة الثقة في المؤسسات

بعيداً عن المواقف المتباينة التي يمكن أن تثيرها القضية، فإن الحكم الابتدائي الصادر في حق البروفيسور رشيد شرقاب، وما رافقه من انتقادات حقوقية، يعيدان طرح أسئلة بشأن العلاقة بين العدالة ومحاربة الفساد وحرية التعبير وحماية المبلغين.

ويتعلق الأمر، من جهة، بضرورة احترام استقلال السلطة القضائية وضمان حقوق جميع المتقاضين، ومن جهة ثانية، بأهمية التعامل الجدي مع الشكايات المرتبطة بتدبير المال العام والخدمات العمومية.

كما يطرح الملف الحاجة إلى وضوح أكبر بشأن الإجراءات المتخذة حيال الشكايات المتعلقة بالاختلالات المفترضة داخل المؤسسات الصحية، بما يعزز الثقة في آليات الرقابة والمحاسبة، ويحمي في الوقت نفسه سمعة الأشخاص والمؤسسات من الاتهامات غير المثبتة.

ويبقى الرهان الأساسي هو ضمان ألا تتحول إجراءات التبليغ عن الفساد إلى مصدر خوف بالنسبة إلى المواطنين والمهنيين الذين يتصرفون بحسن نية، وألا تتحول صفة المبلغ، في المقابل، إلى وسيلة لتجاوز المسؤوليات القانونية.

وفي انتظار ما قد تسفر عنه المراحل القضائية المقبلة، تظل قضية رشيد شرقاب مفتوحة على عدة تساؤلات تتعلق بمآل الحكم الابتدائي، ومصير الشكايات المقدمة بشأن مستشفى ابن رشد، والضمانات العملية المتاحة لحماية الأشخاص الذين يبلغون عن شبهات الفساد.

فهل تشكل هذه القضية مناسبة لإعادة النقاش حول حماية المبلغين عن الفساد وتعزيز الشفافية داخل المؤسسات العمومية؟ وهل تكشف الجهات المختصة عن مآل الشكايات المتعلقة بالاختلالات المزعومة، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات؟

تبقى الإجابة عن هذه الأسئلة رهينة بما ستكشف عنه الإجراءات القضائية والمعطيات الرسمية ذات الصلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى